الحوار المتمدن - موبايل


الحرب الإمبريالية على العراق والمنطقة العربية

غياث نعيسة

2003 / 4 / 14
الارهاب, الحرب والسلام


                           
تدخل الحرب الإمبريالية على العراق ، مع وصول جحافل القوات الأمريكية الغازية إلي داخل بغداد (عند كتابة هذه المقالة) وفرار رموز النظام الدكتاتوري وانهياره الذي لاحسرة عليه لدينا اطلاقاَ، مرحلة جديدة وخطرة. تتميز بانهيار خرافة أنها "حرب تحرير ليست موجهة ضد الشعب العراقي" التي روجت لها وسائل الإعلام العالمية نقلاَ عن تصريحات المسؤولين الأمريكيين وحلفائهم. انهارت من خلال الوحشية العارمة التي تقصف بها القوات الامريكية – الانجليزية المدن العراقية والمدنيين العراقيين. وتلاشي حلمهم بحرب سريعة واستقبال الشعب العراقي لهم كمحررين. كما أنها تتميز بالمعاناة المتزايدة والخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين العراقيين . وما تفتحه من إمكانيات أفاق ممكنة وعديدة.
لقد قلبت المقاومة العنيدة للشعب العراقي دفاعاَ عن ارضه واستقلاله في مواجهة التتر الجدد كل السيناريوهات الامريكية الجاهزة منذ سنوات لغزو العراق ووضع المنطقة تحت السيطرة المباشرة للامبريالية الامريكية الامبراطورية النزعة.
انهار الحلم، بحرب تحرير واستقبال حافل لقواتهم، الذي طاف في عقول الطاقم المحافظ الليبرالي-الجديد والاصولي المتشدد الذي يمسك اليوم بمفاصل الادارة الامريكية ، مع وصول بوش الابن إلى رئاسة قلب الإمبراطورية.
وعد بوش الشعب العراقي انه بحربه هذه سيجلب له " الطعام والدواء وحياة افضل" ولكن ما يقدمه له هو الموت والدمار والجوع والإهانة.  " نحن المعتدون ونحن من يقتل الأطفال" هذه الحقيقة التي عبر عنها أستاذ جامعي أمريكي هو مكاييل دوران يشاطره بها العديد من المثقفين والادباء الامريكيين، ورأي عام عالمي واسع. ويصل دوران إلى الاستنتاج التالي "بأننا قد نكون على وشك آن نربح الحرب عسكرياَ، لكننا خسرناها على الصعيدين السياسي والرأي العام" (لوموند 4.4.2003) .
شكل عاملان اساسيان هما: احداث ايلول  2001،  وبعدها حرب افغانستان " السريعة والسهلة" ، منعطفاَ في السياسة الدولية للادارة الامركية. من جهة ، أدى العامل الأول إلى إبراز-وبشكل مأساوي- الدور المركزي للولايات المتحدة في العالم ومسؤولياتها في أزماته والنظام العالمي المجحف الذي تفرضه(العولمة الليبرالية المتوحشة)، وانها لم تعد جزيرة محمية عن الخارج. مثلما ابرز العامل الثاني ميلاَ  لفرض السيطرة والهيمنة قائماَ لدى الأقسام الأكثر محافظة وشراسة والمرتبط بالأوساط الرأسمالية المالية والمجمع العسكري –الصناعي،  وفتح شهيتهم لرسم عالم أحادى القطب هو الولايات المتحدة. فأوربا عندما تعارض سياساتهم تصبح "أوربا العتيقة" وفق تعبير وزير الدفاع رامسفلد ، والأمم المتحدة عندما لا تخضع لمطالبهم تماماَ يتم احتقارها. وتضع الإدارة الأمريكية معايير جديدة أيديولوجية،لا علاقة لها بالقانون الدولي ، مثل" محور الشر" تصنف فيه الدول التي تشاء ، آو مصطلح " الدول المارقة" وغير ذلك من المقولات الايديولوجية المحافظة والمشوبة بطابع تبشيري ديني-اصولي، بدأ يثيراستياء و انزعاج حتى الفاتيكان.
