الحوار المتمدن - موبايل


فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني

زهير الصباغ

2020 / 3 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


تم الكشف رسمياً عن خطة ترامب "السلام من أجل الازدهار"، في 28 كانون الثاني 2020، في البيت الأبيض، وذلك من قبل كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتتناول الخطة، المعروفة أيضا باسم "صفقة القرن"، عددا من القضايا الهامة ولكنها تركز على ثلاثة جوانب: الشؤون السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن بين صفحاتها البالغ عددها 181 صفحة، خُصصت 54 صفحة للجانب الاقتصادي للخطة، بينما تناولت بقية الصفحات القضايا الأخرى. [1]

تجدر الإشارة إلى أن الخطة أعدها فريق من البيت الابيض برئاسة اثنين من المحامين الأمريكيين: نجل ترامب المحامي جاريد كوشنر، ومحامي ترامب السابق في مجال العقارات جيسون د. غرينبلات، وهما مساعدان مواليان لترامب في البيت الأبيض.

تهدف الدراسة التالية إلى تقديم تحليل نقدي لأجزاء من خطة "السلام من اجل الازدهار". وبالتالي، فإنها ستركز فقط على ثلاثة جوانب: (أ) اللغة الاستعمارية المستخدمة (ب) القانون الدولي والسيادة الدولية و(ج) "الدولة" الفلسطينية المقترحة.

