الحوار المتمدن - موبايل


الاتجاه الطبيعاني في السوسيولوجيا على أبواب القرن العشرين

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 4 / 11
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


المقالة للماركسيين الكسندر بينتسينوفيتش هوفمان والكسندر ديميتريفتش كوفاليف*

ترجمة مالك أبوعليا

1- التطورية Evolutionismكأساس للمدارس الطبيعانية Naturalisticفي الفلسفة.
كان منتصف والنصف الثاني من القرن التاسع عشرعصراً في التاريخ الفكري لأوروبا حيث ظهرت حماسة عالمية تقريباً من أجل التقدم بالعلوم الطبيعية وازدهار النظرة الطبيعانية-الوضعية، التي أثرت بشكل كبير على تطور علم الاجتماع في ذلك الوقت. أجبرت نظرية داروين للتطور، العلماء، على الانتباه الى الحقيقة البسيطة (التي تم تجاهلها سابقاً بسبب هيمنة النظرة اللاهوتية للعالم)، بأنه ليس هنالك فرق فقط بين الانسان والحيوان وحسب، بل كان هناك ايضاً تشابه، أن الانسان كان نتاج تطور بيولوجي طويل وأحد الروابط في سلسلته. أصبحت نظرية التطور عاملاً رئيسياً في المناخ الايديولوجي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كانت التطورية، باعتبارها الاتجاه الرائد للفكر الاجتماعي، قائمةً على أفكار وحدة قوانين تاريخ الطبيعة وتاريخ البشر، ووحدة منهج العلوم الطبيعية والاجتماعية، مقوضةً بذلك نظرية الخلق والتفسيرات السببية النهائية للتغير. ارتبطت التطورية ارتباطاً وثيقاً بعلم الاجتماع والاثنولوجيا، مقدمةً حلولاً لمشاكلهما حول نشوء المجتمع والثقافة. كان ذلك بسبب الاهتمام الاستثنائي الذي أحاط بالسوسيولوجيا والتاريخ والبدائي والمُقارن لأصل وتطور المؤسسات الاجتماعية والشعوب التي لا تمتلك لغاتاً مكتوبة والتي انتقلت ثقافاتها في الغالب عن طريق التقاليد الشفوية. أخذت فكرة التطور المحدد جوهرياً لتطور البشر الطبيعي شكلاً كلاسيكياً في أعمال الانجليزي ادوارد بيرنت تايلور 1832-1917.
بدأ يُنظر الى تطورية المجتمع في المدارس البيولوجية التطورية على أساس أنه استمرار أو مُكوّن للتطور البيولوجي. أشار أنصار هذا الاتجاه الى وجود قانونٍ عضوي لتطور المؤسسات الاجتماعية يشبه القانون الذي يحكم نمو الكائن الحي، والذي يحدد الطابع التدريجي المنتظم لتغيراته، والذي يُطابق التغيرات في كل العالم. تعزز تأثير هذا المفهوم الخطي للتطور الاجتماعي بحقيقة أنه كان لأفكار داروين التطورية تأثير طويل على علم الاجتماع من خلال وساطة تطورية سبنسر الفلسفية الشاملة ومبدأه حول التمايز.
ورثت السوسيولوجيا التطورية، من الفلسفة الاجتماعية طرحاً ميتافيزيقياً لمسألة "المُحرك الرئيسي" للتاريخ. سعت الاتجاهات الطبيعانية ذات التوجه الوضعي، والتي اتحدت بمقاربة أن المجتمع جزءٌ من الطبيعة المحكومة بقوانين عالمية، لأن تجعل هذا المفهوم تجريبياً الى حدٍ ما، وبدأت في شرح تطور المجتمع بتأثير عمل عوامل حتمية محددة مفهومةً على أنها قوىً طبيعيةً موضوعية. ولكن مفهوم العامل Factor ظل بشكلٍ عام متعدد المعاني ومتناقض، على الأقل بسبب هذه الاتجاهات الامبريقية غير النقدية. وعلى الرغم من الأهمية الايجابية للبحث عن قوانين طبيعية للتطور الاجتماعي، والاتجاه نحو العلم الموضوعي، الذي قوّض مواقع النزعة الارادية، وعبادة الأفراد العظماء والمفاهيم اللاهوتية والروحية في علم الاجتماع، كانت نقطة ضعف السوسيولوجيا التطورية الطبيعانية، على وجه التحديد، أُحادية الجانب، في اضفاءها الصفة الطبيعية والبيولوجية على القوى والعوامل الاجتماعية، على حساب فهم التاريخ كعملية لنشاط البشر.
