الحوار المتمدن - موبايل


كيف نقرأ رواية ولدت لتوها ؟ من وحي رواية نادي الانتحار

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 2 / 17
الادب والفن


البارحة وأنا استمع إلى قراءة الناقدة الشابة رشا مكي لرواية نادي الانتحار للصديق الفلسفي كريم الصياد تداعت إلى ذهني جملة من الخواطر والأسئلة منها؛ هل الرواية نص أم خطاب؟ هل ثمة فرق بين الحالين؟ ومن الهدف من قراءة الرواية؟ وكيف يمكننا قراءة رواية ولدت لتوها وفي حضور صاحبها؟ وهل يحتاج القاري الناقد إلى قراءة نظريات القراءة الأكاديمية المدونة في تاريخ النقد الأدبي؟ ومنها؛ الأسلوبية والانطباعية والشكلانية والواقعية والموضوعية والسيميائية والفنومولوجية والتأويلية والتفكيكية . الخ. يُجيل لي أن هدف القارى هو وضع الرواية على مجمرة المعنى! والكشف عن الرسالة المضمرة في الرواية وتأويلها من جهة نظر القارئ الناقد وكل قارئ لديه كامل الحرية بفهم الراوية وتأويلها كما يجب ويرضا. ولا سلطة ولا سلطان عليه يرغمه في قول قراءته للنص أو الخطاب المعني. الرسالة بمعناها الواسع البنيوي والأسلوب والجمالي والاجتماعي والثقافي والنفسي والفلسفي، فكل شيء في الرواية له معنى ودلالة( الشخوص واسمائها، اللغة وبناءها، والأمكنة وسياقاتها المتزامنة، الأحداث واحتدامها، المواقف واتجاهاتها) فلا شيء في الرواية خارج المعنى منذ العتبة العنوان وحتى الكلمة الأخيرة فيها. والسياق هو كامل الوسط الثقافي والاجتماعي الذي ولدت فيه الرواية ويحيط بها من كل الاتجاهات. وعلى عكس نظرية النص وموت المؤلف فإنني أرى أن الرواية هي خطاب أكثر من كونها مجرد نصًا ملقي على قارعة الطريق لمن أراد استنطاقه. ولا أدري كيف يمكن النظر إلى رواية ولدت لتوها وفي حضور صاحبها؟ إيعقل التعامل معها بوصفها نصاً فقط أم هي خطاب في نص. والنص هو كل كلام مكتوب ومدون تدوينًا يدويًا أو كمبيوترا رقميًا بغض النظر عن نوعية ومحتواه، سواء كان نصًا أدبيًا أو دينيًا أو علميًا أو فلسفيًا وهلمجرى. وهو بذلك يختلف عن الكلام الخطاب الشفاهي بوصفه محادثة مباشرة بحضور الصوت وناطقه إذ يشكّل الصوت المنطوق المسموع جوهر ومحور الثقافة الشفاهية لكن الصوت كحاسة إنسانية يحدث في الزمن مثله مثل كل الإحساسات الأخرى غير أنه يتميز بعلاقة خاصة مع الزمن، ذلك لأن الصوت لا يوجد إلا عندما يكون في طريقه إلى إنعدام الوجود، فليس ثمة طريقة لإيقاف الصوت وتثبيته، فيمكنك إيقاف آلة تصوير متحركة وتثبيت الصورة على الشاشة ولكن إذا أوقفت الصوت فلن يكون لديك شيء سوى الصمت فحسب. فالصوت يقاوم مقاومة كاملة محاولة التثبيت، بعكس البصر الذي يمكنه أن يسجل الحركة ولكنه أيضا يسجل السكون والصمت، بل أن البصر في الواقع يفضل السكون على الحركة فلكي نفحص شيئا عن قرب ببصرنا يستحسن أن نمسك به ساكناً. لكن الصوت وحده هو الذي لا نستطيع التعرف عليه إلا في حالة الحركة أي في لحظة ميلاده المباشر وانطلاقه الفوري من حنجرة المتكلم لكنه ما أن يتوقف حتى ينعدم ولا يترك أثراً مميزاً، وتلك هي خاصية الثقافة الشفاهية الصوتية بعكس ما هو عليه الحال