(أ) اللغة الاستعمارية المستخدمة
لا ينبغي الحكم على "خطة ترامب" من خلال الأفكار التي تتضمنها فحسب، بل أيضاً من خلال مصطلحاتها وما حاولت إخفاءه، وكشف ما تم حذفه قصدا واضعو الخطة من الحقائق داخل الأراضي الفلسطينية المستعمرة. كما وستقوم الدراسة بكشف كيفة محاولة المؤلفين، تحريف الحقائق وعرض افتراضات ضبابية، من خلال استخدام التعابير الاستعمارية.
يكشف تحليل أسلوب اللغة التي استخدمها المؤلفان في هذه الخطة ما يلي. تكررت كلمة "رؤية" 96 مرة بينما تكرر مصطلح "الأمن" 165 مرة. الاحتلال الإسرائيلي العدواني للأراضي الفلسطينية، والذي يبلغ من العمر 53 عاماً، تم وصفه من قبل المؤلفين، "بالأثر الأمني"، في حين أطلق في الخطة على المستوطنين الاستعماريين الإسرائيليين في الضفة الغربية اسم "السكان الإسرائيليين". ولم يستخدما صاحبا الخطة مصطلحات مثل "الحصار العسكري الإسرائيلي" المشدد المفروض على قطاع غزة منذ 12 عاماً، و"الاحتلال الإسرائيلي"، وهما مصطلحان مألوفان ومقبولان دولياً.
يبدو أن هذه الخطة الأمريكية ركزت على المفهوم الإسرائيلي لمصطلح "الأمن"، وهي مسألة سيتم معالجتها لاحقاً. وتجدر الإشارة إلى أن المستوطنين الإسرائيليين داخل الضفة الغربية يسمون أنفسهم مستوطنين يهودا، وكذلك وسائط الإعلام الإسرائيلية التي تتحدث عن قيامهم بإطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين، ونهبهم للأراضي المملوكة من قبل الفلسطينيين، وحرقهم وتقطيعهم يوميا لأشجار الزيتون الفلسطينية. وحتى الساسة الإسرائيليون يسمونهم مستوطنين يهوداً أو مستوطنين طلائعيين . الخطة تتركنا في الظلام والمؤلفين لا يبلغوننا كيف تم تحويل المستوطنين الإسرائيليين إلى سكان إسرائيليين؟
علاوة على ذلك، فإن الخطة وواضعيها يميلون تماما إلى المصالح الاستعمارية الصهيونية. وأحد المؤشرات على هذا التحيز هو البيان الذي أدلى به ما يسمى بالممثل الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، والذي كثيراً ما انتقد القادة الفلسطينيين بسبب سياساتهم ورفضهم لجهود إدارة ترامب. وعندما سُئل عن سبب عدم إعرابه عن انتقاد مماثل لسياسات حكومة نتنياهو، أجاب قائلاً: لم أجد "أي شيء أنتقده". [2]
(ب) القانون الدولي والسيادة
قامت السلطات الصهيونية، خلال "احتلالها المطول"، بضم الأراضي المحتلة في كل من مرتفعات الجولان السورية والقدس الشرقية. وقد أعربت الحكومة الإسرائيلية الحالية عن نيتها ضم أراض إضافية من الضفة الغربية، وهي غور الأردن وجميع المستوطنات الاستعمارية غير القانونية التي أنشئت في الضفة الغربية في الفترة 1967-2020. وبالتالي، ينبغي للمرء أن يتساءل: هل يمكن للسلطات الإسرائيلية أن تنفذ هذا الإجراء السياسي بصورة قانونية وأن تحصل على سند قانوني سيادي على هذه الأراضي المحتلة؟
وفقا لمايكل لينك[3]، وهو خبير كندي معروف في القانون الدولي، فإنها بالتأكيد لا يمكنها القيام بذلك. وأسهب لينك في ابداء رأيه كخبير في بحث اجراه بعنوان "الاحتلال المطول أو المحتل غير القانوني"، حيث كتب ما يلي:
"وفي العالم الحديث، لا يمكن لقوة الاحتلال، وتحت أي ظرف من الظروف، أن تحصل على الحق في احتلال أو ضم أو الحصول على حق سيادي على أي جزء من الأراضي الواقعة تحت احتلالها... وقد أوضحت هذا الحظر لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949."[4]
لقد أعلن، في السابق هذا الحظر نفسه، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حيث أيد في تشرين الثاني 1967 مبدأ "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي" عن طريق الحرب أو بالقوة، وهو موقف اتخذه مجلس الأمن مرارا ً وتكراراً في تسع مناسبات على الأقل، كان آخرها في كانون اول 2016. [5]
بادئ ذي بدء، يشكل القانون الدولي التدبير الوحيد الموثوق به والمقبول دوليا لقضايا الاحتلال والسيادة على الاراضي المحتلة. ومن المهم التأكيد على أنه عندما يحتل جيش أجنبي إقليما أجنبيا؛ يتم تعليق السيادة ولكن لا يتم إلغاؤها. وأشار لينك إلى أنه لا يمكن لأي ضم للأراضي المحتلة أن يصبح سليما وقانونيا وينبغي قياسه بالصكوك الرئيسية للقانون الإنساني الدولي، أي لوائح لاهاي لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام 1977.[6]
في البداية، تناول واضعو خطة "السلام من أجل الازدهار" مسألة السيادة بطريقة غريبة. حيث جاء في الخطة إن:
"السيادة مفهوم غير متبلور تطور مع مرور الوقت. ... والفكرة القائلة بأن السيادة مصطلح ثابت ومحدد باستمرار كانت حجر عثرة لا لزوم له في المفاوضات السابقة. والشواغل العملية والتنفيذية التي تؤثر على الأمن والرخاء هي الأهم." [7]