تقوم الاستراتيجية الأمريكية "الجديدة" التي عبرت عنها وثيقة "استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" الصادرة في أيلول 2002 على مفهومين أساسيين. الأول هو مفهوم " أن كل من ليس معنا فهو مع الإرهاب" ، جاعلة بذلك أي موقف معارض لسياساتها موقف " إرهابي" آو" مساند للإرهاب آو الدكتاتوريات"، وقد تجلى ذلك في الاتهامات المتوالية التي صدرت عن الادارة الامريكية في وصف الموقف الفرنسي وغيره بانه يساند "الحفاظ على الدكتاتورية في حربها مع الديمقراطية". والمفهوم الثاني، وهو ناتج عن الأول، هو" حق الولايات المتحدة في شن حروب وقائية ضد أي مصدر ترى فيه تهديداَ محتملاَ (ولو مستقبلياَ) عليها". هذين المفهومين للاستراتيجية الأمريكية يعنيان حقاَ تكريس عالم أحادى القطب وفي حالة حرب مستمرة، خارج إطار القانون الدولي آو/ و الأمم المتحدة ان لزم الامر. انه تحول كبير في النظام العالمي الجديد يفسح في المجال لاستبداد قوى كبرى غاشمة.
يخلط الفريق المحافظ الليبرالي-الجديد الحاكم في الولايات المتحدة ، الذي لم يهتز بالرغم من الفضائح المالية التي تمس عدد من اقطابه كريشارد بيرل وديك تشيني، بين المصالح القومية لبلاده –او بالاحرى لرأسماليتها- وبين المصالح العامة للبشرية. مما يؤكد أن ثمة "تحولان أساسيان يشهدهما العالم اليوم، الأول هو انقلاب علاقة التبعية الاقتصادية بين الولايات المتحدة والعالم –إذ أصبحت الأولى تعتمد تماما،َ كمجتمع استهلاكي أولا، إلى الاستيراد الواسع للبضائع ورأس المال والنفط من خارجها. والانقلاب الثاني هو ا نزياح الدينامية الديمقراطية ، لتصبح إيجابية في اور-آسيا وسلبية في الولايات المتحدة"- انظر امانويل تود في كتابه "ما بعد الإمبراطورية"- . هذا يعني أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة ليس الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية التي تتفرغ ببطء من جوهرها في أمريكا نفسها. بل هدفها الأساسي اصبح ضمان تدفق السلع المتنوعة ورؤوس الأموال. أي أن هدفها الرئيس اصبح جلياَ وهو ببساطة السيطرة على ثروات العالم.
وإذا يرى عدد من المحللين أن حروب الولايات المتحدة الموجهة عموماَ ضد دول ضعيفة انما يعكس حقيقة ان قوتها الاقتصادية والايديولوجية والعسكرية تتراجع ولاتسمح لها بالسيطرة الفعلية على العالم الذي اصبح واسع جداَ ومأهول جداَ ومتزايد الدمقرطة. مع وجود أقطاب دولية اكثر دينامية منها كروسيا وأوروبا واليابان والصين. وهذا ما دفع بامانويل تود لوصف حروب الولايات المتحدة الراهنة ضد الدول الضعيفة – كوسوفا، يوغسلافيا،أفغانستان ،الصومال والعراق- بالحروب " المسرحية" لأن أحد أهدافها هو تذكير الجميع بجبروتها العسكري . حرب "مسرحية" بمعنى "استعراضية للقوة المدمرة" تستخدم فيها الإمبريالية القوة الفظة والوحشية لأحدث وافتك  ما تحويه ترسانتها العسكرية.
باحتلال القوات الأمريكية-البريطانية للعراق يتحول هذا البلد الشقيق من بلد كان تحت وصاية "الأمم المتحدة " بسبب الحصار ونظام العقوبات التي كانت مفروضة عليه ، نتيجة السياسات الرعناء للنظام الدكتاتوري, يتحول الان الى بلد محتل ومستعمر امريكياَ.
