الحوار المتمدن - موبايل


هل هناك تحولات مرتقبة للانتفاضة العراقية

فرات المحسن

2020 / 2 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


من الجائز أن يفضي موقف العناد والمكابرة والتغاضي وما يرافقه من بطش وقسوة واضطهاد تمارسه أحزاب السلطة العراقية تجاه شباب انتفاضة الأول من أكتوبر العراقية المجيدة، وفي مرحلة بعينها، نحو تحول دراماتيكي سريع ليس من السهولة السيطرة عليه لينفتح على مشهد كارثي، من الصعوبة التكهن بما يؤول أليه لاحقا.
لحد الآن لم نرى ما يؤشر لوجود علاقة تفاعلية أو حوار بين قوى سياسية بعينها ومعها السلطة الحاكمة مع الشباب المنتفض، لابل نرى هوة عميقة تفصل بينهما، والانطباع العام يشير لوجود قطيعة مستحكمة سببها إصرار السلطة على التعامل بالقتل والترويع مع شباب الانتفاضة، يضاف له تعنت سلطوي قاصر جدا تجاه مطالب المنتفضين وهي بالأصل مطالب غالبية الشعب العراقي، والتي صبت أساسا ومنذ بدأ الانتفاضة بالشكوى من عدم توفر الخدمات العامة والماء النظيف والكهرباء وتدني مستويات التعليم وخدمات المستشفيات وغلاء المعيشة وسعة البطالة بين الشباب وغيرها من المطالب اليومية ، والتي تعزو جميع أسبابها الحقيقية لاستهتار بعض السياسيين والأحزاب والمافيات والمليشيات وجشعهم وقدرتهم الفائقة على سرقة المال العام وقمعهم لأي نهج إصلاحي أو تصحيح للأخطاء.
ومع إصرار السلطة وقواها الحزبية والمليشياوية على استخدام العنف الممنهج والمنفلت ضد الانتفاضة، يفقد العراق أكثر فأكثر فرصة التشاور بين مكوناته، وتنعدم لغة الحوار بين السلطة والشباب المنتفض، وفي هذا الآمر يظهر إن هناك قصديه مبيته تتجنب الاعتراف بمطالب الشعب، وتتجاهل بشكل غريب وجود انتفاضة جماهيرية كبرى، لها أهداف واضحة وسهلة التنفيذ وصالحة لبناء الوطن على وفق مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية الضامنة للجميع في خياراتهم الوطنية المتعددة.
فالسلطة وأحزابها تتخوف من تشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات بعيدة عن مفهوم المحاصصه، وأن يوضع قانون انتخابات منصف وعادل يسمح بمشاركة الجميع في انتخابات حرة نزيهة تنعدم فيها الكثير من فرص الضغط وتزوير الأصوات لصالح الأحزاب والمليشيات. ولذا لا يظهر في الأفق القريب ما يشير لانفراج الأزمة العامة والخانقة التي وقع فيها الوطن العراقي بسبب السياسي العراقي الناقم على وطنه وشعبه ولا يريد لهما أي خير.
مع مضي الوقت فالسلطة تستقوي بمليشياتها وتنتظر وصول المنتفضين لحالة العجز والملل ومن ثم القبول بالرضوخ، متناسين إن فعلهم هذا يرفع بالمقابل من غليان الشارع ويصعد من حدة التوتر الاجتماعي الانفعالي لمجاميع كبيرة من الشبيبة التي ترفض الرضوخ والخنوع، وتبعد من قاموسها فكرة التخلي والهروب، وهذا ليس قاصرا على المجتمع العراقي بل هو شأن تمتاز به الكثير من شعوب العالم التي تتعرض للقسوة والاضطهاد. ولعل احزاب السلطة الحالية تناست سنوات حكم الطاغية المقبور صدام حسين. فرغم الملايين من جيشه ورجال أمنه وحزبييه وجواسيسه فقد كانت هناك تحركات تمثلت بعمليات اغتيال وهجمات مسلحة داخل بعض المدن وعصيان مسلح في مناطق الاهوار والجبال، ولم تخمد أو تنتهي رغم عمليات البطش والترويع التي كان يمارسها جيشه مرتزقته، العرمرم واستمرت المقاومة بمقارعة السلطة لحين سقوط حكم الطاغية في عام 2003 .
