الحوار المتمدن - موبايل


كنت شاهدا لحادث البرجين

محمد زكريا توفيق

2020 / 2 / 23
السياسة والعلاقات الدولية


عندما كنت أسكن في مدينة نيوجرسي وأعمل في جنوب منهاتن، كنت أركب قطار الصباح بضع محطات وأنزل في نهاية الخط أسفل مبنى أحد برجي التجارة. أمر على عدة محلات تجارية ثم أصعد درجا من عدة سلالم إلى الشارع.

كانت الشركة التي أعمل بها تستأجر الدور قبل النهائي في أحد الأبراج، كقاعة محاضرات، وكنت أحضر في أحيان كثيرة وأقضي اليوم كله هناك بالقرب من سطح العمارة، أي بالقرب من نجوم السماء. عندما كنت أسير أمامها، كنت أرى السحب المنخفضة تصل إلى منتصفها. اسم ناطحات السحاب هو في الواقع اسم على مسمى.

في يوم من الأيام، وجدت فرقة بالمزمار والربابة والطبل البلدي مع راقصة يقدمون عرضا للفنون الشعبية أمام أحد البرجين، والناس ملمومة تتفرج. في البدروم، كان هناك عرض للمنتجات المصرية بمناسبة زيارة الرئيس مبارك لأمريكا في ذلك الوقت، أعتقد في بداية التسعينيات.

يوجد هناك ميدان صغير على بعد خطوات من البرجين، يطل على شارع برودواي. ترتص عربات الأكل حول الميدان. به تمثال من البرنز لرجل حديث موظف يجلس على دكة، ويفتح حقيبة يد. أحد عربات الأكل كان يقف عليها إثنان من المصريين. طبيب ترك مهنة الطب وتفرغ لبيع الفلافل، ومساعده.

طبق الفلافل وسلطة طحينة وطماطم وطرشي وباذنجان مقلي ورغيفين عيش شامي وعلبة كوكاكولا مشبرة، كل ده ب 5 دولار. الطابور عليه طابور يقترب من مبنى البرجين. جنبه عربة أكل لباكستاني يبيع فراخ مقلية بالكاري. لا يوجد زبون واحد يوحد الله. يقال أن الطبيب صاحب عربة الفلافل عمل منها ثروة طائلة. الله يبارك له.

عملي كان على بعد 5 دقائق مشي. كنت أيضا أجلس في هذا الميدان وقت الغداء لكي ألعب الشطرنج مع موظفين معظمهم كانوا يعملون في برجي التجارة العالمية.

كنا نؤجر قطع الشطرنج والرقعة والساعة بمبلغ دولار واحد في ذلك الوقت. وكان هناك بعض المحترفين يلعبون بالفلوس، أي يقامرون. يعطوك 5 دقائق ولهم دقيقة واحدة على ساعة الشطرنج.

في يوم 11/9/2001 ذهبت متأخرا للقطار الذي يأخذني إلى المركب، ومن المركب إلى جزيرة منهاتن حيث عملي. القطار حيث أسكن في جزيرة ستاتن أيلاند يسير فوق الأرض، بعكس قطارات منهاتن التي يسير معظمها في أنفاق تحت الأرض.

قبل وصولي إلى آخر محطة، سانت جورج، نظرت من نافذة القطار فرأيت البرجين في ضوء الشمس بلونهما الفضي الرائع، لآخر مرة، يتصاعد منهما الدخان الأسود أفقيا بغزارة. اعتقدت أنها مجرد حادثة حريق عادي سيتم إطفاءه وترميم البرجين.

لكن أحد الركاب كان معه راديو صغير سمع منه تفاصيل ما قد حدث. إحدى الراكبات أخذت تصرخ. باقي الركاب ينظرون من النافذة وهم في ذهول وحيرة من أمرهم. عندما وصلنا، وجدنا الشرطة قد ألغت رحلات المراكب إلى منهاتن حتى إشعار آخر. فماذا حدث؟

فى 11 سبتمبر عام 2001م، اختطف 19 مسلحا من جماعة القاعدة الاسلامية أربع طائرات. نفذوا بها هجمات انتحارية ضد أهداف فى الولايات المتحدة .

طائرتان اصطدما ببرجي مركز التجارة العالمى فى مدينة نيويورك، وثالثة بمبنى البنتاجون خارج واشنطن العاصمة، تحطمت الطائرة الرابعة فى حقل فى شانكسفيل بولاية بنسلفانيا . هذه الهجمات، تسببت في قتل ما يقرب من 3000 شخص.

الطائرة الأولى، بوينج 767 التابعة للخطوط الجوية الأمريكية، والتي اصطدمت بالبرج الشمالي، كانت محملة ب 20 ألف جالون وقود طائرات. ترك الارتطام حفرة كبيرة مشتعلة بالقرب من الطابق الثمانين من ناطحة السحاب المكونة من 110 طابق. مما اسفر على الفور عن مصرع مئات الاشخاص ومحاصرة مئات آخرين فى الطوابق العليا.

مع بداية عملية إخلاء البرجين، بثت كاميرات التليفزيون صورا حية لما بدا فى البداية انه حادث غريب. بعد 18 دقيقة من اصطدام الطائرة الأولى، ظهرت طائرة بوينغ 767 ثانية في سماء نيويورك، انعطفت بشدة نحو البرج الجنوبي واصطدمت به في المنتصف، بالقرب من الطابق الستين.

تسبب التصادم فى انفجار هائل أمطر المباني والشوارع المجاورة بالحطام المحترق. اتضح على الفور أن أمريكا تتعرض لهجوم مباغت.

الخاطفون كانوا إرهابيين إسلاميين من السعودية ومن دول عربية أخرى. أفادت الانباء ان تنظيم القاعدة، الذى يرأسه اسامة بن لادن سعودي الجنسية، هو المسؤول عن هذه الهجمات، وذلك انتقاما لسياسة أمريكا المنحازة ودعمها لاسرائيل على طول الخط، واستمرار وجودها العسكري فى الشرق الاوسط.

لقد عاش بعض الإرهابيين في الولايات المتحدة لأكثر من عام. أخذوا دروسا في مدارس الطيران التجاري الأمريكية. آخرون كانوا قد تسللوا إلى البلاد في الأشهر التي سبقت 11 سبتمبر.

قام الارهابيون ال19 بتهريب قواطع الصناديق والسكاكين بسهولة ومغافلة الأمن فى ثلاثة مطارات على الساحل الشرقى. ركبوا اربع طائرات فى الصباح الباكر متجهة الى كاليفورنيا. لأن المسافة بعيدة والطائرات لابد أن تكون محملة بكميات هائلة من الوقد. بعد وقت قصير من الإقلاع، استولى الارهابيون على الطائرات الاربع، وحولوها من طائرات ركاب عادية الى صواريخ موجهة.

بينما كانت الملايين تشاهد الاحداث المذهلة التي تحدث في نيويورك على التلفاز، حلقت طائرة الخطوط الجوية الامريكية رقم 77 فوق وسط مدينة واشنطن العاصمة، قبل أن تصطدم بالجانب الغربى من مقر قيادة البنتاجون العسكرية فى الساعة 9:45 صباحا.

تسبب انفجار وقود الطائرة بوينج 757 في انهيار جزء من المبنى الخرساني العملاق لمقر وزارة الدفاع الأمريكية. قتل أثر ذلك 125 عسكريا ومدنيا في البنتاجون، إلى جانب كل ركاب الطائرة ال64.

بعد أقل من 15 دقيقة من الهجوم على المركز العصبي للجيش الأمريكي، اتخذ الرعب في نيويورك منعطفا كارثيا، عندما انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي في سحابة هائلة من الغبار والدخان.

الصلب الهيكلي لناطحة السحاب، التي بنيت لتحمل الزلازل والرياح التي تزيد عن 200 ميل في الساعة، أو أي حريق تقليدي كبير، لا يمكنه أن يتحمل الحرارة الهائلة الناتجة عن حرق وقود الطائرات.

فى الساعة 10:30 صباحا انهار المبنى الشمالى للبرجين التوأمين. لم ينج سوى ستة اشخاص فى برجي التجارة العالمي وقت انهيارهما. عولج ما يقرب من 10000 شخص آخر من إصابات، معظمها إصابات خطرة.

في نفس الوقت، أختطفت طائرة رابعة متجهة إلى كاليفورنيا – يونايتد، الرحلة 93 - بعد حوالي 40 دقيقة من مغادرتها مطار نيوارك ليبرتي الدولي في نيوجيرسي.

