الحوار المتمدن - موبايل


فيروس كورونا؛ كوفيد-19 ومناعة القطيع بين المنطق الطبي والاقتصادي والأخلاقي.

هاشم عبد الرحمن تكروري

2020 / 4 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


لم تُعّرى الحضارة البشرية منذ بداية القرن العشرين مثلما عُرِّيت عند ظهور فيروس كورونا في بداية شهر يناير 2020م، فقد أسقط هذا الفيروس الذي يحوم حول أطراف الحياة ورقة التوت المهترئة أصلاً عن عورة البشرية وأظهر حقيقة النسيج الاجتماعي العالمي وكيفية إدارة هذا العالم المتوحش، وأمست الغريزة الآداة التي تُسيِّر مخططات البشر في التعامل مع هذه الجائحة المُستجدة؛ وبات العقل مجرد زائدة دودية عند السياسيين والاقتصاديين ولنقل جُلَّ الشعوب المُراد لها أن تكون شياه تُساق إلى ما خُطط له مع إرادة لديها تطابقت مع ما يرسمه مراقبو القطيع، وهذا الأمر جعل الرؤية في التعامل مع هذا الحدث الجلل تنقسم إلى ثلاثة توجهات فكرية ظاهرة للعيان، أولاها الطبية التي ذهبت باتجاهين، الأول منهما: دعا إلى وجهتي نظر لا ثالث لهما، وهما: الوقاية والقائم على دراسة خصائص الفيروس وكيفية انتشاره وسبل الوقاية منه، وهذا ما تُرجم فيما بعد إلى اللجوء إلى الحجر الطبي المنزلي وفي المشافي، مع اتباع الإجراءات التي وضعها خبراء الأوبئة والأمراض المعدية، وعلى رأسها النظافة والأخذ في سبل تقوية المناعة عن طريق الأغذية والرياضة وبعض المكملات الغذائية الطبية، وثانيهما العمل على إيجاد مصل مضاد لهذا الفيروس، وهذا الأمر يحتاج إلى فترة زمنية تمتد من التعرف على خصائص الفيروس وبنيته الوراثية ومن ثم العمل على إيجاد وسائل للقضاء عليه عن طريق أدوية موجودة سابقاً أو استحداث وصفات طبية جديدة، ومن ثم الاختبار على الحيوانات، ويجب أن يكون الحيوان من النوع الذي يمكن اختبار المصل الجديد عليه ويعطي نتائج مقاربة لما يحدث مع الإنسان، ومن ثم بحال نجح هذا المصل بإعطاء نتائج إيجابية القيام بتجارب على مجموعات من البشر ومعرفة تأثيره عليهم والتأثيرات الجانبية له، بمعنى آخر، هذا الأمر يحتاج إلى أشهر طويلة وربما سنوات للوصول إليه، وفي بعض الأحيان قد لا تنجح هذه المساعي، والامثلة ماثلة للعيان في هذا الجانب، ففيروس الإيدز وإيبولا وغيرها الكثير ما زال العلم يراوح مكانه ويتقدم خطوة ويرجع خطوات، بمعنى آخر، الطب يقول: أن الأخذ بأسباب الوقاية هو الحل المتاح حالياً. والاتجاه الثاني الذهاب صوب مناعة القطيع وهو ما يعني اكتساب نسبة كبيرة من المجتمع مناعة لعدوى معينة، إمّا بسبب الإصابة بها سابقاً أو التلقيح، مما يُوفر حمايةً للأفراد الذين ليس لديهم مناعةٌ للمرض. إذا كانت نسبةٌ كبيرةٌ من السكان تمتلك مناعةً لمرضٍ معين، فإنه يُساعد في عدم نقل هؤلاء الأشخاص للمرض، وبالتالي يُحتمل أن تتوقف سلاسل العدوى، مما يؤدي إلى توقف أو إبطاء انتشار المرض. فكلما زادت نسبة الأفراد الذين لديهم مناعةٌ في المجتمع، كلما يقلُ احتمال اختلاط الأفراد الذين لا يمتلكون مناعةً مع أشخاصٍ ناقلين للمرض، مما يُساعد على حمايتهم من العدوى. وقد يمتلكُ الأفراد مناعةً إما بعد الشفاء من عدوى مُبكرة أو من خلال التلقيح. ولا يستطيع بعضُ الأفراد تطوير مناعةً لأسبابٍ طبية، مثل: نقص المناعة أو تثبيط المناعة؛ لذلك تعدُ مناعة