وفقا لهذا الرأي القانوني الملتوي والغريب، قرر واضعو الخطة أن السيادة الإسرائيلية يمكن أن تمنح بحرية للمحتل الإسرائيلي على اي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولذلك، أيدوا ضم إسرائيل لمنطقتين فلسطينيتين: القدس الشرقية وجميع المستوطنات الاستعمارية الصهيونية داخل الضفة الغربية.
منذ البداية، فكر المؤلفون الذين أكدوا أن خطتهم "تركز على الأمن"[8]، على أن "وادي الأردن، أمر بالغ الأهمية للأمن القومي لإسرائيل، سيكون تحت السيادة الإسرائيلية..."[9] حتى بعد إنشاء "الدولة" الفلسطينية المقترحة ووفقاً للخطة، ستظل إسرائيل تتحمل "المسؤولية الأمنية"[10] داخل أراضي هذه "الدولة".
عندما يتعلق الأمر بمسألة "الأمن"، ينبغي التأكيد على أن الجيش الإسرائيلي هو أحد أقوى الجيوش في العالم. ووفقا لمؤشر تصنيف القوة العسكرية لقوة النيران العالمية، "تأتي إسرائيل وراء القوى العسكرية القياسية للولايات المتحدة وروسيا والصين والهند والقوى الأوروبية ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا..."[11]
من الناحية التاريخية، فإن المبررات الصهيونية للاحتلال والنهب والعنف والقمع، قد دأب القادة الصهاينة على وصفها على أنها "حقوق تاريخية" و"احتياجات أمنية" ومكافحة "للإرهاب" الفلسطيني. وشكلت هذه العبارات الملطفة محاولات صهيونية لتمويه العلاقة الاستعمارية التي نشأت داخل فلسطين التاريخية.
بالتالي، فإن مصطلح "الأمن"، هو تعبير ملطف صهيوني كلاسيكي استخدمه السياسيون والمحللون العسكريون الصهاينة، طوال فترة الاستعمار. وكثيرا ما استخدم كعبارة شاملة، تهدف إلى التستر على عدد من الأعمال والسياسات والأنشطة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية وتبريرها مثل: المستوطنات الاستعمارية، ضم الأراضي، مصادرة الأراضي وموارد المياه التي يملكها الفلسطينيين، حصار قطاع غزة، تعذيب السجناء الفلسطينيين، القتل المستهدف للقادة الفلسطينيين، اقامة ما يسمى "بالجدار الأمني" (جدار الفصل العنصري)، اعتقال الأطفال الفلسطينيين، وسياسة إطلاق النار بهدف القتل.
ان جميع هذه التدابير الإسرائيلية والعديد من جرائم الحرب الأخرى نفذها الصهاينة لأسباب أمنية مشكوك فيها. وقد نفذتها الحكومات الصهيونية المتعاقبة داخل الأراضي الفلسطينية المستعمرة وبررتها بذرائع أمنية زائفة. وقد أدانت عدة قرارات للأمم المتحدة وقرارات دولية هذه الانتهاكات مراراً وتكراراً.
لذلك، لا تملك إسرائيل الصهيونية "احتياجات أمنية حيوية" داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الواقع، لديها مصالح استعمارية تتستر عليها وكأنها "احتياجات أمنية حيوية".
باختصار، الرئيس دونالد ترامب الذي داس على قرارات الأمم المتحدة السابقة وإعلاناتها ومعاهداتها ومبادئها، عيّن نفسه حكماً دولياً زائفاً، ومنح ما لا يملكه قانونيا، أي مرتفعات الجولان المستعمرة وأجزاء من الضفة الغربية المستعمرة، للمستعمرين الصهاينة الذين لا يملكون هذه الأراضي قانونيا.
لتبرير هذه السرقة الكبرى للأراضي الفلسطينية والتي تفتقر إلى أي سند قانوني للملكية، يطلق واضعو الخطة مفهوما يعتبر "السيادة مفهوما غير متبلور"، وهم بذلك يدمرون تماما وجود القانون الدولي المقبول دوليا.
بناء على ذلك، ينبغي أن نسأل: من الذي يقرر ما هو الادعاء القانوني السليم لمحتل على أرض محتلة؟ والجواب الملموس والسليم قانونيا هو القانون الدولي. ولذلك، فإن الادعاءات الصهيونية الامريكية لاغية ولا قيمة لها.
علاوة على ذلك، تم تأكيد هذا المبدأ في قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي اتخذ في تشرين الثاني 1967، والذي أيد مبدأ "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب أو بالقوة" وذلك في تسع مناسبات على الأقل، كان آخرها في كانون الأول 2016. [13]
بالاضافة لذلك، ذكر واضعو خطة "السلام من أجل الرخاء" أنه:
"منذ عام 1946، كان هناك ما يقارب 700 قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة وأكثر من 100 قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فيما يتعلق بهذا الصراع. ... هذه القرارات لم تجلب السلام..."[14]
لم يذكر المؤلفون أن القرارات المائة التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم تنفذ بسبب الفيتوهات الأمريكية العديدة التي قام بها الممثل الأمريكي في مجلس الأمن لصالح إسرائيل، وبسبب الدعم الأمريكي للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية التي انتهجتها مختلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة داخل الاراضي الفلسطينية المستعمرة.
(ج) "الدولة" الفلسطينية المقترحة
