الحوار المتمدن - موبايل


تائهاً في حجرة

ساطع هاشم

2020 / 3 / 9
الادب والفن


لقد رحلت قبل اندلاع حرب المردة المؤمنين أولاد الشيطان ولم يتسنى لها ان ترى حقيقة حدسها وهواجس قلبها المعذب وهذه هي الحقيقة، ولم يبقى لي اليوم من ذكرى الحجرة التي جمعتنا سوى وحشتها وأفول نجمتها وشقاء العاجز الباحث عن نقطة ارتكاز بعد ان غابت ابتسامتها ومرحها بين تلافيف الحياة وحروب المتدينين واتباع الآلهة والطوائف في كل مكان

في تلك الحجرة جمعتنا الصباحات والليالي الباردة، وكان كلما غزاها ظلام المساء انحسر المكان الذي نتحرك فيه الى بضع اقدام بفعل العتمة، وفي احيانٍ كثيرة كان هذا يشعرنا بضعفنا وكاننا في أعماق الهاوية، لأننا لم نكن سوى جسدين عاريين وقليل من الروح وشيئا من الفكر الحر وقد تقلصت إمكانات حركتنا بانعدام النور الى الصفر، وكان هذا غالباً مايزيد من حدة خيالنا ووجدنا، وتصورنا للمحيط والتصاقنا ببعضنا ويختلط علينا المرئي بالمحسوس
وذات مرة ونحن في هذه الحالة من الغياب خَفَتَ صوتها فجأة وتاهت بين السكون والدموع، وكأن مللا لا حدود له قد أصابها، وصارت بلا صوت او رنين، وواصلت حديثها بهمس خافت لم يستمر طويلًا ولم افهم منه الا الغموض
لقد كانت غارقة بالأسى وهي الى جواري وتمد يدها وأصابعها المليحة الرشيقة والمليئة بالخواتم كل لحظة بالهواء وكأنها تشير الى آلامها التي بدت اكبر من حجمها وشكلها بفعل الدموع، والزمن الذي يمزقها، ثم تركت هذه الشوارد وعادت الى ضمي اليها والى ضحكنا وعبثنا وقالت لن نطلب تشاؤماً وتسولاً اكثر مما نحن فيه

وقبل ان تغفو تلك الليلة سألتني، اذا كنت اعرف شيئًا عن دوائر الساعات او مثلثات النظم الهرمية وتسلسل السلطات وإذا كانت حياتنا خدعة ام حقيقة، وإذا كان الانسان يعلم ذاته حقاً، ولم أتمكن ولا مرة واحدة من الإجابة على أي من أسئلتها تلك وكنت أقول لها باني لا أعلم ولم يخطر على بالي في أي يوم من الأيام ان أضيع وقتي بالتفكير بمثل هذه الطرهات وبمثل هذه الأفكار الجميلة لأنها خائبة لا تنفع او تضر، ولا تواسي احداً في محنة او شجاعاً في ورطة او واحداً مثلي هارباً من المعاني السود
وتحسست يداي جبهتها وتركتها هناك لبعض الوقت حتى قهرني ضعفي، لكنها بادرتني بحركة ولمسة ناعمة اعادت لي الوعي، لقد كانت تحيا بقلب عامر بالمحبة وتعتقد بان أحلامها لن تتحقق يوماً ما، ومن الصمت سألتني وكأنها تتحدث عن مأساة كبرى:
هل تمقت الشيخوخة؟، الصغار بالسن يمقتون الشيخوخة والشيوخ
وتجاهلت امرها فقد كان دماغي يعج بالبحث عن طريقنا بين الطرق، ونحن نسكن المسكن السيىء وحيدين تختلط حياتنا بالفن والخيبات وعصر الآلة ونحاول جاهدين ان نجد لنا موطئء قدم في هذا الضجيج
تم استدارت نحوي وقبلتني وقالت: ان الدنيا عرض زائل بل خيال لا حقيقة وأنشدت:
العيش نوم والمنية يقظة. والمرءُ بينهما خيال ساري
واستمرت بالخيال وقالت:
ستقوم حرب عظمى بين المردة والآلهة وستنتهي بموت الجميع وخراب العالم ولكنه موت مؤقت ريثما تتجدد الأرض بسماء أخرى اجمل وأبهى. ثم احتضنتها وقبلتها وقلت لها بأن هذا اسعد خبر وأجمل نبوءة سمعتها في حياتي ولابد انها ستتحقق، واختلطت اقدامنا وأجسادنا واصابعنا تحت رداء الليل بانتظار سماء اجمل وأبهى وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي تطرق بها أسماعي صوتها، ولم أراها بعد تلك الليلة ابدا

لقد رحلت بكل شبابها وعنفها وضعفها ومشاغلها وعبث السنين الطوال
لقد رحلت وهي الان في ذكراها اكثر خلوداً من مذابح الدم وليالي الزمهرير
لقد رحلت وتركتني تائهاً في أعماق حجرة مظلمة بلا قرار، وتلك هي الحقيقة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهدٌ على الحضارة.. فنان تشكيلي يعيد الجمال لبيت من الطين


.. تفاعلكم | جدل حول مسلسل الطاووس وجمال سليمان يرد وخناقات فنا


.. تفاعلكم | دراما رمضان.. خناقات فنانين وانسحابات بالجملة




.. عروض أزياء صيف 2021.. أفلام ستبث على شبكات التواصل الاجتماعي


.. ثلاثة اعمال درامية ينافس بها الممثل السعودي شعيفان محمد في م