الحوار المتمدن - موبايل


كوبري قصر النيل في زمن كورونا

رضي السماك

2020 / 4 / 3
السياحة والرحلات


اعتدت في كل زيارة لي للقاهرة أن أتمشى على رصيف كوبري قصر النيل - ذهاباً واياباً - من ميدان الدقي أو بالقرب منه في شارع التحرير إلى " ميدان التحرير " المؤدي إلى قلب القاهرة أو حيها التجاري العريق المعروف لدى الإخوة المصريين " وسط البلد " ، وهذه العادة إذ تولدت في وجداني ليس فقط لما تربطني بحي الدقي الشهير الذي كنت أقيم فيه خلال حياتي الدراسية الجامعية من ذكريات حميمة طوال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ؛ بل ولما للسير على هذا الكوبري ، مشياً على الأقدام ، من متعة لا تقاوم لإمتاع ناظري بالتأمل في جمال منظر النيل " على رواقة " والذي يسحر الألباب وهو رابض بمياهيه بين أحضان ضفتيه العمرانية الحديثة ، ناهيك عن مشاهد المراكب التي تمخر مياهه غدوةً وأصيلا . وإن كانت متعة السير عليه في زماننا الطلابي لا تُضاهى بمتعة المشي عليه عليه في زماننا الحاضر ،وذلك من حيث الهدوء النسبي الذي يضفي جواً رومانساً حينما تمشي الهوينا عليه متأملاً ذات اليمين وذات الشمال وخاصة حالما تتوسطه حيث روعة المشهد ، ومع أن القاهرة اكتسبت عن جدارة نعت " المدينة التي لا تنام " لضجيجها واكتظاظها بالناس على مدار الساعة في كل شوارعها وأسواقها وأحيائها ، حتى في زماننا الطلابي الأثير ، إلا أنه لا يُقارن البتة بزماننا الراهن ، فحينذاك لم يكن العابرون عليه يتجاوزون بضع عشرات على كلا جانبيه في ساعات الذروة ، مقارنة بمئات أو حتى آلاف العابرين في وقتنا الحالي ، دع عنك درجة النظافة في ذلك الزمان السبعيني الجميل .
ويُعد كوبري قصر النيل أجمل الكباري التي تتخلل العواصم العربية كافة ، وهو من أعرقها ، إن لم يكن الأعرق من حيث النشأة التاريخية الحديثة ، حيث بُني في عهد الخديوي إسماعيل باشا عام 1869 ، واُشتهر بتماثيل الأسود الأربعة ، أثنان منها شُيدا عند مدخله من ناحية ميدان التحرير ، وإثنان آخران نُصبا عند مدخله من ناحية الجزيرة ، ثم جُدد أو اُضيفت عليه تعديلات غير مرة . كما أرتبط أسمه تاريخياً بأحداث سياسية كبرى لعل آخرها ثورة يناير المجيدة عام 2011 ، ناهيك عن تخليد ذكره في التراث الثقافي المصري الحديث بمختلف ضروبه ، على نحو ما ورد في مشاهد وحكايات عدد من الأفلام السينمائية ، والروايات والقصص والأشعار والمسرحيات والفنون التشكيلية وفن التصوير وغير ذلك .
وعادة ما أحرص في كل زيارة لي للمدينة ، كزيارتي الأخيرة خلال الأسبوع الأول من فبراير / شباط الماضي لحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب ، على تجاذب أطراف الحديث مع بسطاء الناس الطيبين في هذه العاصمة العربية الزاخرة با لحياة ، كسوٌاق التاكسي ، والعاملين في المقاهي والمطاعم ، أو محلات بيع العصير وبائعي الصحف اليومية ، وغيرهم ممن تسنح لي الفرص العابرة الالتقاء بهم في أماكن مختلفة من المدينة ، ثم أتواصل مع بعضهم بعد عودتي لوطني . وليد وهو أحد الأخوة من سواق التاكسي الطيبين بعث لي قبل أيام فيديو يظهر فيه " كوبري قصر النيل " عن قُرب خالياً تماماً من المارة والسيارات ؛ لالتزام أغلب سكان المدينة بالاجراءات الاحترازية من تفشي وباء كورونا ، وقد صوّره صاحبي على علو شاهق من إحدى العمارات بما لا يقل عن ارتفاع عشرين طابقاً منها ، حينها توقفت محملقاً مشدوهاً فاغراً فاهي لما يشي به هذا المشهد ، وربما غير المسبوق طوال قرابة قرن ونصف من عمر الكوبري ، اللهم إلا في حالات نادرة جد طارئة ؛ فمن كان يتوقع أن يرى هذا الكوبري العريق الذي يتوسط نيل القاهرة ، والذي يُعد أيضاً بمثابة الشريان التاجي بين كل الكباري التي تربط بين شرق القاهرة الكبرى بغربها ، بل والذي يُعد أحد المعالم الشاهدة على ما يدب في المدينة ذات العشرين مليوناً وقد أضحى أشبه بالجثة الهامدة الساكنة التي لا حراك فيها جراء مقتضيات محاربة الفيروس اللعين القاتل ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء


.. نتانياهو يتوعد حماس بضربات موجعة


.. واشنطن تدعو لاستئناف مفاوضات سد النهضة على وجه السرعة




.. شاهد| كتائب القسام تبث صورا جديدة تظهر إطلاق صواريخ من قطاع


.. إيرلندا.. قراصنة الفدية يشلون النظام الصحي