الحوار المتمدن - موبايل


الجذور التاريخية والسياسية للصراع المصرى الإثيوبى

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 3 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


كانت سياسة محمد على وأسرته هى النفاذ إلى عمق إفريقيا ، وذلك لأسباب عديدة منها الوصول إلى منابع النيل، وقد إستطاع محمد على فى عهده الوصول إلى أقاصى السودان، وضمه إلى ممتلكات مصر بإسم السلطان العثمانى، ثم تابع الخديوى إسماعيل( 1863-1879م) سياسة محمد على، بالنفاذ إلى عمق سواحل البحر الأحمر، والإستيلاء على مينائى مصوع وسواكن من الدولة العثمانية، ثم النفاذ إلى منطقة بوجوس، فى محاولة للوصول إلى عمق الأراضى الأثيوبية والسيطرة عليها، ولكن الملك يوحنا الرابع ملك إثيوبيا(1868-1876م)، تمكن من التصدى للقوات المصرية والقضاء عليها، فى معركتين حاسمتين هما، معركة جوندت سنة 1875م، ومعركة جورا سنة 1876م، ولازلت هاتان المعركتين تعتبران من مفاخر التاريخ الوطنى الإثيوبى الحديث، بحيث أن بعض المدافع التى إستولى عليها الإثيوبيون من المصريين فى معركة جوندت، مازالت تزين ميدان أكسيوم ، العاصمة التاريحية لإثيوبيا حتى اليوم ، كما أطلق إسم جوندت على أرفع وسام عسكرى إثيوبى.
وهكذا إتسمت العلاقات المصرية الإثيوبية بطابع الحساسية القومية والدينية منذ زمن بعيد، وأصبح الصراع على مياه النيل، هو نقطة التفجر الدائمة لهذه الحساسيات والتعقيدات التاريخية، ورغم أن العلاقات المصرية الإثيوبية قد شهدت كثيراً من التحسن فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بسبب نشاط العهد الناصرى الكبير فى إفريقيا، وبسبب إستغلال النظام الناصرى للعلاقات الوثيقة بين الكنيسة الإرثوذكسية المصرية، والكنيسة الأرثوذكسية فى إثيوبيا فى عهد البابا كيرلس، الذى كان يقوم بنفسه بتنصيب أساقفة الكنيسة فى إثيوبيا، فإن هذه العلاقات سرعان ماعادت إلى التدهور بعد الإطاحة بهيلاسى، بحيث قطعت الكنيسة الإثيوبية علاقتها بالكنيسة الأم فى مصر، وأصبحت تولى أساقفتها بنفسها. وقد قام منجستو هيلامريام الحاكم العسكرى الشيوعى لإثيوبيا سنة 1979م، بتحطيم زجاجات مملوءة بالدم بين يديه، وهو يتهم مصر بالضلوع مع الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها من دول اليمين العربى فى تحالف سافارى سنة 1975م، والموجه إلى إثيوبيا، وقد رد أنور السادات على ذلك بالتهديد بقصف إثيوبيا.
وقد ظلت تلك العلاقات فى تأزم بعد مجئ مليس زيناوى إلى الحكم فى التسعينات ، والذى إتهم مصرصراحة بدعم الحركة الإنفصالية فى إرتيريا، وأطلق كثيراً من التصريحات العدائية ضد مصر، مستشهداً بالماضى الذى إستطاعت فيه إثيوبيا تدمير الغزاة المصريين. لكن يد نظام حسنى مبارك ظلت قوية على الملف الإثيوبى، الذى تم وضعه تحت إشراف وزير المخابرات عمر سليمان . وهكذا ظلت إثيوبيا تنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه ضربتها إلى مصر، والتى حانت مع صعود الإخوان إلى الحكم فى أعقاب ثورة يناير سنة 2011م، وماسببه ذلك من صراع أهلى ، وتدهور أحوالها الإقتصادية والسياسية، وتراجع دورها الإقليمى ، فأعلنت عن تحويل مجرى النيل الأزرق، تمهيداً لقيام سد النهضة العملاق، الذى سيتحكم فى جزء كبير من فيضان النيل الأزرق، وذلك كمقدمة لبناء عدد آخر من السدود، يعطى لإثيوبيا الحرية الكاملة فى التحكم فى مياه النهر على المدى البعيد، وذلك فى تحدى للقانون الدولى الذى يعتبر مجارى الأنهار ممرات دولية، ويحرم على دول المنبع، إقامة سدود أو منشآت على مجارى الأنهار، بدون موافقة دول المصب.
الخلاف المصرى الإثيوبى حول سد النهضة ، ليس مجرد خلاف حول مشروع إقتصادى لتوليد الكهرباء ، وإنما هو صراع تاريخى سياسى حول مياه النيل ، يعتمد فى مده وجذره على موازين القوى بين البلدين، ومعالجته خارج هذا الإطار تعتبر إفراط فى حسن النية، أو مجرد وهم من الأوهام !!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معن الجبوري: الحراك السياسي قبل الانتخابات يؤشر إلى العمليات


.. الصوت المعجزة.. في ذكرى وفاة الشيخ محمد رفعت


.. شاهد: مأرب اليمنية تتحضر لاستقبال عيد الفطر على وقع التصعيد




.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى