الحوار المتمدن - موبايل


الجديد – نعم، المبالغة والهوس – لا !

سليمان جبران

2020 / 2 / 26
الادب والفن



يبدو أنّ عصرنا العجيب هذا يقرّب المسافات فعلا! لكنّه يباعد بين الناس أيضا! الآلة تقوم بكلّ ما نريد. من بعيد لبعيد، فلماذا "الغلبة" والتعب؟!
اليوم عيد ميلاد صديقي. بدل زيارته في البيت، والجلوس معا، نشرب القهوة ونتحدّث، أكتب إليه تهنئة. طبعا على الواتس أب. فيردّ عليّ شاكرا. بالطريقة ذاتها طبعا!
كلّ ما نريد القيام به ننفذّه، ونحن على كرسيّنا في البيت. فلماذا نخرج من بيتنا؟ أذكر ولا أنسى: سافرتُ في الماضي البعيد مرّة إلى القاهرة، لأقوم بمراجعة أحد كتبي قبل طبعه. لكنّ "الأستاذ" جاءني يومها من أحدى الدول العربيّة، بنصف المخطوطة، ونسي النصف الثاني، فاضطررتّ إلى السفر مرّة أخرى إلى القاهرة لإتمام المهمّة. إي والله!
اليوم يمكنك التواصل مع العالم كلّه، وأنتَ على كرسيّك في البيت. ترسل مخطوطة كتابك في الإيميل إلى أميركا، فيصل إلى غايته، وأنتَ على كرسيّك. ترسل تعازيك وتهانيك إلى أصدقائك جميعهم بكبسة زرّ، وأنتَ على كرسيّكَ في مكتبك!
ما زلنا، أعترف، نلتقي في الأفراح، وفي التعازي. لكن من يدري؟ قد يأتي يوم نهنّئ فيه ونعزّي بالإيميل أيضا. و"النقوط" يمكن تحويله إلى غايته بسهولة أيضا. البنك ابن حلال! نشارك الناس أفراحهم وأتراحهم دون رؤيتهم!
لا أعارض الوسائل الحديثة، وحياتكم! لكنّي أخاف، أخاف جدّا على العلاقة بين الناس. هل تقوم الآلة بكلّ شيء في هذا العصر العجيب؟ هل سيأتي يوم تنشأ فيه الصداقات، وتتفجّر العداوات في الإيميل، فنصادق ونعادي دونما معرفة بالآخر، وجها لوجه؟! هذه هي سنّة الحياة، كلّ جديد وله بهجة! فهل يأتي يوم في المستقبل نتعرّف فيه الناس، ونصادقهم بالمراسلة؟
مع الجديد نحن، وبقوّة! لكن دون مبالغة طبعا. لا نبالغ في قفزنا على ظهر الفرس فنقع على الأرض من الناحية الأخرى. كلّ جديد يباغتنا ننظر فيه، ونطيل النظر: نتبنّاه إذا أعجبنا، ونغلق بابنا في وجهه إذا لم يلائمنا.
كنتُ في سهرة. التفتّ فإذا جميع جيراني يولون مجالسيهم جنوبهم، ويحدّقون في تليفوناتهم! فهل غدا التلفون أغلى من صديقك الجالس إلى جانبك؟ كلّ جديد وله بهجة، أعرف. لكن من المحال دوام الحال أيضا!
هذه الأيّام تبعد الناس عن القراءة أيضا. لم يعد للكتاب متّسع في أيّامنا هذه. يعرض اسم طه حسين، مثلا، فتكتشف أنّ جارك لا يعرف هذا الاسم. سمعه مرّات، لكنّه لا يعرف عنه شيئا! وإذا عجبتَ واعتبرتَ ذلك عيبا، خصوصا على من يعتبر نفسه مثقّفا، مثل الأستاذ، لجأ إلى غوغل مرغَما لإرضائك!
يقولون إنّ زمنا سيأتي ينقرض فيه الكتاب، وتُلغى المكتبات! ربّما، لكن في المستقبل. في هذه الأيّام ما زال الكتاب أداة الثقافة الأوّلى. لا يُمكن إلغاء الكتاب، خاصّة في فوضى هذه الأيّام، والاكتفاء بالحاسوب. لا ننسَ أنّ الحاسوب أرض مشاع للجميع، ولا يمكن أن يحتلّ مكان الكتاب، في ظروف هذه الأيّام على الأقل. الحاسوب مفيد، بل مفيد جدّا، لكنّه في آخر الأمر ما زال أداة تنقصها الدقّة، في أمور كثيرة، والموثوقيّة أيضا!
كلّ جديد وله بهجة؟ الجديد- نعم! المبالغة والهوس - لا!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات