الحوار المتمدن - موبايل


تعقيدات المشهد السياسي وقضايا السلام والوحدة

سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي

2020 / 2 / 18
السياسة والعلاقات الدولية


قد يصاب المرء "بضيق التنفس" حين يحاول إستشعار المخاطر وتصور مداها بتدقيق تحليل الراهن السياسي والإقتصادي والأمني الذي يواجه السودان ويهدد حياة المجتمع الذي يعاني أصلا من ويلات الفقر والتشرد كواحدة من أعمق الأزمات منذ أن وقع النظام تحت سيطرة التنظيم الدولي للأخوان المسلميين، فقد أخذ الإسلاميين السلطة بالقوة وأفسدوا حياة الناس برمتها وسقطوا بأمر الشعب، لكنهم تركوا بعد أن سقط النظام البائد حزم من الفساد والفقر والحروب الطاحنة مضافة للصراعات مع العالم الخارجي بدعمهم وتمويلهم للإرهاب، وتلك قضايا شائكة ومتشابكة نحاول أن نضع لها حلول جزرية تمكن البلاد من أن تعود للمسار الصحيح، ويعتبر حلم السلام الجارٍ تحقيقه بمفاوضات جوبا الحالية مدخل جيد لإعادة ترتيب السودان وتغذية الديمقراطية الوليدة بانجاح الفترة الإنتقالية وصولا لعقد مؤتمر قومي دستوري يعالج كافة مشكلات البلاد ومنها حسم جدلية الهويات وأنظمة الحكم والعلاقات الدولية وقضايا الحقوق والحريات وغيرها، لكن الآن نلاحظ تفاقم إشكالية الإستقرار السياسي والإقتصادي والتجاذبات الدائرة داخل القوى السياسية وتيارات تحاول إعادة إنتاج نسخ من أدلجة الدولة وتحويلها لآلية صراع دولي حول قضايا قد تختلف حولها المكونات السياسية وطيف واسع من المجتمع، والسودان دولة تتنوع فيها الإيدلوجيات كما تتنوع شعوبها وثقافاتها ومناخاتها الطبيعية لذلك لا بد من إعادة النظر في علاقة الإيدلوجيات والدولة ككيان محايد تجاه الجميع وإيجاد مشروع وطني جديد تلتف حوله كافة القوى الوطنية والمجتمع سيما وأن العالم مليئ بالتناقضات والصراعات الحادة وهذا يتطلب الذهاب لمؤتمر حول العلاقات الخارجية يتم فيه رسم خطوط جديدة للتعامل مع المجتمع الإقليمي والدولي، فمسألة اللقاء الذي ضم البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني ونتياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي قد فتحت الباب للحديث مجددا عن إستراتيجيات بلادنا للسياسات الدولية، وجرت نقاشات مكثفة وتراشق "كلامي" بين من يتشدقون بصلاح موقف البرهان ومن ينتقدون ذلك بمبررات مختلفة، وغض النظر عن تلك التباينات فاننا نحتاج لتصويب سياسات السودان الدولية بعد معالجة الأوضاع الداخلية وهيكلة الدولة ومسح تشوهات التاريخ.