ان ابراز عوامل طبيعية معينة أو قوىً محركة للتطور الاجتماعي وأحياناً نماذج منهجيةً لعلوم طبيعية معينة، هو الأساس، لتصنيفنا المدارس الطبيعية.

2- المدرسة الميكانيكية
يمكننا ملاحظة ظهور استخدام منهجية العلوم الطبيعية الكلاسيكية في السوسيولوجيا، وتأثير الفهم الميكانيكي للعالم، والتوجهات المادية المبتذلة، بوضوح، في المدرسة الميكانيكية، والتي كانت أساساً ايديولوجياً للعديد من الاتجاهات الطبيعانية. يمكن أن نعزو السمات التالية الى المدرسة الميكانيكية: المفاهيم السوسيولوجية التي تُساوي العمليات والظواهر الاجتماعية بالفيزيائية، وتوظيف مفاهيم علم الميكانيك والفيزياء على نطاقٍ واسع لشرح العالم الاجتماعي. طوّر الاتجاه الميكانيكي في علم الاجتماع فهماً للمجتمع على أنه مجموعٌ احصائيٌ للأجزاء (على النقيض من المفهوم العضوي للمجتمع)، وكان هذا نموذجاً أولياً لما سيُطلق عليه الآلية، المتميز تماماً عن العضوية الحية. شجع مفهوم (المجموع) Aggregate عن المجتمع على تطبيق المناهج الاحصائية في علم الاجتماع على أساس مفهوم الكُل Whole. تم توظيف المعلومات الكمية والاستعراضات البيانية الرسومية على نطاقٍ واسع من قِبَل الاقتصادي وعالم الاجتماع الأمريكي هنري تشارلز كيري 1793-1879، مؤلف احدى أكثر النظريات الاجتماعية الميكانيكية تطوراً في القرن التاسع عشر.
شاركت أعمال كيري السوسيولوجية الرئيسية، المجلدات الثلاث لـ(مبادئ علم المجتمع 1858-60) Principles of Social Science و(وحدة القانون 1872) Unity of Law، شاركت واحدية ومبادئ تطورية سبنسر الميكانيكية. بحث كيري، متبعاً منطق الميكانيكية الاختزالي، عن قوانين بسيطة تحكم المادة بكل أشكالها وخط متماثل بين العلوم الطبيعية والاجتماعية، والتي تختلف فقط في مواضيع تطبيقها وطريقة تعبيرها. على سبيل المثال، تلقت قوانين الجاذبية الفيزيائية، والجذب والتنافر، أشكالاً اجتماعيةً للترابط الاجتماعي وتركيز السكان. بالنسبة الى كيري، الانسان هو جزيء المجتمع الذي يربط هذه الجزيئات ببعضها في "قانون عظيم للتجاذب الجزيئي". غالباً ما لجأ كيري في منطقه الى التعميمات والتشبيهات الآلية الساذجة، مما أدى به المبالغة الى حدٍ كبير بقوتها التفسيرية. كان من الواضح، من وجهة نظره، انطلاقاً من مبدأ لافنائية المادة، ان الانتاج والاستهلاك ليسا الا مجرد تحولات بسيطة للمادة، وأن التجارة والتبادل هي تغيرٌ للمادة في المكان، وما الى ذلك.
لم تمنع الثورة في العلم في بداية القرن العشرين محاولات تفسير المجتمع بمناهج كميةٍ وميكانيكية. قام بعض علماء الطبيعة، ولا سيما الكيميائي البارز فليلهم اوستفالد 1853-1932 بتطوير (علم الاجتماع الفيزيائي).