سينعكس هذا الوضع الجديد على المنطقة كلها وعلى اكثر من صعيد. فمن الآن وصاعداَ، أصبحت الإدارة الأمريكية طرفاَ مباشراَ ورئيسيا ومهيمناَ- مع شريكتها الصغرى الدولة الصهيونية-َ في الوقائع الجيو-سياسية المباشرة للمنطقة.
ينهار بذلك النظام الرسمي العربي كما كان عليه ، وينكشف ظهره أمام جهتين : شعوبه التي اختبرت مدى هشاشته ولا شرعيته وفساده ، فقد ظفرت الحكومة الأردنية ،مثلاَ، ب700 مليون دولار اضافي نتيجة موقفها الداعم للحرب الامبريالية . وظفرت الحكومة المصرية ب300 مليون دولار إضافي مكافأة لها على نفس الموقف، هذا من جهة. كما أن ارتهان الحكومات العربية ، ورهن الأخيرة، بفسادها، لمجتمعاتها بهكذا مساعدات – ساهمت حتى الآن في تأمين بقاء "مضطرب" لها - يجعلها اكثر فاكثر لقمة سهلة تعلكها الادارة الامريكية كما تريد، من جهة ثانية. لذلك ،ستدفع الحكومات – والشعوب قبلها- العربية ثمن الاحتلال الأمريكي للعراق ، بما فيها الأنظمة الموالية لها. وسيكون الاختبار الأهم القادم هو عملية التسوية الإمبريالية للقضية الفلسطينية التي سيفرض على المنطقة ، في اطار استراتيجيتها لاعادة رسم المنطقة وانظمتها.
ولكن، العالم ليس مزرعة مستباحة لإمبريالية منفلتة من عقالها، تزرع الموت والدمار في خدمة عولمة متوحشة لرأس المال.  فالعالم ، منذ اكثر من عقد ، يشهد نهوض وعي إنساني متجدد ومناهض للاستغلال الرأسمالي المتعولم ومعادي للإمبريالية والدكتاتورية. وعي يتجسد من خلال نضالات الملايين من المواطنين في العالم . تأكد هذا النهوض بشكل اكبر خلال الغزو الإمبريالي للعراق ولم يفتر بعد في مطالبته اليوم بانسحاب قوات الاحتلال الامريكية –البريطانية. لم يعرف العالم من قبل – ربما فقط  في سنوات الاحتجاج على حرب فيتنام- مثل هكذا نضالات- ووعي معادي للرأسمالية - ديمقراطية وتعددية.  يشارك فيها الملايين من المأجورين والمستغلين والمضطهدين والشباب. ونحن نرى موقعنا في القلب من هذه النضالات ومعها في مواجهة همجية العولمة الليبرالية المتوحشة وحروبها. إنها انبعاث "طوبى" إنسانية ملموسة بحواملها الاجتماعية الاصيلة ، الحركة العربية لمناهضة العولمة جزء رئيس منها، بينما نشهد  في مواجهتها ، كما هو الحال في بلدان اخرى ،انتكاس عدد من المثقفين المتهالكين و"التائبين" لتبني خرافات تقول بأن "الديمقراطية والحرية " تنبثق من فوهة اسلحة عساكر الامبريالية وقنابلها. 
اما نحن, فنبقى مع الجماهير في نضالاتها العالمية الواسعة  ضد الحروب الامبريالية و القهر والاستغلال والاستبداد والاقصاء والتهميش.  

ثمة "شبح يطوف العالم".!  









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأردن: مظاهرات داعمة للفلسطينيين ودعوات لفتح الحدود


.. ما هي آخر مستجدات القصف الإسرائيلي على قطاع غزة الآن؟


.. قطاع غزة.. مليوني نسمة وأكثر المناطق كثافة سكانية في العالم




.. إسرائيل - حماس: من يبدو كمنتصر لحد الآن؟


.. -عرب إسرائيل-.. المتغير الجديد الذي قلب المعادلة؟