عند لحظة من اللحظات التاريخية ومع إصرار السلطة الحالية على إنهاء انتفاضة الأول من أكتوبر العراقية المجيدة بالأساليب العنيفة، وحين يتحقق لها مرادها وتنتهي الانتفاضة على ما حققته من إجازات مع بقاء سيطرة الأحزاب الفاسدة والمليشيات على السلطة، حينها تحدث الفجوة التاريخية الفاصلة لتختار الجماهير المنتفضة لغة أخرى بعيدا عن شعار السلمية، ويبدأ التمرد ألعنفي كحل مفضل ونهائي للرد على قسوة واضطهاد السلطة. ويشكل انفلات الوضع الأمني في العراق ووجود أعداد مهولة من قطع سلاح متنوع عند الشعب،اللوحة الأكثر قتامه، وفي الوقت ذاته الأكثر إيثارا وتحفيزا للبعض للابتعاد عن صيغ الخوف والرضوخ ، عندها يبدو مع هذا الوضع الملتبس والمربك، من السهولة بمكان ظهور حالة العصيان المسلح بمختلف أشكاله وتنوعاته ومن ثم تصاعده بمضي الوقت .
في كتابه المعنون معذبو الأرض يقول فرانز فانون الفرنسي المولد والمشارك كنصير بالثورة الجزائرية وكان قد آمن بالقوة لمقارعة الظالم لذا يذكر:
" ظلوا يقولون له أنه لا يمكن أن يفهم غير لغة العنف والقسوة ( أي الشعب ) ، أنه يحزم أمره الآن، على أن يعبر عن نفسه بلغة القسوة ذاتها "
وهو يعتقد إن العنف المسلح هو السبيل الوحيد للتخلص من الخوف، ويحرر الإنسان من مواقفه المترددة وفي ذات الوقت يحد من عنجهية وغطرسة الأخر المتسلط الذي يمارس القتل والترهيب ليغرس في نفوس العامة التردد والخوف وعدم الثقة ثم يفرض عليهم الطاعة.
شيوع أساليب العنف والاضطهاد من قتل وخطف وتغييب وتخوين وتسميم وحرق الخيم وتوجيه التهم الجاهزة والمتخمة بالنذالة والحقارة لشباب وفتيات الانتفاضة . كل ذلك وغيره من الجائز أن يكون دافعا حقيقيا ومفروضا وقسريا لتغيير قواعد الاشتباك مع السلطة والمليشيات. وبعد أن يصل الوضع لحالة من التعقيد والاستعصاء، عندها تولد في نفوس العديد من الشباب المتمرد المنتفض حالة من اليأس المفرط. وبعد أن تستنفذ جميع الحلول العقلانية مع السلطة وتخلي المجتمع الدولي عن المنتفضين، عندها تندفع كتل شبابية لخيار تبني لغة العنف المقابل، بعد أن وجدت إن ليس هناك لغة تردع السلطة وتوقف أحزابها ومليشياتها عن اقتراف جرائمها اليومية واستهتارها بحقوق الوطن والشعب.
إن انفجار العنف المتبادل أن حدث،حتما لن يكون وليد لحظة عابرة ، بقدر ما هو سلوك حركته ظروف وعوامل عديدة أشترك في تصعيدها الجميع، وهو أيضا يعد تعبيرا عما يصطرع في المجتمع من تناقضات ومآزق اجتماعية سياسية اقتصادية، وما يتعرض له الناس من هدر للكرامة الإنسانية وقهر وتهميش وتبخيس يومي على يد الأحزاب المشاركة بالسلطة في العراق.
فهل تدرك سلطة الأحزاب ومليشياتها مثل هذا الأمر، وتعلم إن استمرارها في إهمال مطالب الجماهير ودأبها على سرقة خيرات الوطن، واستخدامها أكثر وأحقر الطرق تخلفا ودونية في قيادة العراق وجره نحو الهاوية، وإصرارهم على استخدام لغة العنف والقسوة لإخماد جذوة الانتفاضة وإنهائها،كل ذلك سوف يكون ثمنه غاليا ووبالا عليهم وعلى الشعب العراقي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - كلها كانت من قبلي
طلال الربيعي ( 2020 / 2 / 19 - 12:25 )
تحية الى الكاتب. اتفق مع ما ورد في المقالة. واود الاشارة الى اني كتبت مقالا مشابها بالمضمون من قبل بعنوان
-سلمية التظاهرات, العنف, وفرانتز فانون-
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=658198
والمفارقة ان هنالك 11 تعليق كلها كانت من قبلي فقط. فلا ادري كيف افسر هذا! هل هو بسبب الاتفاق ام الرفض؟
وافر تحياتي


2 - تحية
فرات المحسن ( 2020 / 2 / 19 - 19:14 )
تحياتي واحترامي الاخ طلال
اسف لعدم اطلاعي على مقالك ويسعدني لو اطلعت عليه
حتما بسبب ذات الأحداث ومجريات الواقع العراقي يجعلن الناس يتواردون ذات الرؤية
والتوقعاتت
لك الاحترام

اخر الافلام

.. حماس تطلق صواريخ في اتجاه تل أبيب بعد قصف مخيم الشاطئ


.. الاحتلال الإسرائيلي يدمر برجا يضم مقر الجزيرة ووسائل إعلام ع


.. انتخابات إيران الرئاسية.. غلق باب الترشح




.. شاهد.. محاولة عبور الحدود إلى داخل إسرائيل


.. تضامن عالمي مع القضية الفلسطينية