الحوار المتمدن - موبايل


العولمة وكورونا من وجهتي نظر أمريكية وصينية

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 3 / 24
ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات


وأنا اقرأ الاستطلاع الذي اجرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية أمس في محاولة لاستشراف المستقبل في مقال موسع بعنوان "كيف سيبدو العالم بعد وباء فيروس كورونا "رد فيه 12 من كبار القادة والمفكرين من مختلف أنحاء العالم على هذه السؤال وكان أبرز هذه الملامح كما لخصتها المجلة بالآتي:
- فشل الولايات المتحدة والغرب بشكل عام في قيادة العالم وتحول الدفة إلى الصين ودول جنوب شرق آسيا .
- النظام العالمي وتوازن القوى سيتغيران بشكل كبير
- انتهاء نظام العولمة الاقتصادية والاعتماد المتبادل والبحث عن سلاسل توريد محلية.
- نسف القواعد الحالية لعمليات التصنيع والانتاج العالمية.
- فشل المؤسسات الدولية في القيام بدورها الذي كان متوقعها في التحذير والتنسيق للحد من الأزمة .
- توقع تفكك الاتحاد الاوروبي بعد فشله في مواجهة الأزمة على مستوى أعضائه.
-مزيد من الانكفاء على الداخل وتراجع القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك
-تقوية مفهوم الحكومة المركزية وتعزيز قبضة الحكومات دون معارضة.
-قوة الروح الإنسانية ونجاحها في مواجهة الخطر
- المنتصر في الحرب ضد الكورونا هو الذي سيكتب التاريخ ويحدد المستقبل بشكل كبير.
-سيكون العالم أقل انفتاحا ، أقل حرية ، أكثر فقرًا. تذكرت هذه الدراسة التي أعددتها قبل عقدين من الزمن وقدمت فيها ندوة في مركز الدراسات الاستراتيجية في كلية الآداب بجامعة عدن حينما كان يديره الصديق الدكتور صالح طاهر سعيد. وقد كتبت قبل ثلاثة أيام منشورا في صفحتي بعنوان : (الصين والأزمة والعالم) اشرت فيها إلى أن الفلسفة الصينية تقوم على أساس أولوية المجتمع على الأفراد، وتقديس النظام العام والالتزام الصارم بالتعاليم العامة والإحساس العالي بالمسؤولية المجتمعية، واعتماد العلم الوضعي والتكنولوجيا اداة ووسيلة أساسية في في التنمية المستدامة وعلاج الأزمات، وعدم الإيمان بالخرافات والأساطير السحرية. تلك التقاليد الراسخة في الثقافة الصينية هي التي مكنتها من السيطرة على وباء فيروس كورونا بكفاءة وجودة عالية وفي مدة قياسية . وهي ذاتها التي جعلت الدول الغربية ليبرالية الثقافة في حيص بيص من أمرها! أما المجتمعات التي لم تترسخ فيها ثقافة النظام والالتزام والإحساس بالمسؤولية أو التي لا تعرف قيم الدول المركزية فوضعها خارج كل تصور وقياس ونسأل الله السلامة. هذا لا يعني بالضرورة أننا نميل لنموذج الاشتراكية الصينية. ورب ضارة نافعة. والليلة تذكرت دراستي عن القديمة عن العولمة مقاربة أولية للفهم إليكم مقتطف منها: وسنبدأ بما يراه الفكر الأمريكي أولا : إذ كتب (دايفد روثكويف) استاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا الأمريكية قائلا: "يتعالى صرير بوابات العالم وهي تتجه للإنغلاق . ومن الشرفات الرخامية وعبر موجات الأثير يندد الديماجوجيون بالمخاطر الجديدة التي تحيق