بسبب تأخر الطائرة في إقلاعها، علم الركاب على متنها بحقيقة الأحداث التي وقعت في نيويورك و واشنطن عبر هواتف الأيفون ومكالمات الإيرفون الأرضية، بالرغم من إعلان المختطفين أن الطائرة عائدة إلى المطار. إلا أن مجموعة من الركاب قررت مقاومة المختطفين.

قال أحد الركاب، توماس بورنيت الابن، لزوجته عبر الهاتف "أعرف أننا سنموت جميعاً. ثلاثة منا سوف يفعلون شيئا حيال ذلك. أحبك يا حبيبتي". سمع راكب آخر - تود بيمر - يقول "هل أنتم مستعدون؟ دعونا نندفع من هنا.

اتصلت ساندي برادشو، وهي مضيفة طيران، بزوجها وقالت له أنها في المطبخ تملأ أباريق بالماء المغلي. كانت آخر كلماتها له "الجميع يهرولون إلى أماكن الدرجة الأولى. أنا مضطرة للمغادرة. باي.

قاتل الركاب الخاطفين الاربعة، ويبدو انهم قد حطموا باب قمرة القيادة بطفاية حريق . ثم انقلبت الطائرة واسرعت نحو الارض بسرعة 500 ميل فى الساعة، لكي تتحطم فى حقل ريفى بالقرب من شانكسفيل غرب ولاية بنسلفانيا فى الساعة 10:10 صباحا.

لقد لقى جميع من كانوا في الطائرة، 44 شخصا، مصرعهم . هدف الطائرة الرابعة غير معروف، لكن النظريات تشمل البيت الأبيض، الكابيتول الأميركي، المقر الرئاسي بكامب ديفيد في ولاية ماريلاند ، أو واحدة من عدة محطات الطاقة النووية على طول الساحل الشرقي.

2996 شخصا لقوا مصرعهم فى هجمات 11 سبتمبر، منهم الخاطفون الارهابيون ال19، الذين كانوا على متن الطائرات الاربع . 15 سعودي، 2 إماراتي، 1 مصري، 1 لبناني. الضحايا الذين ماتوا في هذه الأحداث مواطنون من 78 دولة.

فى مركز التجارة العالمى وحده، لقى 2763 شخصا مصرعهم بعد ان اصطدمت الطائرتان بالبرجين التوأمين. يشمل هذا الرقم 343 من رجال الإطفاء ورجال الإسعاف، 23 من ضباط شرطة مدينة نيويورك، و 37 من ضباط شرطة هيئة الموانئ الذين كانوا يكافحون لإخلاء المباني وإنقاذ موظفي المكاتب المحاصرين في الطوابق العليا. بينما 189 شخصا قد ماتوا في حادثة البنتاجون بالعاصمة واشنطن، و 44 شخصا لقوا حتفهم عندما سقطت الطائرة الرابعة في بنسلفانيا.

ظل أسامة بن لادن، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، طليقاً حتى 2 مايو 2011م، عندما تم تعقبه وقتله على يد القوات الأمريكية في مخبأ في أبوت آباد، باكستان.

كان لهجمات 11 سبتمبر تأثيرا سلبيا فوريا على الاقتصاد الأمريكي. لقد تم إخلاء العديد من مؤسسات وول ستريت، بما فيها بورصة نيويورك، أثناء الهجمات.

فى اليوم الاول من التعاملات بعد الهجمات، انخفضت أسعار الأوراق بنسبة 7.1 فى المائة. كما فقد اقتصاد مدينة نيويورك وحده 143,000 وظيفة في الشهر، و2.8 مليار دولار من الأجور في الأشهر الثلاثة الأولى.

كانت اثقل الخسائر فى المؤسسات المالية والنقل الجوي اللذين يمثلان 60 في المائة من الوظائف المفقودة. تقدر تكلفة الأضرار التي لحقت بمركز التجارة العالمي بمبلغ 60 بليون دولار. وكانت تكلفة تنظيف الحطام 750 مليون دولار.

لكن هل جاءت الطائرات حقا وغارت على أهدافها من السماء، أم من مرارة الألم وبرك اليأس ومستنقعات الكراهية ضد الولايات المتحدة؟ هل يختلف إثنان أو يتناطح عنزان في أن الغرب هو السبب في بؤس العرب وكارثة فلسطين؟

وأن الغرب كان ولا يزال يظلم ويشجع على الظلم بمساندته للحكام القتلة الفاسدين. كما أنه لا يزال يستخدم معاييرا مزدوجة ضد العرب والمسلمين.