إن ما يسمى بـ "الدولة" الفلسطينية، التي تصورتها خطة ترامب، تبدو إلى حد كبير وكأنها مجموعة غريبة من الجيوب البرية المفككة. تكشف الخريطة المرفقة عن "الدولة" المقترحة على أنها تتألف من عدد لا يحصى من قطع الأراضي، المنتشرة داخل كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والتي تفتقر إلى أي تواصل إقليمي. وكما جاء في الخطة، سيتم ربط هذه الجيوب معا بـ "... شبكة مبتكرة من الطرق والجسور والأنفاق التي تمكن الفلسطينيين من حرية التنقل"[15]. وعلاوة على ذلك، تصادف أن هذه الأراضي هي الأراضي المكتظة بالسكان في المدن والبلدات والقرى، التي لا يمكن استعمارها، وبالتالي، فإن دعاة الضم الاستعماري الإسرائيلي لا يرغبون فيها.
بالإضافة إلى ذلك، تفتقر "الدولة" المقترحة إلى سيادة حقيقية وتحيط بها مجموعات من المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية. ولن يكون لها حدود برية مع الأردن أو مصر، وسيكون مجالها الجوي وشاطئها البحري ومخارجها ومداخلها تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية الدائمة. وعلاوة على ذلك، ستكون منزوعة السلاح تماما وبدون جيش ومسموح لها بامتلاك قوة شرطة محلية. [16]
بالاضافة لذلك، ستشمل "الدولة" المقترحة قيودا مفروضة تمنحها سيادة وهمية. فقد اظهرت الخطة انها:
"... تستتبع بالضرورة فرض قيود على بعض السلطات السيادية في المناطق الفلسطينية (يشار إليها من الآن فصاعداباسم "الدولة الفلسطينية") مثل الحفاظ على المسؤولية الأمنية الإسرائيلية والسيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي غرب نهر الأردن..."[17]
وصفت الخطة المهام المستقبلية الأخرى ذات الصلة للسلطات الصهيونية داخل "الدولة" الفلسطينية المقترحة بأنها "مسؤولية أمنية" و"تحديات أمنية".
كما توقعت الخطة، بانه سيكون لدى "الدولة الفلسطينية" المقترحة قوات أمن تشمل المهام التالية:
"... مهمة قوات أمن دولة فلسطين ستكون النظام العام، إنفاذ القانون، مكافحة الإرهاب ... أمن الحدود، حماية المسؤولين الحكوميين وكبار الشخصيات الأجنبية، والاستجابة للكوارث..."[18]
كما يبدو من الخطة، فإن الدعم الأمريكي لإقامة "دولة فلسطينية" سيكون مشروطاً ويأتي بعد أن يتبنى القادة الفلسطينيون "السلام" في ظل الشروط الصهيونية التالية:[19]
• الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية،
• رفض الإرهاب بجميع أشكاله،
• تنفيذ ترتيبات خاصة تلبي الاحتياجات الأمنية الحيوية لإسرائيل،
• بناء مؤسسات فعالة،
• اختيار حلول عملية.
باختصار، بعد التخلي عن الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة، يجب على القادة الفلسطينيين أن يتبنوا البرنامج السياسي الصهيوني الذي يقوم على تلبية مصالح إسرائيل الاستعمارية، والتي تخفيها بما يسمى "الاحتياجات الأمنية" الإسرائيلية. وفي مقابل هذا الاستسلام الكامل، سيتلقى الفلسطينيون "... أكثر من 50 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة على مدى عشر سنوات..."[20] ومقابل تعاونهم، ستحصل كل من الحكومات الأردنية واللبنانية والمصرية على ما مجموعه 22,857 مليار دولار[21]، على شكل منح وقروض[22]، ولكن في الغالب قروض مدعومة، تدفع على فترة عشر سنوات.
بانتوستانات جنوب أفريقية وصهيونستان اسرائيل
تجدر الإشارة إلى أن العلاقة السياسية - العسكرية والاقتصادية التي أقامتها إسرائيل، في السنوات الـ 53 الماضية، داخل المناطق الفلسطينية المستعمرة، يصفها أصحاب الخطة بأنها "بصمة أمنية". وهنا يتسائل المرء، ما هو نوع الجرأة التي عبر عنها المؤلفون عندما لخصوا 53 عاماً من الحكم الاستعماري الاستيطاني الوحشي الإسرائيلي بتسميته "ببصمة أمنية"؟ ربما ظنوا أنهم يستطيعون النجاح بسهولة في التغطية على واقع قبيح أدانته قرارات الأمم المتحدة، والأغلبية الساحقة من دول العالم وخبراء القانون الدولي؟
منذ نشوء السلطة الفلسطينية في العام 1994، وصفت المناطق التي يحكمها الفلسطينيون داخل المناطق الفلسطينية المستعمرة من الضفة الغربية وقطاع غزة، بمصطلحات مختلفة بأنها "مناطق الحكم الذاتي"، "الكانتونات الفلسطينية"، "النظام الاستعماري الداخلي"، و"البانتوستانات" الفلسطينية.
في الواقع ، هذه المصطلحات هي مصطلحات خاطئة وقاصرة، وتكشف عن عدم وجود مصطلح دقيق لوصف هذه الكيانات. ويمكن وصف هذه الكيانات على أفضل وجه بأنها "صهيونستانات". وبالتالي، يمكن تعريف الصهيونستان[23] على أنها: أرض خصصتها إسرائيل للسكان الفلسطينيين الأصليين ومنحتها استقلالا على مستوى الحكم البلدي مع ضمان تبعيتها السياسية والاقتصادية لإسرائيل. وقد تم تأسيس هذه الصهيونستانات تدريجياً في الفترة 1994-2020، ككيانات منفصلة عنصرياً في الضفة الغربية وفي السابق في قطاع غزة. وفي وقت لاحق وفي العام 2005، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي إريك شارون تفكيك المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية في قطاع غزة.
بالمقارنة بين هذه الكيانات، فإنها تشبه نظام الفصل العنصري الذي كان يطبق في جنوب أفريقيا حتى انهار في عام 1994.
"دولة" فلسطين المقترحة