نحن في حوجة لدراسة الراهن السياسي السوداني بكل مشاكلاته المطروحة علي الساحة دون أن نتخطى الحقائق او نجنبها، ورغم تلك التهديات والمشكلات هنالك ضوء في بعض الجوانب التي جرت فيها تغيرات جيدة تحتاج لدعم ومساندة من الجميع حتى تصل نهاياتها المرجوة، ولو نظرنا للتقدم الذي حدث في عمق الحراك الثوري متجليا في الوعي الكبير وسط الجماهير بقضاياهم وحسم عدد من ملفات السلام والتوقيع علي إتفاقيات مهمة وقتها سندرك مقدار التغيير في البنية المفاهيمية ومواضع إتخاذ القرار ما سهل المفاوضات وهيئ البلاد للسلام الشامل الذي نتطلع إليه، ولكن أتباع النظام البائد الذين يسعون لتخريب مرحلة الحكم الإنتقالي رغم هزيمتهم سياسيا وفكريا إلا انهم لن يجنحوا للصمت لأنهم ما زالوا في دائرة الفساد الذي يجري التحقيق حوله ومن عاداتهم الإنتقام بسبب او بدون سبب، وسيتخذون موضوع تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية غلاف لخطاب سياسي تحريضي وسيستخدمونه في تبرير مواقفهم والمشكلات التي سيفتعلونها ضد الثورة، فالبشير خلق عداء تاريخي بينه والإسلاميين حينما إنقلب عليهم في مفاصلة مشهودة وسجن شيخهم الترابي الذي دبر إنقلاب البشير ولكنه أصبح عندهم "ورطة واقع"، وقام البشير بتهميش الجيش وتدميره لسنوات، كما قام بارتكاب إبادات جماعية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق إضافة لقتل المعتقلين السياسيين من النساء والطلاب والشباب، وعمل البشير أيضا علي دعم الإرهاب الإقليمي جامعا عدد من قادة الجماعات الإسلاموية المتطرفة تحت رعايته ودعمه، ولكن الإنقاذيين رغم ذلك سيخرجون للناس بخطاب يدافع عن البشير وتحت خطابهم ستمرر ذات الممارسات السيئة التي تهدف لإجهاض الثورة وضرب أجهزة الدولة الجديدة وتعطيل مساعي السلام ومنع إستقرار المجتمع لذلك لا بد من إنتباه كافة السودانيين لما يحاك ضد البلاد وإبطال تلك المؤامرات والإسراع في تحقيق السلام من أجل الإستقرار السياسي والإقتصادي وبث نفحات التسامح في المجتمع والإنطلاق نحو سودان جديد ديمقراطي موحد.

إن وحدة السودان تمثل الهدف الأساسي الذي يجري البحث عنه وتعتمد الوحدة علي توحيد أوسع قوى إجتماعية حول قضايا البلاد السياسية والمدنية والحقوق الإنسانية المؤسسة للمواطنة المتساوية والعدالة، ويقاس نجاح الثورة باستكمال شعاراتها التي طالب بها المجتمع السوداني بتحويلها لبرنامج عمل يومي وقانون للسودان الجديد الذي نريده، وتلك الشعارات تمثل الخارطة الأساسية للوحدة، فمن الحرية والسلام والعدالة سيخرج السودان الجديد الذي كافح السودانيات والسودانيين لتحقيقه منذ عشرات السنيين وما زالوا علي ذات الدرب مناضلين، وها نحن علي أعتاب فجر التغيير والتحرر والإنتقال السلمي من قيود حكم دكتاتوري إلي الحكم الديمقراطي، علينا أن نواصل السير في ذات الطريق حتى نجتاز الأشواك الملقاة أمامنا لنصل إلي دوح السلام، وخيرا فعل الذين ذهبوا من الحرية والتغيير لملاقاة رفاقهم من قادة الجبهة الثورية بجمهورية جنوب السودان مع إستئناف مفاوضات السلام، فاللقاء الذي تم بجوبا سيساعد الأطراف في ربط أحزمة الثقة بشكل محكم وإزالة كل ما يعيق توافق القوى الوطنية حول قضايا السلام الشامل التي تمثل أساس التغيير المنشود، وحسب ما تم الإعلان عنه في وسائل الإعلام فان عملية السلام تسير بخطوات جيدة ومتقدمة بين الحكومة والحركات الثورية، ونشيد بذلك، كما أن حديث الرفيقة بثينة دينار في إذاعة أم درمان عن السلام وعمل اللجنة الثلاثية يعطي مؤشرات تبعث التفاؤل وتؤكد سريان إتفاقية وقف العدائيات وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضرريين من الحرب، والمرحلة الحالية تحتاج لحشد الجهود الرسمية والشعبية والدولية حيال السلام الشامل، وقريبا سنعبر بالسودان إلي النهضة التي يستحقها شعبنا العظيم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. استكمال التحقيقات مع سعيد بوتفليقة بتهم الفساد في الجزائر


.. توقعات بانخفاض إنفاق الكويتيين خلال شهر رمضان


.. إيلينا سوبونينا: روسيا اقترحت مساعدة تقنية وفنية في محادثات




.. آخر تطورات جائحة كورونا في عدد من العواصم العربية والأجنبية


.. حريق هائل في مصنع تاريخي في مدينة سان بطرسبورغ