يا سيدي، هذه وصفة أكيدة ومجربة لإنتاج آلاف بن لادن، وآلاف من المهووسين. طالما ينظر الغرب إلى دماء وحريات العرب على أنها الأرخص، يمكن الاستغناء عنها في سبيل رفاهية الغرب المتفوق حضاريا، فإننا سوف نواجه كل المشاكل مع العالم العربي والعالم الإسلامي الذي يقترب من ملياري نسمة.

لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر تمثل محاولة غبية من تنظيم القاعدة لجر الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع المسلمين. ولا بد أن أسامة بن لادن كان سعيدا إزاء الحروب التي شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان والعراق، وما قامت به الولايات من خرق لمبادئ الحرية وحقوق الإنسان بغباء في معقلات جوانتنامو وسجن أبو غريب.

الآن سياسة ترامب في منطقة الشرق الأوسط. أفضل ما توصف به هو أنها سياسة بلطجة وابتزاز أموال. سياسة حماية القتلة والمناشير واللصوص. سياسة مناهضة للثورات، تقوم بظلم الشعوب وكبت حرياتها وحرمانها من اختيار حكامها بنفسها.

لقد أصدرت إدارة ترامب أخيراً خطتها المعروفة بصفقة القرن. انتقدها ربع الديموقراطيين في مجلس الشيوخ، واتهموها بأنها تنتهك حق الفلسطينيين في تقرير المصير. كذلك رفض الفلسطينيون صفقة القرن بالإجماع، لأنها ستؤدي إلى فصل عنصري بدلا من دولتين. كما رفضتها أيضا جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الاسلامي.

هذا يدل على أن شعوب المنطقة قد فقدت الثقة كلية في سياسة ترامب. الدولة المقترحة للفلسطينيين حسب الصفقة، ليست دولة على الإطلاق. بل هي كيان مجزء يضم 60% من الضفة الغربية. بدون سيطرة على المياه الإقليمية أو الجو أو الحدود أو الأمن.

المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية دوليا، يثبت وضعها لكي يعيش سكانها بجانب الفلسطينيين مع تطبيق السيادة الإسرائيلية عليهم. مشكلة اللاجئين لاتزال قائمة.

لقد حمت الولايات المتحدة دوما المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية من القانون الدولي، باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن. وضمنت لإسرائيل بشكل فريد، التكنولوجيا والأسلحة المتطورة، للحفاظ على التفوق العسكري في المنطقة. بحجة أن هذا بجعل إسرائيل أكثر أمناً، وأكثر استعداداً لتقديم تنازلات. بدلا من ذلك، حدث العكس.

الشئ المقلق للغاية، هو استشهاد رجال ترامب بالكتاب المقدس. في الإشارة للضفة الغربية والقدس في السياسة الأمريكية. استخدام الروايات الدينية كأساس تاريخي تبني عليه سياسة الدول أمر خطير للغاية. يؤجج الصراعات الدينية ويؤدي إلى مواجهات لا نهاية لها.

شعوب الشرق الأوسط سوف تقاوم الظلم الواقع عليها من إسرائيل ومن حكامها الأشاوس. وستجد أمريكا نفسها في المستقبل تدافع عن القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، وستجد أمريكا نفسها تحمي قمع المستبدين لشعوبهم.

فهل هذا ما تبغيه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟ وهل هكذا يا سعد تورد الإبل؟ هل هكذا نحارب الإرهاب و نتجنب وقوع كارثة أخرى بحجم كارثة 9 سبتمبر؟

الأسلوب الوحيد لمحاربة الإرهاب هو نشر العدل والحرية والديموقراطية، والتمسك بمبادئ حقوق الإنسان. وهي نفس المبادئ التي بني عليها الدستور الأمريكي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. AFK GAMERS| أبرز ألعاب الفيديو لعام 2021


.. السودانيون يشتكون من ارتفاع الأسعار ونقص السيولة ويبحثون عن


.. ماكرون يعترف.. المناضل الجزائري -بومنجل لم ينتحر بل عذبه وقت




.. رئيسة منظمة التجارة العالمية لـCNN: لنعمل مع البلدان النامية


.. مبادرات لإنقاذ الحيوانات الأليفة وحمايتها في فلسطين