في الثقافة الكتابية -اقصد ثقافة الكتابة والتدوين والتوثيق والنصوص _اذ تشكل الكلمات المكتوبة بقايا وآثار منقوشة أو مخطوطة في نصوص وعلامات ورموز تقاوم الزمن ونستطيع أن نقرأها أو نراها أو نلمسها في أي زمان ومكان بعد ميلادها وبعد موت كاتبها. البارحة شهدت حالة فريدة من القراءة؛ حالة تمخضت عن قراءة حية لرواية حية. إذ قدمت رشا مكي قراءتها الخاصة لرواية نادي الانتحار بوصفها خطابًا حياً وليس نصًا ميتاً. إذ يفترض الخطاب وجود سامع يتلقى هذا الخطاب ،بينما يتوجه النص إلى متلقي غائب. الخطاب نشاط تواصلي تفاعلي تبادلي بين فاعلين حاضرين وجها لوجه يتأسس- أولا وقبل كل شيء - على اللغة المنطوقة ولغة الجسد وحركات اليد وتوهج الانفعال. لخطاب متعدد المعاني، فهو وحدة تواصلية إبلاغية، ناتجة عن مخاطب معين وموجهة الى مخاطب معين في مقام وسياق معينين يدرس ضمن ما يسمى الآن بـ "لسانيات الخطاب". أنه فاعلية تواصلية يتحدد شكلها بواسطة غاية اجتماعية. أما النص فهو أيضا تواصل لساني مكتوب. وتبعا لهذا فإن الخطاب يتصل بالجانب التركيبي والنص بالجانب الخطي كما يتجلى لنا على الورق. لم تقدم رشا مكي نصا على نص بل قدمت قول على قول. وفي ذات السياق الخطابي المفعم بالحضور الحي الفوري المباشر تحدث كاتب الرواية كريم الصيادي عن دوافعه في سرد هذا العمل وتجربته الشخصية في استلهامه وإبداعه في سردية أدبية تحاكي لحظة قلق وجودية بالغة الحساسية هي لحظة قلق التفكير المخطط للإقدام على الانتحار ثم العودة عن تفيده في لحظة خاطفة من انكشاف المعنى؛ معنى جدير بالعيش والحياة. لمحة الضوء هذه كانت بمثابة نجدة من السماء انقذت المنتحر من الإقدام على الخطوة الأخيرة. التي تعني فيما تعنية وضع حدًا لكل شيء. وفي ذلك الانزياح المتسامي للانتحار يكمن البعد الجمالي والإبداعي في الرواية ويتجلى باكتشاف الفرق بين ما قبل وما بعد، بين الظلام والنور بين الموت والحياة. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة. تلك هي رسالة رواية نادي الانتحار التي فهمتها من الروئي وقارئتها. وهذا بالنسبة لي يعد تحفيزا اضافيا لقراءة الرواية وفض مغاليقها المبهمة. ذكرتي برواية مارسيل بروست البحث عن الزمن الضائع، وكافكا في المحاكمة أو القلعة. رواية مزجت السرد الأدبي الجمالي بالأفق الفلسفي الميتافيزيقي والخيال العلمي الاستشرافي. تلك الراوية منحتني شعورًا بالأمل والسلوى بان أم الدنيا لازالت قادرة على الحمل والولادة. وفي الختام أكرر ما مقاله صاحب الرواية باختصار. (رواية نادي الانتحار ليست دعوة للانتحار بل هي دعوة للعودة عن قرار الانتحار واستئناف الحياة والأمل بعيون جديدة) البارحة فهمت كريم الصياد رغم أنني كنت اعرفه منذ مدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو


.. برنامج المواجهة - مِن مَن يعتذر الممثل يوسف الخال؟


.. بيت القصيد | الممثلة اللبنانية ميراي بانوسيان | 2021-04-10




.. كاظم جهاد: تاريخ الفلسفة هو تاريخ الترجمة واستقلالية الإنسان


.. الأدب العربي بين الأسطورة والخرافة في الجزء الثاني مع الأديب