المصدر: موظفو البيت الأبيض، "السلام من أجل الرخاء"، https://www.whitehouse.gov، تم استرجاعها في 10 شباط/فبراير 2020، الصفحة 46

من المهم التذكير بأن وصف الفصل العنصري قد أعطي لهذه الصهيونستانات من قبل اثنين من رؤساء الوزراء الإسرائيليين، إيهود أولمرت[24] وإيهود باراك[25]، ومن قبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري[26]. وكان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر جريئاً بما فيه الكفاية لاستخدامه عام 2006، كعنوان لكتابه "فلسطين: السلام أو الفصل العنصري". [27]
يبدو أن هؤلاء السياسيين الإسرائيليين والأمريكيين تمكنوا من التنبؤ بمصير الحقائق الاستعمارية الصهيونية على الأرض، وعرفوا على وجه اليقين أوجه التشابه الوثيق بين مشروع الصهيونستان الإسرائيلي ومشروع البانتوستانات في جنوب أفريقيا. وكان القصد من المقارنة التي رسموها هو توجيه تحذير للمستعمرين الصهاينة بأنهم بمجرد أن يبدأوا في تنفيذ مخططهم الاستعماري، سيطلقون العنان لعملية متسارعة لتدميره الحتمي.
تُظهر الخريطة التالية مواقع البانتوستانات العشر على طول حدود جنوب أفريقيا. وبالمقارنة مع خريطة ترامب "للدولة الفلسطيمنية"، يمكن للمرء أن يلاحظ بسهولة أوجه التشابه الوثيقة بين الخريطتين. ويتألف الصهيونستان وكيان البانتوستان من جيوب معزولة، تفتقر إلى التواصل الإقليمي، تكشف عن الفصل العنصري، ويظهر هذين الكيانين وكانهما مخلوقاً غريباً لا يستطيع البقاء على قيد الحياة أبداً.

