الحوار المتمدن - موبايل


من دفتر الهجرة، ووترجيت

محمد زكريا توفيق

2020 / 2 / 16
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


لقد هاجرت إلى نيويورك عام 1969م، عندما كان نيسكون رئيسا للولايات المتحدة. ولكي نفهم النظام الديموقراطي في أمريكا وكيف تحكم الشعوب الغربية العلمانية، يجب أن نتمعن في حكاية ووترجيت، فهي تستحق الدراسة.

في يناير عام 1969م، تم تنصيب ريتشارد نيكسون الرئيس السابع والثلاثون للولايات المتحدة. في عام 1971م، أمر بتركيب نظام سري يسجل جميع المحادثات في المكتب البيضاوي، وفي مكتبه التنفيذي، ومكتبه بكامب ديفيد، وعلى عدة هواتف معينة في تلك المواقع.

بعد ذلك بعدة شهور، بدأت صحيفة نيويورك تايمز في نشر أوراق وزارة الدفاع، البنتاجون، السرية الخاصة بحرب فيتنام. صحيفة واشنطن بوست تحزوا حزوها في نفس الأسبوع.

لذلك قام نيكسون بتجنيد فريق من موظفي مكتب التحقيقات الفدرالي السابقين ووكالة المخابرات المركزية، الذين عرفوا لاحقا بالسباكين، للتحقيق في تسرب أوراق البنتاجون.

اقتحم "السباكون" مكتب دانيال إلسبرج في وزارة الدفاع. دانيال هو الطبيب النفسي الذي قام بتسريب أوراق البنتاجون للصحافة. ذلك لتشويه سمعته.

عام 1972م، أحد السباكين، جي جوردون ليدي، تم نقله إلى لجنة إعادة انتخاب الرئيس، وحصل على موافقة من النائب العام، جون ميتشل، للتجسس ضد الحزب الديمقراطي.

قام ليدي وفريقه بالتسلل زي الحرامية إلى مقر الحزب الديموقراطي في مبنى ووترجيت بالعاصمة واشنطن، وقاموا بوضع أجهزة تصنت على هواتف الموظفين. تم القبض على خمسة منهم. ووجد في حوزتهم أجهزة تنصت وآلاف الدولارات نقدا وأفلام تصوير. بعد أيام، نفى البيت الأبيض تورطه في عملية الاقتحام.

أرسلت جريدة واشنطن بوست الشاب بوب وودوارد لبحث الموضوع. بعد ذلك، جاء في صحيفة واشنطن بوست أن شيكا بمبلغ 25 ألف دولار، كان مخصص لحملة إعادة انتخاب نيكسون عام 1972م. تم إيداع الشيك في حساب أحد الرجال الذين اعتقلوا أثناء اقتحام مبنى ووترجيت. ظل بوب وودوارد وزميله بيرنشتاين يواصلان تقديم أخبار فضائح ووترجيت لمدة عامين. يعتمدان على مصادر عديدة موثوق بها.

في أغسطس 1972م، أعلن البيت الأبيض أنه بعد التحقق من الأمر، لم يجد أي دليل على تورطه في فضيحة ووترجيت. لكن صحيفة واشنطن بوست في الشهر التالي، نشرت أن وزير العدل حينذاك، جون ميتشل، كان يشرف سرا على تمويل جمع معلومات استخبارية عن لديموقراطيين.

في شهر أكتوبر 1972م، نشر وودوارد وبرنشتاين، مايثبت صلة الرئيس نيكسون بعملية التجسس عن طريق مكتب التحقيقات الفيدرالي، "إف بي أي".

في الشهر التالي، تم إعادة انتخاب نيكسون. وفي يناير 1973م، بدأت محاكمة رجال نيكسون في قضية التجسس على الحزب الديموقراطي. وجدوا جميعا مذنبين، وتم تهديدهم من قاضي التحقيقات بأغلظ عقوبة إن لم يتكلموا.

في شهر مارس 1973م، حاول نيكسون التغطية على الموضوع ودفع مبلغ مليون دولار رشاوي حتى لا يتكلم أحد. إلا أن أحد المتهمين، جيمس ماكورد، قد اعترف بما لديه أمام قاضي التحقيق سيريكا. وبدأت كرة الثلج تكبر.

في اليوم التالي، وقف جون دين أمام أعضاء مجلس الشيوخ الموكلين بالتحقيق وقال، إن الرئيس نيكسون كان لديه علم بما يفعله المتهمين، وأيضا حاول التغطية على الفضيحة عندما اكتشف أمرها.

في شهر أبريل 1973م، نشرت جريدة نيويورك تايمز أن الهيئة المشرفة على إعادة انتخاب نيكسون، ثبت أنها قد تورطت في دفع رشاوي للمتهمين. في نفس الشهر، استقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد اعترافه بإتلاف مستندات لها علاقة بالفضيحة.

لاتزال كرة الثلج تكبر وتكبر. إثنان من مساعدي نيسكون يقومان بالاستقالة. مستشار البيت الأبيض جون دين تم فصله. النائب العام يستقيل. في نهاية الشهر، يوجه نيكسون خطابا للأمة، يؤكد فيه براءته من تهمة التجسس على الحزب الديموقراطي.

في شهر مايو 1973م، تبدأ أولى جلسات التحقيق في فضيحة ووترجيت. متلفزة على مستوى الولايات المتحدة كلها. تقوم بالتحقيق لجنة مختارة تابعة لمجلس الشيوخ. المدعي العام المعين، إليوت ريتشاردسون، يقوم بتعين أستاذ القانون والنائب العام الأمريكي السابق أرشيبالد كوكس، كمدعي خاص للتحقيق.

في شهر يونية، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن دين أخبر المحققين في فضيحة ووترجيت أنه ناقش التستر مع نيكسون 35 مرة على الأقل. في نفس الشهر، يدلي دين بشهادته أمام اللجنة المختارة لمجلس الشيوخ حول تورط نيكسون.

في شهر يوليو 1973، يرفض الرئيس نيكسون تسليم تسجيلات محادثاته في البيت الأبيض إلى لجنة التحقيق بمجلس الشيوخ. لأن الأشرطة قد تتضمن دليلا على أنه ومساعديه قد حاولوا التستر على تورطهم فى عملية التجسس غير القانونية. نيكسون يقدم طعنا على مذكرة الاستدعاء التي تأمره بتسليم الأشرطة.

في شهر أكتوبر 1973م، يستقيل نائب الرئيس، سبيرو أجنيو، بسبب تهمتي الرشوة والتهرب من الضرايب. لا علاقة لهذا بفضيحة ووترجيت. بعد يومين، يرشح نيكسون عضو الكونجرس عن ولاية ميشيجان جيرالد فورد لمنصب نائب الرئيس. فورد يؤدي اليمين الدستورية في ديسمبر 1973م.

يحاول نيكسون القيام بمناورة قانونية لتجنب تسليم الأشرطة إلى كوكس، ويقترح تسليم ملخص لمحتويات الأشرطة للمحققين. كوكس يرفض العرض في اليوم التالي.

هنا يأمر نيكسون بطرد المدعي الخاص كوكس، فيما يعرف باسم "مذبحة ليلة السبت". فيستقيل المدعي العام إليوت ريتشاردسون ونائبه، بدلا من تنفيذ هذه الأوامر. لكن المحامي العام يطرد كوكس. بعد عدة أيام، يعين مدعيا خاصا آخر بدلا من كوكس.

في نوفمبر، خلال مؤتمر صحفي متلفز في ولاية فلوريدا، يقول نيكسون مقولته الشهيرة، "أنا لست محتالا"، ويستمر في ادعاء البراءة.

لكن البيت الأبيض غير قادر على تفسير وجود فجوة 18 دقيقة على شريط محادثة نيكسون مع هالدمان في 20 يونيو عام 1972م. سكرتيرة نيكسون تدعي في وقت لاحق أنها مسحت هذه الفجوة على الشريط بالخطأ. في مارس 1974م، صدرت لائحة اتهام لـ 7 أشخاص. نيكسون لايزال متآمرا، لكنه غير متهم حتى الآن.

