الحوار المتمدن - موبايل


من نحن؟ وماذا سنكون؟ وكيف نعيش؟ قراءة عابرة في كتاب الثورة الرابعة

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 3 / 14
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


من نحن؟ وماذا سنكون؟ وكيف نعيش؟ قراءة عابرة في كتاب الثورة الرابعة

إذا كان أبسط تعريف للعولمة هو (العالم بعد انكماش الزمان والمكان)، فإن الموكد أن الإعلام الجديد كان له الدور المحور في بلوغ هذا الانكماش، إذ أن التكنولوجيا الرقمية لم تِحدث فقط تحولاً في العالم، بل تمكنت من خلق عالمها المجازي أيضاً، فأقمار الإرسال التلفزيوني الصناعية اليوم مكنت الناس على طرفي الكوكب من التعرض بانتظام لطائفة واسعة من المحفزات الثقافية. فالمشاهدون الروس متعلقون بالتمثيليات التلفزيونية الأمريكية وقادة الشرق الأوسط، يعتبرون محطة الـ(سي إن إن) مصدراً رئيساً حتى للمعلومات والأفكار. فالموسيقى الأمريكية والأفلام الأمريكية والبرامج التلفزيونية أصبحت شديدة الهيمنة ورائجة جداً ومشاهدة جداً حتى إنها تتواجد في كل مكان على الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة. وهي تؤثر فعلياً في أنماط وحياة وتطلعات كل الأمم، وهكذا لم تعمل العولمة على خلق عالم موحد، فهي ليست مرادفاً للتعبير (عالم واحد)، بل هي تتجه أكثر فأكثر إلى خلق نظام متشابك لعوالم متصلة، أي مرتبطة فيما بينها. وبهذا المعنى ندرك أهمية ثورة الإعلام الجديد في الاتصالات والمعلومات وتجليها الأبرز “الإنترنت” الذي يفضي على المدى البعيد إلى توسيع أفق الإعلام الجديد والمعرفة الإنسانية وتحريرها وتبادلها وتعميق الروابط الثقافية بين البشر، ويسعى إلى تكوين المجتمع العالمي، أي شبكة التواصل الاجتماعي المعاصر. وقبل سنوات قليل لم يكن يعرف سكان المعمورة يعرفون عن بعضهم إلا النزر اليسير من الأسماء والصفات. فمن الذي كان يعرف أو يسمع عن احداث الصين أو أمريكا أو استراليا قبل خمسين عاما مضت؟ بينما هو خبر فيروس كورونا الذي ظهر قبل أسابيع في ولاية هان في الصين ينتشر انتشار النار بالهشيم! بل بات الفيروس ذات يهدد العالم كله. ألسنا بإزاء تحول ثوري دراماتيكي يطال كل شيء في العالم؟ أنها الثورة الرابعة كما وصفها المفكر الأيطالي الجنسية لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ورئيس مجلة الفلسفة والتكنولوجيا. أستهل مقدمته لكتاب الثورة الرابعة؛ كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني. الذي قال في مستهل الكتاب ما يلي: " نحن بحاجة الى فلسفة جديدة للمعلوماتية.. فلسفة تمكننا من فهم واستيعاب التحولات العميقة والواسعة النطاق التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة المعلوماتية ذاتها.. نحن في حاجة الى الفلسفة لنترقب ونوجه الأثر الأخلاقي لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات علينا وعلى بيئتنا. نحن بحاجة الى الفلسفة لبناء الإطار الفكري المناسب الذي يمكن أن يساعدنا على إدراك الدلالات والمعاني العقلية لمأزقنا الجديد، وباختصار، نحن في حاجة الى فلسفة المعلومات بوصفها فلسفة تخص عصرنا، من أجل عصرنا" الكتاب صادر بالعربية عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية سبتمبر 2017م ترجمة، لؤي عبدالمجيد السيد. جاء الكتاب في 315 صفحة من القطع المتوسط، في عشر فصول فضلا عن التمهيد والخاتمة بعنوان: مزيد من القراءة. ذات يوم وأنا أتفحص عناوين الكتب المطروحة على رصيف أحد شوارع المدينة للبحث عن كتاب صدمة المستقبل للفيلسوف التاريخ الأمريكي أولفين توفلر. لفت نظر هذا العنوان الجديد والمثير ( الثورة الرابعة) اشتريته بدون تردد. وتركته بقرطاسه الشفاف لبضعة أيام على أمل أن أجد الوقت المناسب والمريح لقراءته، إذ انتابني شعور بأن هذا الكتاب من الكتب الجديرة بالقراءة المتأملة. مرت الأيام قرابة ثلاثة أشهر اضطرت فيها الى تغيير