الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صورة / قصة قصيرة

رندة المغربي

2006 / 6 / 4
الادب والفن


[ صورة ]
واحد .. اثنان .. ثلاث ..
وبرق فلاش عدسة المصور أمامي فأصابني بعمى أبيض ..
عمى يصعدُ بي إلى سماء مقببة و يستدرجني إلى أدراج الذاكرة المكسوة بعشبُ الحنين حيث الصور لعبت بها الأشواق ما لعبت على مر الأيام لتنتهي إلي يدي حكاية !
وكان يا ما كان ،،
كان الصباح يقطر من وجهها الذي لمت ليل شعره "بقمطة" من الساتان بشراشيب ملونة تهب عليها نار الصاج فتطوح على وجنتيها المحمرتين أمام النار الموقدة ، حيث الدقيق الناعم يتلهف لرشة الماء من بين يديها و لذرذرة الملح المسحوق وهي تروح وتجيء به داخل القصعة فيتماسك دقيقه بهيئة عجين أملس تلم أطرافه اللاصقة بأناملها وترفعه إلى السماء وتعود لتخبطه بقعر القصعة ..
تقطعه لدوائر بيضاء و تُكورها بحرفنة ملقية بها على شاش أبيض و تنتظره حتى يخمر .. رائحة غادية بين حجرات الدار .. سحبات نعليها البلاستيكي المورد فوق الأرض التي صبت بطبقة من الأسمنت المملس بيد عم محمود القصير أسمعها تشحط في أذني !
أختي الكبرى تمشي رافعة قميص نومها المجعلك و المثقوب من تحت أبطيها بكشاكشه حول العنق و أطراف الأكمام مشمرة عن بطتي ساقيها السمينتين وبيدها المقشة القصيرة المصنوعة من الخسف
تنفض بها الوسائد و الفراش وتتأبطها دائرة في صحن الدار تنادي علينا لنفيق ، تصرخ فما من مجيب
تشن حرباً علينا بالمقشة فنتراكض في الحجرة دون وجهة ..
رأسي يكاد يسقط وأنا على المقعد انتظر الحليب الساخن تسخنه بإبريق من الألومنيوم فوق نار هادئة حتى يفور ويندلق على عين الغاز الأعور ..
وسخ النوم المتجمع حول عيني يفضح تقاعسي عن غسل وجهي
تشدني حورية إلى المغسلة وترشقني برشات الماء البارد فأشهق مستيقظة وساخطة عليها ..
حورية اختار لها والدي قعدة الدار لتساعد أمي علينا !
حورية لا تعرف الكتب والدفاتر ولا مسطرة المدرس التي تهوي على عقد أصابعنا فـ"تفلفلنا" من الألم!
حورية تعرف كيف تفرد العجين الرقيق فوق الصاج وتديره وتقلبه حتى يستوي الحرف بين يدي وأنا أكتب عنها!
فما ضير حورية لو كانت تفك الخط الآن لتقرأني ؟
حورية غواية الذاكرة للذاكرة وإطار ألم به الصور المتناثرة بين اليوم والأمس وعلى مقاعد مطارات السفر و الملابس الفاقعة الألوان والمدللة على ذوقنا الفلاحي .
ملابس قشرتها يد المدنية من فوق جلدي وألبستني ثياب "مودرن" بألوان رسمية ومحايدة وقصيرة كتقصيرنا جميعاً بحق حورية!