في أبريل 1974م، يتم طبع 1200 صفحة بيانات ونصوص مفرغة من أشرطة محادثات نيكسون بالبيت الأبيض. في مايو من نفس العام، تبدأ اللجنة القضائية في مجلس النواب إجراءات عزل نيكسون.

في يوليو 1974م، تقوم اللجنة القضائية في مجلس النواب بمراجعة ثلاث مواد قانونية لعزل نيكسون. وهي:
عرقلة سير العدالة،
إساءة استخدام السلطة،
ازدراء الكونجرس.
ثم أرسل قرار العزل الى مجلس النواب للتصويت، ولكن التصويت لم يتم أبدا.

في أغسطس 1974م، يجبر نيكسون على نشر محتويات ثلاث محادثات مع هالدمان في 23 يونية 1972. تُعرف المحتويات باسم "دخان البندقية"، وتكشف تورط نيكسون في عملية التستر على فضيحة ووترجيت بدون شك. هنا يستقيل الرئيس نيكسون. وفي خطاب متلفز على الصعيد الوطني يوم 8 أغسطس 1974م، يقول فيه:
"لم أكن أبداً منسحباً. ترك منصبي قبل انتهاء ولايتي أمر بغيض على نفسي وعلى كل غرائز جسدي. لكنني كرئيس، يجب أن أضع مصلحة أمريكا أولاً... لذلك، سأستقيل من الرئاسة اعتباراً من ظهر الغد".

بعد استقالة نيكسون، يصبح النائب جيرارد فورد رئيسا غير منتخب. لم ينتخب عندما كان نائبا للرئيس، ولم ينتخب عندما كان رئيسا لأمريكا.

الرئيس الجديد فورد، يصدر عفوا عن نيكسون، وعن الجرائم التي قد يكون قد ارتكبها ضد الولايات المتحدة عندما كان رئيسا. لكن ما هي الدروس المستفادة من قضية ووترجيت؟

أولا: أموال البيت الأبيض التي كانت مخصصة لإعادة انتخاب نيكسون لم تكن تحت المراقبة ولم تصرف في محلها. الملايين كانت تنفق على التغطية ومنع الفضيحة.

ثانياً: أهمية حرية الصحافة، والصحافة الجيدة. الصحافة التي تعمل في الميدان، وتتحقق من صدق المعلومات ومصادرها الموثقة. يجب دراسة ما فعله وودوارد وبرنشتاين، ودورهما في كشف هذه الفضيحة. هذا هو دور الصحافة الأساسي ومكانها داخل الديمقراطية الغربية. وودوارد هو نفسه الذي نشر حديثا كتاب "الخوف" عن الرئيس ترامب.

ثالثا: هكذا تعمل الديموقراطية الأمريكية. السلطات الثلاث مستقلة. تراقب ويوازن بعضها البعض. لا تطغى واحدة على الأخرى. لذلك سمح للسلطة التشريعية، من خلال جلسات مجلس الشيوخ، التحقيق والكشف عن الجريمة. كما سمح للسلطة القضائية، ممثلة في المحكمة العليا، بالأمر بالإفراج عن أشرطة تجرم السلطة التنفيذية.

في حين تجنب نيكسون العزل بالاستقالة، والسجن بالعفو الرئاسي، نجد أن النظام الديموقراطي والدستور الأمريكي قد نجحا نجاحا باهرا. بعد ما يقرب من نصف قرن، يظل درس ووترجيت درسا في الديمقراطية يستحق الذكر والدراسة.

لم أجد أمريكي واحد يرأف بحال نيكسون. الكل كان غاضبا جدا من الرئيس فورد لإصداره عفوا رئاسيا يحمي نيكسون من العقاب. الكل كان يريد الحكم عليه بالسجن.

نحن فقط، أنا وباقي المصريين والعرب، كنا نتعاطف مع نيكسون ونأسف لما حدث له. هذا أيضا سلوك يستحق الدراسة. فشعوبنا تقدس الحاكم وتغفر له زلاته وتتعاطف معه أيا كان عمله.

فهو قائدنا وإمامنا حتى وإن زنا وقتل ونشر بالمنشار، أو سرق وباع وفرط، أو انهزم وأكل علقة في الحرب مأكلهاش كلب في جامع. برضه هو رئيسنا المحبوب الذي نفديه بالروح والدم.

