الحوار المتمدن - موبايل


مأزق غانتس بين أيمن عودة وأفيغدور ليبرمان

ناجح شاهين

2020 / 3 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


كدنا نقول إن نتانياهو في طريقه إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية عندما "فاجأنا" نواب القائمة المشتركة بقيادة أيمن عودة ونواب إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان وما تبقى من أحزاب اليسار "العمل وميرتس وغيشر" بالتوصية بأن يشكل غانتس الحكومة. إذن تجمع لدى غانتس 61 صوتاً. فهل يوجه ذلك الضربة القاضية لنتانياهو؟
فاز الليكود في الانتخابات الأخيرة فوزاً باهتاً بأعلى عدد من الأصوات. وبدأ "بيبي" يعاني من المشاكل فور إعلان النتائج. ولكن الرجل لا يفتقر ابداً إلى الحظ. هل تتذكرون سنة 1996 عندما بدا أن شمعون بيرس الثعلب المشهور سيفوز بسهولة في أجواء اغتيال "البطل" رابين؟ استطاع نتانياهو أن يفاجئ أجهزة الإحصاء كلها ويفوز مستفيداً من محاولة بيرس الخاطئة في عناقيد الغضب لإثبان أنه رجل قوي مثل رجال اليمين، فقصف جنوب لبنان بلا شفقة ليقتل المدنيين على نطاق واسع لا مسوغ له.
لسوء حظ بيرس نجحت القاعدة السياسية التي تقول إذا كان الخيار المطروح هو النسخة أو الأصل، فلماذا لا نختار الأصل. وهكذا اختار الناس اليمين الأصلي ممثلاً بنتانياهو الذي كان سياسياً صغيراً في ذلك الوقت مقارنة بعملاق السياسة المخضرم بيرس.
منذ ذلك الوقت نجح نتانياهو طوال الوقت تقريباً إما بدهائه، وإما بمحاسن الصدف، وإما بمزيج منهما. اليوم بعد الانتخابات الأخيرة التي حقق فيها نتائج أفضل قليلاً من سابقتها عليه أن يصارع من أجل تأسيس الحكومة. بدا أنه سيفرض على معارضيه أن يتعاونوا معه وأن يتخلوا عن شعاراتهم التي تتصل برفض التعاون مع سياسي فاسد يواجه المحاكمة.
وبعد أن كان من المفترض أن تبدأ محاكمته (في 17 آذار)، جاء غيث الكورونا الطيب ليؤجل الأمر برمته حتى أواخر أيار المقبل. وقد كان نتانياهو نفسه قد استبق كل شيء يوم الخميس 12 آذار عندما خاطب الجموع كما ينبغي لسياسي ميكافيلي ماهر: اليوم ونحن نواجه خطر كورونا المحدق، علينا أن نشكل حكومة وحدة وطنية بدون تردد لأن ذلك هو ما سيضمن حماية عشرات الآلاف من أرواح الإسرائيليين.
بالطبع بدا أن من سيرفض العرض وكأنه يستهتر بأرواح بني إسرائيل المقدسة، ودمائهم المختارة النادرة. لذلك لم يكن أمام غانتس من سبيل إلا أن يعلن عن استعداده للتحاور مع الليكود بغرض تشكيل الحكومة التي ستكون مهمتها المحددة كما أعلن الملك محاربة كورونا.
لجأ نتانياهو كما يعرف أي مبتدئ في المنطق والسياسة إلى أغلوطة اللجوء إلى الخوف والذعر الشعبي التي يستخدمها الساسة عندما يصطدم الناس بتعقيدات الأخطار الغامضة. في هذا السياق حرص نتانياهو على أن يبدي فروسيته للعيان: أخبرت الرئيس ريفلين بأنني عرضت على غانتس أن نضع السياسة جانباً لكي نواجه صفاً واحداً الخطر الذي يحدق بإسرائيل.
لكن ماذا يفعل غانتس؟ هل سيكون خائناً لحياة الإسرائيليين؟ بالطبع لا. لذلك أعلن الرجل بدوره أنه وحزبه لا يمكن أن يتخليا عن مسؤولية الكفاح المشترك ضد العدو الذي يتهدد شعب الله المختار. وهو لذلك مستعد بالطبع للتعاون مع نتانياهو. لكن في سياق ذلك كان غانتس يقوم باتصالاته مع المشتركة التي غازلها أكثر من مرة في الأيام الأخيرة. كذلك تم استقطاب ليبرمان. وهكذا تأمنت الأغلبية الدنيا من أجل التوصية بأن يشكل غانتس الحكومة الجديدة.
ترى ما هي حظوظ غانتس هذه المرة؟
نجح نتانياهو اثناء الحملة الانتخابية الأخيرة في دفع غانتس إلى تبني الشعارات السياسية "الملكية" ذاتها، وهو ما ملأ حزبه بالعناصر "المتطرفة". اليوم يبدو أن غانتس يسدد الحساب الغالي: لا مجال لتشكيل أية حكومة بأي شكل من التحالف مع العرب. وهكذا قضي الأمر من داخل كحول لفان ذاته دون أن يحتاج نتانياهو إلى أن يلعب أي من أوراقه. لقد أوصى أيمن عودة الرئيس ريفلين توصية ضد نتانياهو دون أن تكون ضرورة في صف غانتس. وهكذا فإن التوصية ذاتها "مشبوهة" في عرف السياسة الصهيونية المتطرفة: إن هناك نجساً واضحاً يلوث مشروع حكومة يمكن ان تتأسس تحت رحمة العرب الذين يشكلون طابوراً خامساً مهما أقسموا يمين الولاء لإسرائيل.