بالثقافات القديمة والقيم التقليدية فالأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت ، وطائرات الجامبو تنقل العدوى والأجنبي أصبح في عيون الكثيرين مرادفاً للخطر "تفصح بنية هذا البيان عن وجهة نظر مدافعة عن خيار العولمة ومحاولة للدفاع عن حتميتها أمام ما اسماه " بالديماجوجيون " غير أن الكاتب ومن موقعه الأيديولوجي يكشف من حيث لا يدري عن المخاطر التي تهدد الثقافات التقليدية المحلية إذ إن التكنولوجيا لا تحدث فقط تحولاً في العالم ، بل أنها تخلق عالمها المجازي أيضاً وتمكن أقمار الإرسال التلفزيوني الصناعية اليوم الناس على طرفي الكوكب من التعرض بانتظام لطائفة واسعة من المحفزات الثقافية فالمشاهدون الروس متعلقون بالتمثيليات التلفزيونية الأمريكية وقادة الشرق الأوسط يعتبرونه محطة ال (سي أن أن) مصدراً رئيسياً حتى للمعلومات و الأفكار . فالموسيقى الأمريكية والأفلام الأمريكية والبرامج التلفزيونية أصبحت شديد الهيمنة ورائجة جداً ومشاهدة جداً حتى إنها توجد في كل مكان على الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة ، وهي تؤثر فعلياً في أنماط وحياة وتطلعات كل الأمم وتشير الإحصاءات أن نصيب أمريكا من السوق العالمية من برامج الكمبيوتر سابق التجهيز (1994) 60% ومن الموسيقى سابقة التسجيل 75% ومن سوق الكتب العالمية في 1995-35% وهذا هو ما جعل فرنسا وكندا تصدران قوانين تحظر نشر ونقل المواد الأمريكية إلى بلديهما. ويسخر الداعي الأمريكي دافيد روثكويف من فرنسا وكندا قائلا: "إن هذه الحكومات هي سليلة الملك " كاتوت " الملك سيء الصيت الذي أقام عرشه على شاطىء البحر وأمر الأمواج أن تعود القهقري "وتعود أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي – كما يقول – في جانب منها أن المجتمعات المغلقة لا يمكنها أن تنافس في عصر المعلومات وسيكون مصير هذه البلدان هو الاسوأ. إن نبرة دايفد المتجحة لا تخلو من الإنفعال العاطفي بالفرح المنتصر ، فهو هنا يصور العولمة كأسطورة طبيعية يستحيل ردها ، كما يستحيل رد أمواج البحر من التدفق باتجاه الشاطئ إن مادح الامبريالية هذا لا يخفي تعصبه الأيديولوجي بقوله [ إن الفرصة سانحة أمامنا نحن الأمريكيين ) فالولايات المتحدة في مركز يسمح لها ليس فقط بالقيادة في القرن الحادي والعشرين بوصفها القوة المهيمنة في عصر المعلومات – بل – أيضاً بالقيام بذلك من خلال تحطيم العوائق التي تقسم الأمم والجماعات داخل كل أمة وبناء روابط قادرة على خلق مستودع دائم الاتساع من المصالح المشتركة بين مجتمع عالمي من الشعوب يتزايد حجمه باستمرار. ويحذر روتكويف في الختام الأمريكيين بعدم الانجراف مع ردود الأفعال السلبية إزاء العولمة لأن هذا سيؤدي إلى تقويض قوة أمريكا على تعزيز مصالحها الذاتية. في هذا السياق الداجمائي يمكن فهم كتاب " نهاية التاريخ والإنسان القديم " لفرنسيس فوكو ياما وكتاب " صِدامْ الحضارات " صمويل هنتجتون " وسنكتفي بهذا الصدد بعرض أربع أطروحات حول عولمة أمريكا بقلم الأمريكي ميشيل كلوخ : حاول فيها الباحث تهدئة روع أولئك الصارخين فزعاً من خطر العولمة ، حيث يرى في أطروحته الأولى " العولمة لا توحد العالم " لم تعمل العولمة على خلق عالم موحد فهي ليست مرادفاً للتعبير ( عالم واحد ) بل هي تتجه أكثر فأكثر إلى خلق نظام متشابك لعوالم متصلة أي مرتبطة فيما بينها ومن الوجهة ألمريكية ، تتيح العولمة مزايا هائلة لكن الأمريكيين يخشون فقدان هويتهم ومكانتهم كقوة كبرى ونحن بعيدون عن أمركة العالم التي يستنكرها الآسيويون الأوربيون وأضاف عولمتنا على نقيض عولمتكم و أمريكا هي البلد الأكثر انفتاحاً بين القوميات فكل بلد في العالم – تقريباً – له راس جسر بها " أي بامريكا " تكون عبر الزمن بفضل هجرة قسم لا يستهان به من مواطنيه إلى " الأرض الموعودة " الأمريكية وفي الحديث المشترك للأمريكيين تمثل مدينة " واشنطن " أكبر مدينة إيرانية خارج إيران.كما أن الحضور الأمريكي على الصعيد العالمي يعد مظهر آخر فمن المؤكد إن العولمة عملت على انتشار وانغراس الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم بالفعل " ففي بلدان كثيرة تتوقف مصطلح العولمة مع معنى الأمركة . هذان المظهران المتناقضان يخلقان مسافة بين تحديد العولمة في أمريكا وخارجها بالنسبة للأمريكيين تعد العولمة شيئاً ماثلاً لديهم على حين انه بالنسبة للآخرين يتم النظر إلى العولمة على إنها قادمة لهم من امريكا . هذا الطرح يبطل إلى حد كبير محاولة النظر إلى العولمة باعتبارها مؤامرة أمريكية على الشعوب الأخرى ، فكما هو واضح إن العولمة هي إفراز جملة من العوامل والشروط الثقافية والاجتماعية والتكنلوجية والاقتصادية التي تطورت على نحو تاريخي طبيعي .ولهذا نلاحظ أن ميشيل كلوخ يذهب في إطروحته الثالثة إن الأمريكيين لا يعرفون جيداً ماذا كانت العولمة شيئاً من الصحة فربما تقضي العولمة على المدى الطويل إلى التأثير السلبي على أمريكا كما ينقلب السحر على الساحر .أما الأطروحة الرابعة ( الأخيرة ) فهي ترى ان امريكا لن تكون القوة العظمى للعولمة ( هذا معناه إن ثمة قوى جديدة سوف تظهر ، وهي قد ظهرت بالفعل وسوف يكون لها دورُ حاسم على صعيد تشكيل وجه العالم الجديد ومصالحه وقواه فكلما تقدمت العولمة للأمام صارت اقل تأمركاً.هذا ما سوف نلاحظه عندما نقرأ آراء الصين واليابان والشعوب الأخرى بشأن العولمة وتحدياتها. من المؤكد أن الحقيقة لا تظهر إلاَّ من خلال الاختلاف وحقيقة العولمة لا يمكن لنا فهمها بمعزل عن الآراء التي ترفضها فإذا كنا قد وقفنا فيما سبق عند بعض الآراء الأمريكية التي تفسر العولمة من زاوية نظر إيجابية متفائلة فلا بد لنا أن ننظر إلى الوجه الآخر للعولمة ، أي إلى الوجه المضاد لها كما عبر عنه بجلاء بعض من مفكري الصين و اليابان وروسيا ، وأفريقيا والشرق الأوسط وغيرهم. واليكم كلمة الصين في العولمة. إذ يرى الكاتب الصيني (لاوسي) على خلاف سابقيه الأمريكيين : "بالنسبة لنا نحن الصينيين فالظاهرة التي يسميها الغربيون (بالعولمة) أو (الكونية) لا تعني شيء غير الأهمية المتنامية لآسيا في التجارة العالمية وبالمحصلة تؤكد وضعها المركزي في العلاقات الدولية .