الحوار المتمدن - موبايل


ثلاثية الموت في مثلث العنصرية والفقر وكورونا

سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي

2020 / 3 / 13
ملف 1 ايار-ماي يوم العمال العالمي 2020: العمال والكادحين بين وباء -الكورونا- و وباء -الرأسمالية- ودور الحركة العمالية والنقابية


سكان العالم يعيشون أوضاع سيئة ومؤسفة للغاية وتدور حولهم مصائب جمة ناجمة عن ثلاثة مهددات للحياة البشرية في كوكب ملتهب وغير آمن البتة وتتفاقم مشكلاته بين الفينة والآخرى، وتتمظهر هذه المشكلة في المعادلات الوجودية الشائكة التي تتمثل في "ثلاثية الموت داخل مثلث العنصرية والفقر وكورونا" الأمر الذي لم نتمكن من كسره إلي الآن حتى في ظل تطور مناهج العلوم والمعارف الإنسانية والمعاهدات الدولية التي تجرم العنصرية وتعلي من قيم حقوق الإنسان السياسية والمدنية، فمن أشد المخاطر التي تواجه الإنسان المعاصر في هذا الكون عدم إجتياز مشكلات العنصرة كسلوك عابر لأنهر التاريخ ومستشري في دول كثيرة من بينها السودان التي تشهد ثورة نورانية كبرى تنازع السودان القديم وتنادي بضرورة بناء سودان جديد يحقق السلام الشامل الذي يؤسس لمواطنة متساوية وعدالة ناجزة وديمقراطية مستدامة وصولا لمجتمع إنساني تعاوني متساوي الحقوق والحريات والواجبات غض النظر عن اللون والدين والعرق والرأي، فمسألة العنصرية في السودان والعالم ترتبط حلولها بمدى ترسخ الوعي في المجتمع البشري وشعوره بكينونته الإنسانية وإدراك حدود حقوقه وحق الآخريين المختلفين، ولذلك نحن نحتاج لإعادة نظر في التربية الأخلاقية والإنسانية وضبط السلوك البشري بالتنوير المستمر وسن عدد من القوانيين التي تجرم ممارسات العنصرية التي أدت لنشوب حروب بين المجتمعات في عالم اليوم الذي تغلب عليه خطب الكراهية ومنافع بعض النخب الإنتهازية وإن كانت علي حساب حياة الإنسان، فالذين نخاطبهم الآن هم الشعوب أولا والمثقفيين قبل الهيئات والسلطات المحلية والإقليمية والدولية، ذلك لأن التجارب الإنسانية الخلاقة أثبتت أن إرادة الشعوب تتشكل بوعي المثقف المستنيير المنحاز للحقيقة في التحليل والرأي وهي العوامل التي تصنع التغيير والتحرر وهذا حدث فعليا في ثورة السودان الرافضة للعنصرة بكل أشكالها.

ثمة رابط بين العنصرة التي تعني نبذ المرء او السلطة الحاكمة او جزء من المجتمع للآخر المختلف عنه والتمييز علي أساس جنسي وديني والفقر كمشكلة إقتصادية تستجلب التخلف والرجعية وتصنع التهميش الذي يأتي نتيجة جشع فئات محددة تستولي علي الموارد وتتحكم في السلطة وتقصي الآخريين بخطب وحيل نهبوية تفرق المهمشيين لتقوي المستفيدين من خلف صراع الهامش، وقد صنع الإفقار المتعمد تهميش واسع النطاق في السودان ودول كثيرة حول العالم المحاط بالمشاكل، وهنا خلق الإفقار مركز سلطوي عنصري وإقصائي تسلط علي كل السودانيين لعشرات السنيين مطبقا سياسات التفرقة للحفاظ علي إمتيازات سياسية وإقتصادية غير مستحقة في ظل وضعية السيطرة علي موارد الدولة والتحكم في قرار ومصير المجتمع، لكن الثورة علمتنا من جديد أن إنفتاح المجتمع علي بعضه سيخلق وحدة لا يمكن قهرها بخطاب الكراهية والعنصرية، وهذا يعزز ضرورة تنشيط المثقفيين لحوار فكري وتنويري تفاعلي ومباشر مع المجتمع بغية إنتاج حلول جديدة تمكن الإنسان من إنتهاج السلام كوسيلة للعيش السلمي المشترك في دول ديمقراطية حرة تحترم حقوق وحريات الإنسان وتحارب العنصرة والفقر بشعار "الإعتراف بالتنوع البشري والتنمية للجميع" كحقوق يجب أن تصان طبقا للقانون مع تطبيق العدالة في كافة جوانبها حتى نتخلص من الفقر والعنصرة كأخطر عناصر تستخدم في تدميير الشعوب وتخطيها يعني أن نضع علاج لعلاقة الدولة والمواطن او الحاكم والمحكوم ونتسلح بالسلام والقانون.