لكن العرب اقتربوا كثيراً من دهاليز الحكم في سياق الانغلاق السياسي الذي يميز التمثيل النسبي في إسرائيل. بعض العرب يرى في ذلك خيراً عميماً وتجسيداً ل"النصر" غير المسبوق المتحقق في الانتخابات الأخيرة. لكن هناك من يستخف بهذا المكسب السياسي ويرى فيه توظيفاً للعرب في تحسين صورة إسرائيل "اليهودية" البشعة والقائمة على التمييز ضدهم على نحو مبدئي وصارم. ما الذي سيفعله العرب في حكومة غانتس التي تتبنى المقولات الليكودية ذاتها فيما يتصل بصفقة القرن؟
إذا كان أيمن عودة قد أوصى بأن يشكل غانتس الحكومة فإن ذلك لا يعني أنه سيصبح وزير الخارجية بعد أسبوعين. علينا أن نتذكر أن ليبرمان "شريكه" في التوصية لا يتفق معه في أي شيء إلا كراهية نتانياهو. لكن من البين بذاته أن هذه الكراهية هي كراهية تنافسية أساساً: ربما يتوهم ليبرمان أنه الرجل المؤهل لقيادة اليمين كله عوضاً عن نتانياهو الذي يبدو في عيونه ضعيفاً ومترنحاً. بالطبع يظل بيبي هو الشقيق الشقي لليبرمان، بينما يظل عودة والعرب جميعاً عنواناً صريحاً للعدو الذي لا بد من طرده في أقرب فرصة ليس من دوائر السياسة وإنما من البلاد كلها.
إذن هناك توصية غرائبية بتكليف غانتس تستند إلى قوى متناقضة لا يربط بينها رابط إلا العداء لنتانياهو والرغبة في إنهاء ملكه المستمر منذ ربع قرن. ليس من الواضح أبداً كيف سينجح الرجل في تكليف الحكومة وهو يترأس "كحول/لفان" أشبه بتجمع أو تحالف فضفاض أكثر من كونه حزباً. ثم هناك استناده المهتز تماماً إلى النقيضين ليبرمان وعودة، وأخيراً اعتماده على أصوات "اليسار" الذي لا يتوافق معه في الكثير من المواقف.
بالطبع يدرك هؤلاء جميعاً بمن فيهم القائمة العربية المشتركة أنهم لا يزيدون في الوقت الراهن عن أوراق يستخدمها اليمين الصهيوني بلونيه المتشابهين الليكود وكحول لفان من أجل تحسين فرص كل منهما في تشكيل الحكومة. يلعب غانتس لعبة التظاهر بأنه أقل سوءاً من نتانياهو، ولذلك دعا في وقت سابق إلى دخول القائمة في حكومة الوحدة الوطنية على الرغم من أنه يعلم أن ذلك لا قيمة له من أية ناحية. لكنه بالطبع يستخدم ذلك لكي يثير في هذه اللحظة "العاطفية" (مواجهة اخطار كورونا) فكرة عنصرية الليكود. وهذا الأمر ذاته ما يردده أيمن عودة صباحاً ومساء. أما نتانياهو الذي لا تنقصه الدراية أو الدهاء فيردد ب "مبدئية" شعبوية لافتة أن استغلال المأساة البشرية مع كورونا من أجل إدخال أنصار الإرهاب في نطاق الشرعية الحكومية هو أمر مرفوض من حيث المبدأ. وعلى الرغم من تبني أيمن عودة خطاب التمييز العنصري والحقوقي في مواجهة نتانياهو بشكل ذكي بدرجة أو بأخرى، إلا أن ذلك الخطاب كان قد استخدم سنوات طويلة بدون تحقيق أي نجاح يذكر.
في هذه اللحظات ستذهب سكرة التكليف وتأتي "فكرة" التأليف ليكتشف غانتس أنه لا يمتلك فعلياً أكثر من 33 مقعداً، وأن مطالب إسرائيل بيتنا قد تكون السلب الكامل لمطالب القائمة المشتركة، مما يجعل تشكيل الحكومة مهمة أقرب إلى تربيع الدائرة. وهذا ما سيعيد الكرة الى ملعب نتانياهو. لكن لو افترضنا أن نتانياهو يمكن أن يذهب باتجاه التراجع عن العرش وإعطاء فرصة لوجه آخر من الليكود ليشكل الحكومة، فإن حلف غانتس المليء بالشقوق والثقوب سينهار فوراً، ولا جرم أن ليبرمان لن يتأخر في فرط عقده عن آخره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجمهورية التشيكية تطرد 18 دبلوماسيا روسيا تتهمهم بالتجسس وا


.. أطباء المعارض الروسي نافالني يخشون من إصابته بسكتة قلبية -في


.. موسكو تطرد القنصل الأوكراني في سان بطرسبورغ روسيا




.. المغرب.. الإغلاق الليلي يٌغيب عادات وتقاليد رمضانية


.. الرئيس الفرنسي: يجب وضع خطوط حمراء للتعامل مع الرئيس الروسي