اقترح اوسفالد في كتابه (الأسس الطاقية للدراسات الثقافية)(1) أنه يمكن لعلم الطاقة أن يزود العلوم الاجتماعية بمبادئ توجيهية أساسية معينة، بالرغم من أنها لن توفر كل التفسيرات التي نحن بحاجةٍ لها. لقد كانت العملية الثقافية، من وجهة النظر الطاقية العامة للغاية، تحولاً من الطاقة الحُرّة الى الطاقة المُقيدة. كلما زادت كمية الطاقة المقيدة التي تم الحصول عليها في هذا التحول، كان تقدم الثقافة أكثر أهمية. جعل هذا المعيار الشامل، القائم على قوانين تبدد الطاقة وزيادة الانتروبيا، من الممكن، ليس فقط قياس التقدم الاجتماعي، ولكن ايضاً قياس الزيادة في قابلية (تقدم) العضوية أو الأنواع البيولوجية ككل، والتي نبعت من الوحدة الأساسية لعملية التطور العالمية. تَميّز التطور، بالمتمايز والتعقيدات المتزايدة في تنظيم ووظائف العضوية والأنواع الحيوانية والمجموعات البشرية والمجتمع وما الى ذلك. كانت الحجة النهائية للتقدم الاجتماعي، كما اقترح اوسفالد، هي أنه بسبب الاكتمال التدريجي للعضوية والمجموعات البشرية، استفاد الانسان بشكلٍ متزايدٍ من طاقة العالم الحرة، والذي حدث بطريقتين يبدو أنهما جوهر التطور الاجتماعي، اي تقسيم العمل وتجميعه. ترجم اوسفالد مقولات سوسيولوجية واقتصادية اخرى (ولا سيما النظام الاجتماعي والدولة)، والتي تعتبر بالنسبة له كظروف أفضل لتحول الطاقة، الى لغةٍ طاقيةٍ بنفس الطريقة. ساعدت سلطة العلوم الطبيعية الرياضية وسيطرتها، على نشر النمط الميكانيكي من التفكير في أوائل القرن العشرين. تطورت أفكار الفيزياء الاجتماعية بطريقةٍ أو بأُخرى على يد الروسي فلاديمير بيختيريف وفيلفريدو باريتو وآخرين.
قدّمت النظريات الأقل كفاءةً وتنافسيةً في العلوم الطبيعية، قوانين الفيزياء والكيمياء والميكانيك والبيولوجيا، واعتبرتها مناسبةً لتفسير الظواهر الاجتماعية. لقد كانت مُعالجة الأفكار السوسيولوجية وفلسفة التاريخ عن طريق المصطلحات الفيزيائية والتي لم تؤد الا الى تفسيراتٍ زائفة، خطأً شائعاً في المدرسة الميكانيكية. يشبه هذا، محاولات التفسير (الثيرموديناميكي) للتاريخ، والذي وظف النظريات الفيزيائية بشكلٍ خاطئ، ولكن بشكلٍ شائعٍ في تلك الأيام، مثل (الموت الحراري للكون). كانت الحركة والحياة والتغيير والتاريخ موجودةً ولكن كان هناك عدم تساوٍ في الطاقة. تنبأت قوانين الثيرموديناميكا لبقاء كمية الطاقة والعملية اللارجعة فيها لانتقال الطاقة من أشكالها العليا الى الدنيا، نقول تنبأت بحالةٍ من الانتروبيا الاجتماعية مستقبلاً، مثل الموت الحراري للكون. يمكننا أن نلاحظ مفاهيم التاريخ الرومانسي المُحافظ القديم للفلسفة، في هذا الرداء الطاقي. تجري تصريحات كيري و (الفيزيائيين الاجتماعيين) الآخرين حول الطاقة والجاذبية، على سبيل المثال، كما لو كانت تنطبق بشكلٍ خاص على الظواهر الاجتماعية، في حين أنها قابلة على التطبيق على فئة أوسع بكثير من الظواهر والمواضيع الفيزيائية. ونتيجةً لذلك، تفقد السمات المُحددة حقاً للعالم الاجتماعي ميزتها. وجدت جوانب معينة من تراث المدرسة الميكانيكية انعكاساً لها في محاولات توظيف السيبرنتيك والنظرية العامة للأنظمة في علم الاجتماع من وجهة نظر العلوم الحديثة لتقريب مجالات المعرفة البعيدة جداً عن بعضها، والبحث عن مبادئ وبُنى الأنظمة المتجانسة الشاملة المشتركة بينها. قدّم الميكانيكيون، بصفتهم مؤيدين للتحليل الكمي في علم الاجتماع، مساهمةً كبيرةً في نظرية القياس والاحصاءات الاجتماعية من خلال انشاء منهجية التقديرات العددية لحجم تحويل البشر للطاقة الطبيعية الى طاقة اجتماعية-اقتصادية.

3- المدرسة الجغرافية
تطورت الفكرة الاجتماعية-الفلسفية من المقارنة او الشتبيه العالمي بين المجتمع والطبيعة الى دراسة خاصة حول تأثير العديد من العوامل (المناخ، الثروة الطبيعية، الخ) على عددٍ من العمليات والظواهر الاجتماعية (نمو السكان، القوى المنتجة، النظام السياسي، الخ).
ذهبت دراسة أهمية البيئة الجغرافية للمجتمع البشري الى تطرفين اثنين. أكد أنصار الحتمية الجغرافية الميكانيكية على أن نشاط الانسان كله كان محكوماً ومشروطاً بمحيطه الطبيعي. أما دعاة الحتمية الثقافية المُطلقة فقد ادعوا أن الثقافة تحدد التصور عن البيئة وأهميتها للانسان، وبالتالي يجب أن ينطلق تفسير النشاط الانساني من مبدأ ثقافوي. لقد استهانوا بحقيقة أن امكانيات الناس الثقافية تختلف باختلاف الظروف الطبيعية. أدى انكار أي تأثيرٍ للبيئة، الى اختزال المسألة الى السخف، الى نوعٍ من الأنا-واحدية الاجتماعية والثقافية. من المهم التأكيد على أن الاتجاه الجغرافي في الفكر الاجتماعي لم يتطابق بأي حالٍ من الأحوال مع الحتمية الجغرافية الضيقة التي كانت جزءاً منه فقط. جرت محاولات بالفعل في القرن التاسع عشر في "الأنظمة" (كما نطلق عليها الآن) لايجاد مخرجٍ من الصعوبات التي تولدها الانقسامات من نوع "الانسان-الطبيعة" و"الثقافة-البيئة"، عن طريق اعتبار الانسان والثقافة والبيئة ككل، كوحدة مميزة للمنطقة الجغرافية. أصبح الانسان بحزم، جزءاً من الطبيعة بالنسبة الى العلوم، وليس استثناءاً الهياً لها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبح التفسير الواسع بشكلٍ مُفرطٍ لنظرية داروين حول الانتقاء الطبيعي هو النموذج الأولي لنظرية تطور البُنى الاجتماعية غير المشروط المُعتمدة على البيئة الجغرافية. كانت نظرية الحتمية الجغرافية مقبولةً على نطاقٍ واسعٍ في ذلك الوقت وبدا أنها تستند الى أسسٍ علمية. كانت النتيجة المفيدة لهذا التنظير بعد منهجية البيولوجيا، هي ايلاء الاهتمام الى توزيع السكان والايكولوجيا البشرية (حيث يمكن للمرء أن يرى فيها أساسيات الايكولوجيا الاجتماعية المعاصرة). دخلت العوامل الطبيعية مثل المناخ والتربة وتوزيع الموارد المائية والمعادن، والنباتات والحيوانات والعمليات الجيوفيزيائية وتغير الفصول، دخلت ايضاً في حقل رؤية الجغرافيا الاجتماعية والسوسيولوجيا الجغرافية. وأعتُبِرَت الظواهر الاجتماعية التالية، هي الظواهر الأساسية التي اعتمدت على تلك العوامل: 1-توزيع وكثافة السكان في جميع أنحاء العالم، وصحتهم وخصوبتهم. 2- التنوع العرقي والفيزيائي والنفسي المكون لهم، والمزاج واشكال الأخلاق والتكرار الاحصائي لحالات المواهب العظيمة، وما الى ذلك. 3- انواع المِهَن والنشاط الاقتصادي، وتنظيم وايقاع هذا الأخير، ومستوى رفاهية السكان. 4- أنواع التنظيم الاجتماعي السياسي والمؤسسات الاجتماعية والزواج. 5- امكانيات التواصل والتبادل الثقافي ومعدلات النمو الاقتصادي والثقافي. 6-الدين والأساطير والفن والأدب. باختصار، جميع مظاهر الحياة الاجتماعية تقريباً.