القطيع مهمة لهذه الفئة من الأفراد، حيثُ تُعتبر وسيلة حمايةً مصيرية لهم. وعند الوصول إلى حدٍ مُعين، فإنَّ مناعة القطيع تقضي تدريجياً على المرض بين السكان. وإذا حصلت إزالة المرض في جميع أنحاء العالم، فإنها قد تؤدي إلى انخفاض دائم في عدد حالات العدوى حتى تصل إلى صفر، وحينها يُسمى بالاستئصال. وقد ساهمت مناعة القطيع التي أنشئت بواسطة التلقيح في استئصال مرض الجدري في العام 1977، كما ساهمت أيضاً في تقليل انتشار العديد من الأمراض الأخرى. لكن لا يُمكن تطبيق مناعة القطيع على جميع الأمراض، إذ يُمكن تطبيقه فقط على الأمراض السارية، أي أنَّ المرض قادرٌ على الانتقال من شخصٍ لآخر. مثلًا، مرض الكزاز يُعتبر مرضاً مُعدياً وليس سارياً، بالتالي لا يُمكن تطبيق مناعة القطيع عليه. واستخدم مُصطلح مناعة القطيع (herd immunity)‏ للمرة الأولى في العام 1923م. وقد اعتُرف به كظاهرةً تحدثُ طبيعياً في ثلاثينيات القرن العشرين، وذلك عندما لوحظ أنه بعد تطويرِ عدد كبيرٍ من الأطفال لمناعةٍ ضد الحصبة، فإنَّ عدد الإصابات الجديدة قد انخفض مؤقتًا، خصوصاً بين الأطفال المُعرضين لخطر الإصابة به. وأصبح التلقيح الجماعي لإحداث مناعة القطيع شائعاً منذ ذلك الوقت، كما أثبت نجاحهُ في منع انتشار العديد من الأمراض المعدية. وشكلت معارضة التلقيح تحدياً لمناعة القطيع، مما سمح باستمرار حدوث الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو عودة ظهورها في المجتمعات التي لديها معدلاتُ تلقيحٍ غيرُ كافيةٍ. ومع هذا فمناعة القطيع لا يمكن لها أن تكون فعّالة في حالات كثيرة خاصة عند الأطفال حديثو الولادة؛ إذ يكونون في وضع لا يتيح لهم تلقي العديد من اللقاحات، إما لأسباب تتعلق بسلامتهم أو لأنَّ المناعة السلبية لديهم تجعلُ اللقاح غير فعال. بالإضافة لبعض المرضى الذين تكون المناعة بالأصل عندهم ناقصة ويعانون من أمراض تؤثر في مناعتهم مثل: مرضى الإيدز وسرطان الغدد الليمفاوية أو سرطان نخاع العظم، ومن جانب آخر فمناعة القطيع تعني هلاك المئات من الآلاف وصولاً إلى مناعة مكتسبة غير مؤكدة بحالة الفيروسات، فقد يطرأ على الفيروس تحور وتطور يجعله أكثر شراسة وعدوانية مما يجعل قضية مناعة القطيع في مهب الريح، فما يعنيه تطور الفيروس وتحوره العودة للمربع الأول والبحث عن مصل (لقاح) جديد أو العودة لمناعة القطيع مجدداً مما يجعل المجتمع يعاني خسارة فادحة لا تقدر بمثمن متمثلة بالمئات من الآلاف أو حتى الملايين من البشر، وخاصة من كبار السن الذين مناعتهم تكون قد اخذت بالضعف نتيجة عوامل الشيخوخة أو نتيجة أمراض حلّت بأجسادهم ونخرت مناعتها، ولفئة المرضى حتى بين الفئات الأصغر عمراً ممن حلّت الأمراض في أجسادهم مثل: مرضى القلب والإيدز والسكر. هذا التوجه الطبي له جانب اقتصادي وأخلاقي، الجانب الاقتصادي منه يتأثر بطريقين، من وجهة نظر مؤيدي القطيع، فالاقتصاد يكون تأثره ضعيفاً وتبقى عجلة الاقتصاد على دورانها، ويحيى من يحيى بسبب مناعة وقوة جسده ويهلك من هلك بسبب شيخوخته أو مرض تملّك جسده، وبذا يبقى الاقتصاد دونما أثر كبير وبنفس الوقت تعمل مناعة القطيع على اكساب السكان مناعة تقيهم من موجة جديدة للفيروس؛ باعتبار امتلاك الجهاز المناعي للإنسان لتجربة سابقة تمكنه من التعامل مع هجوم