مكان إقامتي ثلاث مرات، وكنت في كل مرة أتخلص من الكتب الثقيلة بإهداءها لبعض الأصدقاء، إذ إهديت 22 كتابا لمنتدى طلابي جامعي. وتركت بعض الكتب في حقيبة أودعتها عند صديقا لي. بينما كتاب الثورة الرابعة ظل في حقيبة سفري، على أمل أن أجد الفرصة المناسبة لقراءتها فوجدتها في مكان ما لا يبيح لي خيارات بديلة لتمضية الوقت إذ لم يكن لي غير البحث في حقيبتي لعلني أعثر فيها على ما يبدد سأمي الموحش، كان الكتاب هو خير صديقي يمكنن أستعين به. والثقافة هي حيلتنا الوحيدة في أزمنة المِحنة والضيق! ورب ضارة نافعة. فتحت الكتاب مكرها اخاك لا بطل! على مدى سبعة أيام وأنا أتحاور مع كتاب الثورة الرابعة. فكان لي معه تلك الحكاية. في البدء نزعت عنه قرطاسه الشفاف وتصفحته على السريع بدون رغبة بالقراءة. تركت ورجعت اليه مرة ومرات حتى تولدت عندي الحماسة الكافية لأخذه على محمل الجد. وما أن امضيت الساعة الأولى في قراءة التمهيد حتى تهئيت كليا لمتابعة القراءة. فماذا وجدت فيه يا ترى؟ في الواقع اشتمل على أدوات مفهومية فلسفية جديدة ومعقدة منها( التأريخ المُفرط، والإنفرسفير، والحياة المتصلة أونلأيف، والثورة الرابعة، والاحتكاك المعلوماتي، وتغليف العالم، وبينية التكنولوجيا..الخ) وأنا أتعمق في قراءة الكتاب تذكرت عبارة المنور الفرنسي جان جاك روسو( أننا بحاجة الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم) تلك هي وظيفة أم العلوم وملكة الدهشة.هكذا وجدت الكتاب بمثابة دهشة فلسفية من اللحظة الراهنة التي نعيشها كلنا دون أن نفهما. فمن نحن اليوم وماذا سنكون غدا؟ هذا السؤال الأنطولوجي هو سؤال الفلسفة في كل عصر جديد، حيث يتشكل الواقع الإنساني من جديد. الثورة الرابعة هي تفسير نوعي يأتي بعد ثلاث ثورات سابقة استُخدمت لفهم الذات، كما يقول الكاتب في تعريفه لها؛ إذ تتمثّل الثورة الأولى في محاولة كوبرنيكوس حين كنّا نفترض أننا مركز الكون ثم اكتشفنا أننا لسنا كذلك، مما أجبرنا على إعادة النظر إلى أنفسنا ومحاولة الإجابة من جديد على سؤال من نحن، ومن نحن بالنسبة إلى الكون. ثم جاءت محاولة داروين للإجابة على السؤال، تلتها ثورة فرويد في فهم الذات؛ حين اكتشفنا أن ما يحدث في عقولنا ووعينا أكثر بكثير مما كنا نظن، ثم ظهر مصطلح الثورة الرابعة وكان أول من تناوله آلان تيوينغ، والذي رأى أنه لا بد من إعادة النظر باستمرار في دورنا كقادرين على الفعل في المجتمع تبعاً للتغيرات التكنولوجية الكبرى من حولنا. يذهب فلوريدي في كتابه هذا إلى التفكير في أثر تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على عالمنا، ويصف آخر التطورات في هذا المجال، ومدى تأثيرها. ويجادل الكتاب بأن هذه التكنولوجيا أصبحت قوة بيئية تخلق واقعنا من جديد وتغيّر فيه باستمرار. وإن كان الكاتب يستكشف قوة حضور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات بشكل أساسي في التعليم والبحث العلمي والتفاعل الاجتماعي وصولاً إلى الحرب، فإن سؤال الكتاب الفلسفي والمتضمن في كل فصل فيه هو سؤال حول من نحن اليوم؟ وما دورنا في هذا التحوّل الكبير؟ يرى المؤلف أن هذا الانفجار التكنولوجي يغيّر إجاباتنا عن أسئلة إنسانية جوهرية. وكما غيرت الثورة الأولى الباراديم الكلي عن معنى الكون والإنسان غيرت الثورة الرابعة فكرتنا عن أنفسنا باننا محور الكون والكائنات الأكثر ذكاء وبكل بساطة افترضنا أننا مركز «الانفوسفير» أيضا ولا أحد ينافسنا فيه، ولكن وبكل بساطة تم تقويض هذه الفكرة بتصميم آلات مستقلة ذاتيا أكثر ذكاء منا في معالجة المعلومات بصورة منطقية. لم نعد فعليا سادة «الانفوسفير»، فأجهزتنا الرقمية، تنفذ أوامر بالتفكير الذكي والتحليل عوضا عنا وأفضل منا بالتأكيد. ولسنا أيضا عناصر «نيوتونية» مستقلة وفريدة من نوعها، بل كائنات حيّة معلوماتية «إنفورغز» متصلة بعضها ببعض، وجزء لا يتجزأ من بيئة معلوماتية «الإنفوسفير». مستخدم