فنحن نشهد اليوم عودة لآسيا ، وللصين بصفة خاصة وبنظرة عامة نجد أن تنمية الاقتصادات الآسيوية أقوى من حالة التقدم الدولي على الرغم من بعض التراجع في عام (1996) فإن المعدل السنوي لنمو الأقليم الآسيوي هو 7.4 بالمئة أي أكثر من ضعف معدل نمو المتوسط العالمي الذي يدور حول نسبة 2,7 في المئة . ومن هنا يتوقع أن الدول الآسيوية مجتمعة تتجاوز أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية معاً في السنوات العشرين القادمة بهذه اللغة الحازمة الصارمة يستهل لاوسي مقالة المعنون (نعم للعولمة …. لا للغربنة) والمنشور في المجلة الثقافية العالمية، ثم ما لبث أن شن هجوماً عنيفاً على الطريقة التي تمثل بها الولايات المتحدة الأمريكية العالم حيث قال: " أن تمثيلنا للعالم مختلف جوهرياً عن النظرة الأمريكية ، ويبدو لنا أن أمريكا تنظر للعالم كمجموعة من السيادات المهذبة ، يفصلها البحر أو الجبال التي يصعب عبورها بسيادة مهذبة كسيادتهم … أما نحن الصينيون على العكس الأمريكيون ، نعتقد أن العالم سهل كبير تحارب أمريكا لفرض تفوقها عليهِ ، وهي في فرضها لهذا التفوق تسعى لسلب الآخرين منه ، ويشير إلى طبيعة تلك الاختلافات الجوهرية بين الثقافة الصينية وبين الثقافة الأمريكية و فيما يخص الدولة والفرد والمجتمع والحرية والعدالة ففي حين أنه في الفكر الغربي تعمل الدولة على حماية حقوق الفرد في الحياة والحرية والملكية ، فبالنسبة لنا نحن أحفاد كونفوشيوس يبدو مفهوماً كهذا مدعاه للدهشة ناهيك عن كونه غير قابل للإدراك .والفرد في الصين يعد دائماً جزا من مجموع ، وتعد المصلحة الفردية تابعة للمصلحة الاجتماعية. واضح أن (لاوسي) لا يعبر عن وجهة نظر مجردة ، بل يكشف عن حقيقة فرق قائم بالفعل ، وحينما تتحدث الصين ينبغي للعالم أن ينصت ، وينبغي على أمريكا بالذات أن ترهف السمع ، فالصين لا ترى في العولمة هيمنة النمط الأمريكي ، بل ترى فيها تعزيز قوة الصين وآسيا على الصعيد العالمي ، هنا تدخل العولمة محك المواجهة الحقيقية وتواجه عثرات يستحيل تجاوزها أبداً في المستقبل القريب .وفي خاتمة خطابه يؤكد (لاوسي) لو أن العولمة لها مضمون (جيوبوليتكي) كوني فأن عليها أن تقوم بالضبط على ما يأتي( فتح الصين على العالم ، والعالم على الصين ، وأي شيء خلاف ذلك سنكون مضطرين للتعامل معه كنبرة دعائية فجه ، تختفي خلفها رغبة الغرب في إخضاع بقية الكوكب.كما ينبغي على الأمريكيين أن يدافعوا على المصالح التجارية بشكل صريح بدلاً من الأختباء وراء ستار من الدخان الأخلاقي المستعار في حديثهم عن الديمقراطية ، وحقوق الإنسان "

ختاما: أود ان أذكر هنا أن مجمل هذه الآراء التي أوردتها هنا جاءت في معظمها بملف العدد85 من الثقافة العلمية الصادرة في الكويت ، تحت عنوان العولمة وصدام الحضارات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفد ليبي رفيع المستوى برئاسة عبد الحميد دبيبة يقوم بزيارة إل


.. لافروف: الاتحاد الافريقي يجب أن يحل أزمة سد النهضة


.. احتجاجات بمينيابوليس بعد قتل الشرطة لشاب من أصل إفريقي




.. سد النهضة.. مواقف الأطراف الفاعلة


.. الخارجية الأميركية: مفاوضات سد النهضة هي السبيل الوحيد لحل ا