الفيروس مجدداً، بغض النظر عما تحدثنا به حال تحور الفيروس وتطوره بصورة أكثر عدوانية، ومن جهة أخرى خالية من الغطاء الأخلاقي تخلص المجتمع من عبء كبار السن والمرضى في المجتمع، فالفيروس عمل على القضاء عليهم وأزاح ثقل عبئهم عنه. وهذه النظرة المتوحشة تصيب أصحاب المنطق الأخلاقي برعب، وتصل بالمجتمع إلى أن يصبح مجتمع آلي منزوع من العاطفة والأخلاق، ولعلّ هذا ما رأيناه، عندما طرح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قضية مناعة القطيع ونية حكومته بالشروع فيها وما تبعه من استهجان كاد يطيح بحكومته بعد ان وعى الشعب البريطاني الأبعاد الأخلاقية التي ستؤدي إليها هذه السياسة مما دفعه للتراجع عنها وقبوله بسياسة الوقاية والتي تعني خسارة اقتصادية غير محددة المعالم النهائية، إلا أنها قد تؤدي إلى افلاس الدول وتحطم العديد من الاقتصاديات ودخول العالم بفترة انكماش وكساد قد يكون الكساد العالمي العظيم بالنسبة له لعبة أطفال، أما أتباع فكرة الوقاية والحجر، وهم من يتملكهم المنطق الأخلاقي، فهم على جانب حماية المجتمع مهما كانت التكلفة الاقتصادية فادحة، فالإنسان من بنى الاقتصاد وليس العكس، لكن هذه النظرة يجب أن تتبنى حلول وخطط يقوم عليها كبار القوم من العلماء والاقتصاديين والأطباء ورجال الدين تعمل على وضع رؤية تنفيذية تأخذ بالاعتبار إعادة عجلة الدوران في القطاعات الإنتاجية، خاصة الغذائية الزراعية والطبية بما يخدم صمود المجتمع، وعدم زجه بجائحة اقتصادية قد تكون أخطر من الجائحة الطبية نفسها، وتأخذ بحسبانها الطبقة المعدمة والفقيرة وتوفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء، ولعل في اتباع سياسة تعتمد على قانون الإنتاج الدفاعي أو الإنتاج في زمن الحرب، وعدم اللجوء للاقتراض العالمي والإنتاج الوهمي للنقود الذي يدخل الدول في بوتقة الخنوع والذل من الخطوات الضرورية في هذا المضمار. ولعل ضخ الأموال بالصورة التي رأيناها في المجتمع الدولي ما يساعد في تجاوز الازمة بأقل الخسائر الممكنة، لكن مع ضرورة القيام بالخطوة السابقة من تفعيل القطاعات الحيوية للإنتاج. وهناك جانب لا يقل أهمية وهو عدم السماح لوحش الانانية الدولية بالتمدد وتغليب الإيثار الدولي عليه، فالصراع الخفي على المعدات الطبية وتوكيل أجهزة المخابرات بالشراء غير المشروع والسرقة في كثير من الأحيان، كما شهدنا بحالة سرقة الكمامات من قبل حرامي الكمامات (ترامب) المتوجهة لألمانيا والتوجه بها للولايات المتحدة الأمريكية وسرقة أجهزة التنفس من قبل الموساد الصهيوني وغيرها الكثير من الحالات التي سكت عنها العالم كتبييت لنية لاحقة أو لعدم قدرة على الرد. كل هذا يدعوننا للخروج بخطة ذات أبعاد طبية واقتصادية واخلاقية هدفها حماية المجتمع الدولي وعدم تغول منطق على آخر، وإلا فالثمن المتوقع لا يمكن للبشرية أن تتحمله.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعليق محادثات فيينا بشأن الملف النووي الإيراني أسبوع للتشاور


.. وفد مصري برئاسة رئيس الوزراء يزور طرابلس


.. الحصاد - مقتل الرئيس التشادي وتفاؤل في محادثات فيينا




.. أمن تشاد على المحك بعد اغتيال الرئيس.. وخشيةٌ على أمن الجوار


.. ارتفاع منسوب التوتر على خط أزمة سد النهضة | #غرفة_الأخبار