متفاعل في «الإنفوسفير» نصبح مجرد مستخدم متفاعل أو غير متفاعل، ويتآكل شعورنا بالهوية الشخصية كما يرى المؤلف، ونعرض أنفسنا للخطر عندما نتصرف على أننا كيانات مجهولة مثل مليارات الأشخاص على الانترنت، ونبدأ بتصور بعضنا على أننا حزم من أصناف من الجنسانية إلى الدين، والدور الأسري والوظيفي والتعليم والطبقة الاجتماعية أيضا. كلنا مجرد مستخدمين في عالم الانفوسفير نعتمد على المؤشرات وتفضيلات الآخرين وترشيحات المواقع ونجوم التقييم لا على المصادر الواقعية. ولكن ليس بالضرورة أن يكون هناك ما هو غير أخلاقي فيما يحدث، ولكن يرى المؤلف ضرورة أن نفهم ذواتنا وكيفية تأثير هذه التكنولوجيا في هوياتنا. الهوية والذات من نحن وماذا سنصبح ومن الذي يمكن أن نكونه عندما يتزايد ما نقضيه من وقتنا في الإنفوسفير؟. لقد اصبحنا المؤلفين لرواياتنا الذاتية وتجربة حياة الانسان مسألة تجربة حياة متصلة دائما (أون لايف). هناك العديد من المناهج التي ناقشت تحديد طبيعة الذات منها منهج جون لوك، الذي طبقا لنهجه تقوم هويتك على وحدة وعيك واستمرارية ذكرياتك، أو النهج الأكثر حداثة المعروف باسم النظرية السردية حول الذات، وكلا المنهجين يقدم تفسيرا معلوماتيا للذات. ولكن تكنولوجيا المعلومات والاتصال قادرة على النفاذ للذات عن طريق اعتبار الذات بوصفها تطبيقا لتكنولوجيا. وتضخم هذه التكنولوجيا التمييز بين وجود الذات وموضعها، وفكرة القدم مقابل الهرم، وعدم التزامن بين الذات وموضعها على النت، بحيث ممكن ألا يصبح الفرد هرما، لكنه يصبح قديما في معلوماته أو صورته، أو يهرم واقعيا ولكن المعلومات والصورة تصبح قديمة فقط. إضافة إلى أن النسيان غير ممكن في عالم الانفوسفير، فالذكريات التي نراكمها ثم نخرجها تضع قيدا على إعادة تعريف أنفسنا، لأن النسيان جزء من عملية بناء الذات. حرب المعلومات المشكلة الأخلاقية للخصوصية المعلوماتية واحدة من أخطر قضايا عصر الأنفوسفير الذي نعيش فيه. يقسم المؤلف مراحل التاريخ الإنساني الى ثلاث أساسية مرحلة ماقبل التاريخ ومرحلة التاريخ ومرحلة التاريخ المُرط. (الثورة الزراعية احتاجت ما يقرب من 6000 سنة لإحداث كامل تأثيرها، منذ بدايتها في العصر الحجري الحديث حتى العصر البرونزي، ثم 6000 سنة أخرى، منذ العصر البرونزي حتى نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، حتى تؤتي ثورة المعلومات ثمارها الأولى). ويتحدث عن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا بوصفها أهم عوامل التغيير في العالم. وهذا يذكرني بكتاب لويس مموفر أسطورة الآلة قراءته منذ سنوات. الكتاب يبشر بضرورة صياغة فلسفة جديدة للثورة المعلوماتية التي أخذت تشكل حياة المجتمع البشري في فضاء إنفوسفوي على نحو بالغ السرعة والشدة والاضطراد. فأين نحن مما يحدث في عالمنا وأين موقعنا من الثورة الرابعة. ومازلت مع الكتاب الجدير بالقراءة عدة مرات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - التكنلوجيا والثقافة - القوة الدافعة للتطور
منير كريم ( 2020 / 3 / 14 - 10:07 )
تحية للكاتب المحترم
العلوم والتكنلوجيا فقط لاتؤدي الى التطور والتقدم نحو الحرية والعدالة والا لما ظهرت الردات التاريخية كالشيوعية والفاشية والنازية والعنصرية والاسلام السياسي
دور العلوم والتكنلوجبا في التطور الاجتماعي والتاريخي يتجسد من خلال الثقافة والمثقفين
المؤلفات كالموجة الثالثة والثورة الرابعة تهمل العامل الثقافي وتصور الانسان كروبوت
شكرا
شكرا للحوار المتمدن

اخر الافلام

.. طهران تتهم تل أبيب بالوقوف وراء الهجوم ضد موقع نطنز لتخصيب ا


.. خريف العشاق وعلى صفيح ساخن.. الماضي يصنع الحدث بمسلسلات سوري


.. مشاهد مسلسل #كوفيد25 و #يوسف_الشريف تتصدر التريند | #منصات




.. إطلاق حملة -100 مليون وجبة- في شهر #رمضان من #الإمارات | #من


.. اتجاه عالمي للحد من الانبعاثات ودعم قضايا تغير المناخ