تتشابك الأشواق بشوك المدامع وحورية تطل علي ذاكرتي من فوق سطح الدار وقد حمصت الشمس جبهتها تنفض الغسيل المعصور بيديها في طست كبير وتفرده فوق حبل الغسيل وتشبكه بملاقط رصتها كالخرز على جيب فستانها وهي تغني للفستق و اللوز والقضامة المحمصة والمملحة من محمصة عمنا أبو غالب .. تنتظر الآصال حين تحدد الشمس استدارت قرصها بوداعة اللون لتفرد شعرها الأسود
فوق كتفيها تمشطه وتفرقه من منتصف رأسها و تتناول عجين الحناء التي حوجتها بقشر الباذنجان المجفف والمدقوق ليزداد سواد شعرها و لينتها بزيت الزيتون و عصير الليمون ..
تخضب حورية غدائرها وتجمعها فوق رأسها بكيس بلاستيكي وتنام على رائحة الحناء تحلم بعريس يخرجها من ضوضاء البيت الذي تراص به اللحم البشري بين أخوة وأخوات يزيد عددهم على التسعة
حورية تنام وبجانبها آخر العنقود تفيق وتغفو على صراخه ليلاً وتستيقظ صباحاً وهو على كتفها تدور به أرجاء الدار تكنس وتغسل وتمسح وهو لا يفارق منكبيها!
وعينا على الدنيا وحورية بين أعيننا ملكاً لنا نناديها فتجيب ، نطلبها فتلبي ..
كبرنا وكبرت حورية أو ولدت كبيرة ، لست أدري!
لكنها كانت هناك تطوف في منزلنا تحك بالإسفنج والصابون خرابيش أقلامنا على الجدران ، تصلح لأبي قهوة العصر تغليها جيداً كما يُحبها أبي بلا وجه!
وتنقر الكوسة والباذنجان لتعد لنا مع أمي قدرة المحاشي المحوجة بالثوم والكزبرة والبهارات اللاذعة
تفترش الأرض مادة ساق و طاوية الأخرى تقطف أعواد الملوخية تغسل ورقها وتجففها فوق شرشف نظيف وتخرطها فوق صينية جرحت السكاكين سطحها ..
تعرفها شبابيك الدار و أدراج سطحه الأسمنتية و قدور المطبخ و الفلفل الأسود و السكر و السميد والكمون الذي أصفر كمداً لعمر حورية المُهدر بين الجدران !
أراقب أمي العائدة من العمرة تقص من طرف ثوبها الأبيض قطع ثلاث وتنقعها بالماء ليلة بأكملها حتى إذا ما بزغ الفجر على أجفان حورية نادتها للحمام لتغتسل بنقع الماء ..
سمعتهم يقولون بأنه فك ربط وعين حسود أصابت حورية وأخرت زواجها .. عمل وأحجبة الحاجة
فاطمة تدسها بين نهديها وتحت وسادتها وتنتظر فرج الله!
أتراه يأتي بعد هذه السنين ؟
بعد أن طرقنا طرق المدينة وانسللنا من الدار واحد تلو الآخر وجلسنا خلف مكاتب فخمة وهاجرنا إلى أوروبا لنرنط بلغات مختلفة و لنربي أولادنا على حرية التعبير والبنت تساوي الولد و البلاي ستاشن !
هل تنفع مقادير ووصفات الحاجة فاطمة لتسود ضفائر حورية المبيضة؟ هل تعيد لجسدها الذي بدأ يترهل وصدرها الذي سقط على معدتها صباها الذي طار كعصفور فزع؟
نتجمع في إجازات الصيف في دارنا ، نضج من اسئلة أولادنا التي لا تنتهي عن مطحنة القهوة اليدوية
المركونة فوق رف المطبخ بجانب هاون النحاس الثقيل وعن الحمام الذي لا يزال يصر على أن يقرفص زائره فوق حفرة في الأرض رافضاً مقاعد السراميك ببياضها اللامع و الملاط المزخرف البراق .
حورية التي لا تزال ترتدي أثوابها المزركشة و الفضفاضة رافعة شعرها بقمطات الساتان لا تزال هنا
تصعد الأدراج وبيدها طست الغسيل المعصور وعلى جيبها شكت الملاقط الخشبية تدور حول أبي المقعد
تصلح جلسته و تناوله طقم أسنانه المنقوع في كوب ماء بجانب سريره ، تغيب في المطبخ لتعود محملة بصحون القضامة والمعمول وصينية شاي العصر وعلى كتفها أحد أولادنا كأنها للتو أستيقظت في باكورة يوم ألفناه وعلى كتفها أصغرنا !
أراقبها تهش وتبش في وجوهنا تضم هذا وتقبل ذاك وتنهمك في سرد أخبار القرية ..
لا أزال أذكر عينيها المحمرتين حين لطمها والدي ونحن صغاراً لأنها اكتحلت فرحاً للصورة التي سيلتقطها لنا المصور الذي حضر لدارنا يوم العيد ،
بكت يومها حتى طغى بياض دمعها على فلاش عدسة التصوير !
فخرجت وجوهنا كنقاط سود تحيط بوجهها الحزين والمتبسم بخجل لعدسة المصور ..
انسحبت من جلستنا متجهة للنافذة التي زينت أفريزها بشجرة المديد و أصص الريحان والفل
نظرت للسماء وسرحت بحكاية دارنا لم ينبهني إلا يد المصور الأشقر وهو يهز كتفي قائلاً :
ـ مدام هل تريدين الصورة بلمعة أو بدون؟!

رندة المغربي / فرنسا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفاة زوجة الفنان أحمد عدوية


.. طارق الشناوي يحسم جدل عن أم كلثوم.. بشهادة عمه مأمون الشناوي




.. إزاي عبد الوهاب قدر يقنع أم كلثوم تغني بالطريقة اللي بتظهر ب


.. طارق الشناوي بيحكي أول أغنية تقولها أم كلثوم كلمات مش غنا ?




.. قصة غريبة عن أغنية أنساك لأم كلثوم.. لحنها محمد فوزي ولا بلي