المصدر: "االمعازل السوداء ("البانتوستانات") في جنوب أفريقيا ابان نظام الفصل العنصري، 1986"، http://upload.wikimedia.org، تم تنزيل هذه المعلومات في 13 شباط/فبراير 2020.


جربت جنوب أفريقيا هذا الحل الاستعماري، واستمر لمدة خمسة عشر عاما ولكن جنوب أفريقيا لم تتمكن من تسويق البانتوستانات ككيانات افريقية مستقلة. وبتاريخ ٢٧ نيسان ١٩٩٤، انهار نظام الفصل العنصري هذا. ونتيجة لذلك، أعيد دمج هذه البانتوستانات في المقاطعات التسع الجديدة في جنوب أفريقيا الديمقراطية. [28]
ملاحظات ختامية
نصب الرئيس الأمريكي المتغطرس دونالد ترامب نفسه كحكم عقاري دولي، ومنح ما تبقى من الوطن الفلسطيني للاستعمار الصهيوني، وبرر الضم الإسرائيلي غير القانوني للأراضي المستعمرة في كل من القدس الشرقية ومرتفعات الجولان.
لا يمكن لخطة ترامب "السلام من أجل الازدهار" أن تكون خطة سلام لأنها تقترح مجموعة من الافتراضات الاستعمارية المفصلة التي صممها واضعوها لتناسب المتطلبات الدقيقة الجارية في إسرائيل لمشروع الصهيونستان الاستعماري. في الواقع، يبدو الأمر أشبه بإملاء روماني قديم يهدف إلى تصفية خيار حل الدولتين للصراع الفلسطيني الصهيوني.
علاوة على ذلك، استخدمت خطة ترامب "السلام من اجل الازدهار" تأثير وجود المستوطنات الاستعمارية، من أجل فرض حل استعماري لمشكلة استعمارية. وينبغي تذكير واضعي "السلام من اجل الازدهار" بأن إسرائيل تستخدم حلا فشل تماما في جنوب أفريقيا الفصل العنصري ولا يمكن أن ينجح أبدا في فلسطين، لأن الحل الاستعماري لا يمكن أن يكون دائما ولا مستقرا لأنه يحتوي على عناصر داخلية ستؤدي الى زواله. وسيساعد على زواله المقاومة والنضال الفلسطيني لاصحاب الارض الاصليين الذين لم يتوقفوا عن النضال وثاروا ضد المشاريع الاستعمارية البريطانية، والذين لم يتوقفوا عن مقاومة المشروع الاستيطاني الصهيوني في اخر مئة سنة، وما زالوا يناضلون ضد مشاريع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في جميع ارجاء فلسطين.
وفي النهاية، "صفقة القرن" هي ليست "سلام من اجل الازدهار"، بل مشروعا استيطانيا، استعماريا، نهبويا، وزائلا. لن تستطيع الدولة الصهيونية والاستعمار الامريكي ان تفرضا خطتهما الاستعمارية على الشعب العربي الفلسطيني الذي يرفضها وسيقاومها بمساعدة الشعوب العربية وشعوب العالم الثالث واحرار العالم.

الهوامش

[1] White House Staff, “Peace to Prosperity”, https://www.whitehouse.gov, retrieved on 10 February 2020
[2] Diamond, Jeremy, “Trump peace plan author: ‘I haven’t found anything to criticize’ Israel over”, CNN, https://edition.cnn.com, 26 June, 2019
[3] Michael Lynk is an associate professor at the Faculty of Law, Western University, London, Ontario, Canada. In March 2016, the United Nations Human Rights Council appointed him as Special Rapporteur for the situation of human rights in the Palestinian Territory occupied since 1967 (ZS).
[4] Lynk, Michael, “Prolonged Occupation´-or-Illegal Occupant?”, https://www.israelpalestinelawsymposium.ca. Retrieved on: 13 February 2020.
[5] Ibid.
[6] Ibid.
[7] “Peace to Prosperity”, op. cit. p. 9
[8] Ibid. p. 4
[9] Ibid., p. 13
[10] Ibid., p.3
[11] Winston, Alex, “Israel drops a slot in 2019 Military Strength Ranking, still behind Iran”, https://www.jpost.com, 12 August, 2019.
[12] Lynk, Michael, op. cit.
[13] Ibid.
[14] “Peace to Prosperity”, op. cit., p. 5
[15] Ibid., p.7
[16] Ibid., p. 22
[17] Ibid., p. 3
[18] Ibid. p. 22
[19] Ibid., p.8
[20] Ibid., p. 19
[21] Ibid., p. 97
[22] Ibid., p. 98
[23] صهيونستان هو مصطلح قمت باشتقاقه ليصف الكيان الشبيه بالبنتوستان والذي قام المستوطنون الاستعماريون الصهاينة بتطويره داخل منطقة الضفة الغربية المستعمرة في الفترة 1994-2020.
[24] McCarthy, Rory, “Israel risks apartheid-like struggle if two-state solution fails, says Olmert”, https://www.theguardian.com, 30 November 2007.
[25] McCarthy, Rory, “Barak: make peace with Palestinians´-or-face apartheid”, https://www.theguardian.com, 3 February 2010.
[26] Beaumont, Peter, “Israel risks becoming apartheid state if peace talks fail, says John Kerry”, https://www.theguardian.com, 29 April 2014.
[27] Ibid.
[28] Ibid.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ...د. يحيى مكي: -تطعيم 80 بالمئة من السكان سيسمح بالقضاء عل


.. بريطانيا: تحذيرات من حجر -مخالطي- الصحة والأمن والمتاجر | #م


.. فاروشا.. رمز الانقسام القبرصي




.. الولايات المتحدة: حرائق غابات في مناطق على الساحل الغربي بسب


.. وزير الخارجية الأميركي: الشراكة مع العراق لها أبعاد عدة | #م