وحضرتك تدخل السجن لو أهانته أو نقدته أو قلت عليه مفتري أو جاهل أو أهبل بريالة. هذه هي شعوبنا وهذا هو قدرنا. عرفت ليه أنا هاجرت؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تسميه الاشياء
على سالم ( 2020 / 2 / 16 - 19:05 )
الاستاذ محمد زكريا , هذه مقارنه بين النظام الديمقراطى فى اميركا وبين النظام العروبى الشمولى كاتم الانفاس فى مصر , الا تعتقد ان الاسلام هو حقيقه نظام سياسى ديكتاتورى استبدادى وقمعى دموى وسادى متوحش لايعترف بحقوق الانسان والحريات ولا المعاهدات والمواثيق الدوليه , اريد ان اقول ان الاسلام هو نظام سياسى قهرى اكثر منه عقيده بدويه قاسيه ومجحفه بدائيه واقصائيه


2 - إلى أخي العزيز علي سالم
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 2 / 16 - 21:12 )
شكرا لمرورك الكريم. الحكم الديني هو الأسوأ في التاريخ. يليه حكم العسكر. شعوبنا البائسة مصابة بالإثنين. منذ 1400 سنة ونحن لا نستطيع التخلص من الفكر الديني الذي يسلب من الفرد آدميته وإرادته وعقله، ويحوله عبدا للشيخ وللحاكم. لا أمل إلا بالتعليم العلماني الجيد. التعليم المبني على فلسفة أرسطو وجون ديوي. الذي ينتج لنا إنسانا حرا ديموقراطيا متسامحا يحترم حقوق الإنسان.


3 - الخروج من السلطة
محمد البدري ( 2020 / 2 / 17 - 08:56 )
ثم أرسل قرار العزل الى مجلس النواب للتصويت، ولكن التصويت لم يتم أبدا. ...

واخيرا استقال نيكسون ليس بناءا علي قرار او حكم محكمة او حصار لبيته او اغتيالا له ... الخ الطرق الممكنة
هناك الكثير مما في النفس الانسانية من اسرار تفرض سلوكا ما في لحظة ما بناء علي شروط ما في واقع ممتلئ بما يتوجب علي الانسان فعله
لعله الضمير الذي يصعب ايضا اعفاؤه من المراوغة لان نيكسون خالف ضميره لصالح السياسة منذ دفع بمجموعة للتنصت علي الديموقراطيين. واستمر في المراوغه رغم وعيه بان من الصعب الافلات من جراء فعل يخالف ما اتفقت عليه الامة في دستورها وقوانينها مهما كانت قوة ارتكاب الفعل وسطوة صاحبه.
ينتحر كثيرين لحظة العجز عن الافلات او لحظة مواجهه الذات لنفسها وضربا لما يراه الواقع الخارجي من عوراتها.
انه مجرد تداعي بعد قراءة هذا السرد التاريخي المكثف لاكثر الجرائم السياسية شهرة في العالم.
تحياتي لك واعتزازي بكل كتاباتك


4 - الأخ العزيز محمد البدري
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 2 / 17 - 10:27 )
شكرا لمرورك وتعقيبك الكريم. سبب تنصت نيكسون على حزب الديموقراطيين هو أنه كان خائفنا من منافسه جورج ماكجفرنر، بالرغم من أن فرصته كانت أفضل بكثير من منافسه. لكنها السلطة والسلطة مفسدة بطبعها. المهم من الحكاية كلها هي أن الرئيس في الغرب ما هو إلا موظف عند الشعب، يستطيع محاسبته وطرده من وظيفته إن لزم الأمر.

اخر الافلام

.. ألاباما.. طفلة تجمع المال لإجراء عملية خطيرة


.. زيارة السيسي للخرطوم: جبهة مصرية سودانية في مواجهة إثيوبيا ب


.. باحثون أمريكيون يطبعون يدا بشرية في 19 دقيقة!




.. ماذا بعد تعليق المغرب لعلاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا؟ | #ني


.. تفاعلات واسعة مع تحقيق غرفة أخبار الجزيرة حول قاعدة عصب الإم