من الصعب بمكان إيجاد توصيف دقيق يعبر عن سيناريو الرعب الذي يسيطر علي العالم من حولنا بسبب الحروب والفقر والعنصرة والأوبئة، كما يصعب علينا تصور الدمار الذي لحق بالكون والكائنات في السنوات الأخيرة جراء النزاعات التي تنشب سواء بين الدول أو داخل الدولة الواحدة إضافة للكوارث التي تفرزها الطبيعة بمؤثرات بشرية او دون ذلك، فالعنصرية أنتجت تهميش وفقر وتخلف وحروب إبادة طاحنة أدت لهروب الملايين من بلدانهم خشية الموت الذي يحدق بهم ويهدد حياتهم، وكذلك الأمراض المزمنة وأكثرها نتاج لمواد سامة تستخدمها الشركات في مجالات عديدة من بينها التعدين، وفوق ما يعيشه العالم من مشكلات إقتصاد وإنتهاك لحقوق الإنسان وصراعات الدكتاتوريات والمجتمعات الحالمة بالتغيير ظهر فيروس كورونا الفتاك ليحصد أرواح البشرية بالمئات، فمن ينظر للنشرات التي تطلقها المنظمات والهيئات الدولية سيصاب بالغثيان حيال التدهور الذي ضرب العالم مؤخرا، هذا الفيروس الخطير إنتشر بسرعة البرق في دول كثيرة، ولم يتمكن الخبراء من إيجاد ما يكافح هذا الوباء او أقلاها الحد من إنتشاره، وندرك تماما الجهود المبذولة لذلك لكنها ضئيلة للغاية إذاما وضعناها في الميزان العقلاني، فحتى اللحظة نعتبر الحشد الدولي لمكافحة كورونا ضعيف جدا قياسا علي حجم الخسائر البشرية الناجمة عن تمدد هذا الفيروس علي خارطة العالم، وكيما تتحرك الجهات المنوط بها إنجاد هذه الشعوب من نكبتها لا بد من حملات إعلامية ضخمة تطالب كافة الحكومات والهيئات الدولية بتقديم حلول عملية لما يجري في العالم، ويجب أيضا تشكيل صناديق مالية من أجل دعم مكافحة كورونا، فمن غير المعقول أن يسجن البعض أنفسهم في دائرة ضيقة لا تتجاوز حدود العواطف والخيالات حينما يتم تخدير المجتمعات بالباس الحقائق ثياب كهنوتية محددة وتبرير الكوارث بالدعاء التكفيري ونكران الواقع وتغييب العقل، فبدلا عن ذلك يجب التفكير في الحل بطرق عقلانية وعلمية، كما لا يجوز أن تقوم الدول بقفل مطاراتها وموانيها ثم لا تبحث عن حل لمشكلاتها والقضاء علي هذا الوباء وإن كان المبرر منطقي إلا أن النظر بعين واحدة قد لا يرشد المرء للطريق الصحيح، علينا أن نطرق أبواب الأمل بالتفاؤل عامليين بجهد تضامني كيما نضع الحكومات تحت مسؤلياتها، فالكفاح من أجل الحياة مسيرة مستمرة، والحياة حق للجميع ولا يجوز أن نفرط في حقوقنا مهما كان، وإنتصار قضايا الشعوب يعتمد في الأساس علي وحدتها وتماسكها وقوة إرادتها.

14 مارس - 2020م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طهران تتهم تل أبيب بالوقوف وراء الهجوم ضد موقع نطنز لتخصيب ا


.. خريف العشاق وعلى صفيح ساخن.. الماضي يصنع الحدث بمسلسلات سوري


.. مشاهد مسلسل #كوفيد25 و #يوسف_الشريف تتصدر التريند | #منصات




.. إطلاق حملة -100 مليون وجبة- في شهر #رمضان من #الإمارات | #من


.. اتجاه عالمي للحد من الانبعاثات ودعم قضايا تغير المناخ