الحوار المتمدن - موبايل


مسارات ما بعد كورونا،أو كيف نصنع المستقبل؟

محمد عمارة تقي الدين

2020 / 4 / 10
ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات


دكتور محمد عمارة تقي الدين
لا أحد يمكنه التنبؤ بحركة المستقبل بشكل تام، وكل من يدّعي ذلك فهو حتماً كاذب، غير أنه يمكن الاتكاء على معطيات الحاضر لتخيُّل سيناريوهات من المحتمل حدوثها وأخرى يمكن الدفع نحوها إذا ما أراد الإنسان أن يصنع مستقبله بكلتا يديه، أو أن يدفع بعجلة المستقبل في الاتجاه الذي يريد.
يقول جون تايلور، وهو مُحقّ في ذلك،:"علينا أن نحاول بناء ملامح الطريق الذي يجب إتباعه خلال الثلاثين عامًا المقبلة لمنع الإنسان من إبادة نفسه"، فمعطيات الواقع من شأنها أن تخبرنا أن البشرية تتجه نحو كارثة محققة.
حقيقة أن الأزمات العالمية الكبرى تُسرِّع حركة التاريخ، وكورونا واحدة منها، إذ أن هناك العديد من السيناريوهات المستقبلية والتغيرات العميقة التي يمكن حدوثها في ظل هكذا أزمة، غير أن ذلك يتوقف على مدى تفاقم الحالة عالمياً وتداعياتها على الاقتصاد ومن ثم السياسة حتماً، فعندما يسعل الاقتصاد تصاب السياسة بالزكام والعكس، كذلك مدة استمرار هذه الأزمة، هل ستطول أم ستنتهي في القريب العاجل؟ ومدى استجابة البشرية واشتباكها مع تلك الأزمة، هل سيكون سلباً أم ايجاباً؟ وهل ستعود بعدها لوضعها القديم أم ستعيد النظر في سياساتها التي أنتجت هذه الأزمة؟ أم أنها ستنتكس إلى ما هو أسوأ إذا ما استمرت بممارسة ذات السياسات الخاطئة لكن بوتيرة أكثر تسارعاً.
ومع هذا كله يبقى مساران أو سيناريوهان رئيسيان أردت الإشارة لهما هنا، وهما:
السيناريو الأول: وهو سيناريو تشاؤمي.
ويتجسد هذا السيناريو وفق دُعاته في عدة تكهنات، ففيما يتعلق بالأوضاع السياسية يتوقعون أنه ربما تحدث انتكاسة نحو مزيد من الصراعات وإنتاج صيغ من الديكتاتورية والأنظمة المُهيمنة أشد وطأة، فيذهب قيصر ليأتي قيصر جديد لكن أكثر منه طغياناً، هنا ستصبح الحريات والديمقراطية واحدة من ضحايا كورونا، إذ سيسمح الأمر بمزيد من سياسات الهيمنة للحكومات بذريعة حماية الشعوب، وما يستتبع ذلك من تركيز للسلطة السياسية في يد الدولة، تلك الدولة التنين التي ابتلعت كل شئ، أو الدولة الإله التي تحيطها دائرة من القداسة كما نظَّر لها فلاسفة الحداثة.
كما يتحدث هذا السيناريو في صيغته الأكثر تطرُفاً عن إمكانية حدوث حروب ومجاعات، إذ يمكن لهذه الأزمة أن تُطلق وحش ما بعد الحداثة، إنسان الغابة، وكما يذهب دوستويفسكي الإنسان الوحش الذي هو أكثر الحيوانات ضراوة وشراسة، تلك القوى الشريرة النائمة داخله والتي تتبدى عند الأزمات والكوارث الكبرى.
إنها قشرة الحضارة والروح جاهلية إذا جاز لنا أن نستعير من شاعرنا الكبير نزار قباني، فتسود قيمة البقاء للأقوى حيث الضعفاء لا مكان لهم في هذه الغابة، أقصد هذا العالم، فالشعوب في لحظات هلعها وبحسب جوستاف لوبون لا يحكمها عقل أو منطق، إذ تتحول الجموع المذعورة إلى قوة كاسحة تدمر وتجتاح كل شئ، لتسود قيم السلب والنهب وتصبح هي الحاكمة فتأتي الجموع على الأخضر واليابس، إنه مجتمع الذئاب في حده الأقصى والذي طالما حدثنا عنه توماس هوبز.
فقد كانت ردة فعله الأولى بعد كورونا هي تخزين كل ما يمكنه تخزينه دون أن يعبأ بمدى احتياج الآخرين له، وهو ما ينذر باحتمالية اندلاع انتفاضات جياع إذا ما تعمقت الأزمة وطالت ردحاً من الزمن، إنه مجتمع الاستهلاك المفرط الذي يلتهم كل ما تقع عليه عينيه بحجة تأمين استمراره الوجودي ولو كان ثمنه حياة الآخرين جميعاً.
كما يتحدث هذا سيناريو عن إمكانية حدوث تلوث كوني أكثر شدة وضراوة بعد انقضاء الجائحة نتيجة للانكباب على مزيد من التصنيع تعويضاً عما مضى.
وبدلاً من الانفتاح سوف يتجه العالم نحو الانكفاء، ومن ثم تصاعد المد القومي الداعي للانغلاق على الذات وكراهية الأجانب والأقليات، ورفض استقبال اللاجئين، وانهيار التعارف وقيم التسامح، وهو ما سيقود لمزيد من الصراعات االعسكرية حيث تفاقم سباق التسلح لحدوده القصوى.
وقد يدفع انهيار اقتصادي محتمل إلى تصاعد معدلات البطالة والجريمة والتطرف، وهو ما قد يقود إلى تصاعد العنف الدولي بشكل غير مسبوق.
كما أن الخوف الدائم والمزمن من هجوم فيروسي جديد أكثر فتكاً وانتشاراً يمكن أن يدفع نحو أنا مفرطة في نرجسيتها ونفعيتها، فالكل يريد أن ينجو بنفسه.
كل هذا من شأنه إيجاد مناخ خصب لتنامي نبوءات نهاية العالم بصيغتها الدينية المتطرفة، تلك النبوءات التي تجعل العقل البشري المؤمن بها يستسلم للواقع بشكل تام دون أدنى محاولة لتغييره بذريعة أن الشر هو سيف إلهي مقدس مُسلّط على رقاب العباد ولا مفر منه فنحن في نهاية الأيام، لقد أكد القس الأميركي صمويل هارتمان أننا على بعد خطوات من نهاية العالم، مُردِّداً نصاً توراتياً يقول أن ثمة داء غريب وغامض سيضرب البشرية، حيث ينتظرنا الإله غاضباً لأننا مزقنا وصاياه العشر.
تلك هي بعض من ملامح السيناريو التشاؤمي الذي يمكن حدوثه إن تُركت الأمور تسير بعشوائية، وفي المقال القادم سنعمد إلى إضاءة السيناريو التفاؤلي ومن ثم اقتراح سبل إنفاذه في عالم الواقع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -فرنسا نشرت الأمية في الجزائر-.. توتر جديد في العلاقات الفرن


.. بسبب جرأة مشاهده.. تحقيق عاجل مع صناع مسلسل الطاووس | #منصات


.. طهران: مفاوضات فيينا تمضي في الطريق الصحيح | #رادار




.. الاتحاد الأوروبي: نحمل روسيا مسؤولية السلامة الجسدية للمعارض


.. هبوط اضطراري لطائرة على سطح البحر أثناء عرض جوي في فلوريدا