عزز التاريخ والفلسفة الوضعيتان والجغرافيا الوضعية كذلك، امكانية تأسيس مدرسة جغرافية في علم الاجتماع في القرن التاسع عشر. تمت صياغة الحتمية الجغرافية، مفتونةً بمنهجية العلوم الطبيعية الكلاسيكية، لفترةٍ طويلة، من قِبَل الفيلسوف الفرنسي الانتقائي فيكتور كزين 1792-1867: أعطني خريطة دولة تصور ترتيباتها ومناخها ومياهها ورياحها وكل جغرافيتها الطبيعية. أعطني منتجاتها الطبيعية ونباتاتها وحياتها الحيوانية، وسأتعهد باخبارك مسبقاً كيف سيكون شكل شعبها، وما هو الدور الذي سيلعبه ذلك البلد في التاريخ، ليس بطريقة المصادفة، ولكن بالضرورة، ليس في هذه الفترة، بل على مر العصور، وأخيراً، الفكرة التي طُلب مني تقديمها"(2).
لقد تغلغلت الطبيعانية والحتمية الجغرافية الزائفة جميع فروع العلوم الاجتماعية آنذاك، حتى تلك الأنظمة ذات الصبغة المثالية. ازدهرت، منذ منتصف القرن التاسع عشر، نظرية الأرصاد الشمسية في الدراسات الدينية (ماكس مولر Max Müller وآخرين) والتي فسرت الأساطير على أنها استعارات للظواهر الفلكية والجوية، وتتبعت مصادر الايمان والآلهة الى الكوارث الطبيعية المهيبة. جادل ارنست رينان Ernest Renan حول تأثر "روح الديانة التوحيدية" بالأرض الصحراوية. وفسّر هيبوليت تاين Hippolyte Taine في كتابه Philosophie de l’art الفرق بين الرسم الفلورنسي واللوحات الفلمنكية، على سبيل المثال، من خلال الاختلافات في الظروف الجغرافية بين ايطاليا وهولندا.
استدل المؤرخ الانجليزي الوضعي هنري باكل Henry Buckle 1821-1862، من محاولة اثبات النمط الموضوعي للتطور التاريخي، على العديد من الأمثلة المعقولة، للوهلة الأولى، عن كيفية قيام المناظر الطبيعية، المناخ وخصوبة التربة والتغذية بتحديد الفرق في الوعي واللياقة البدنية وتراكم الثروة بين الأمم والتنظيم الاجتماعي وفي نهاية المطاف المصائر التاريخية (3). لكنه أبدى تحفظاً على أن العوامل الذهنية اكتسبت تفوقاً تدريجياً على العوامل المادية في أعلى مستويات التطور. أثرت أفكاره على اتجاهاتٍ مُعنية في الجغرافيا الاقتصادية والسوسيولوجيا الجغرافية، التي زعم المتحدثون باسمها أنه يكفي معرفة الثروة الطبيعية للمجتمع ومصادر الطاقة وخطوط الاتصال الطبيعية لتحديد طبيعة وحجم انتاجه ووظائفه الاقتصادية الرئيسية، الخ. تجاهل باكل عدداً من العلاقات الوسيطة بين العوامل الاجتماعية نفسها، والعلاقات الوظيفية بينها وبين البيئة عند استخلاصه استنتاجاتٍ حول الاعتماد المباشر والواضح للحقائق الاقتصادية والنفسية والاجتماعية على البيئة الفيزيقية. وفي نفس الوقت، تبنّى بشكلٍ ضمني أو علني، كمثالٍ أعلى علمي،
واحديةً فيزيائيةً وحتميةً ميكانيكيكية ومشتقاتها الفكرية حول سلبية العقل الانساني الذي يستنسخ العالم الخارجي. علاوةً على ذلك، قلل باكل من شأن نتائج الانتشار الثقافي والتأثير الثقافي المتبادل، لانه كان غالباً ما يصور تأثير البيئة كما لو كان المجتمع يعيش دائماً في عُزلةٍ تامة، ككيانٍ مستقل ثقافياً.
كما سعى الجغرافيين، الذين شاركوا العديد من أخطاء التأريخ الوضعي، الى ابراز دور عوامل البيئة الفيزيقية في تطور المجتمع.
كان الألماني كارل ريتر Karl Ritter 1779-1859 احد علماء الاجتماع البارزين الذي يُعتبر مؤسس الجغرافيا الحديثة الى جانب الكسندر هومبولت Alexander Humboldt 1769-1859. استند منهجه على فكرة التفاعل بين الطبيعة والثقافة، والطبيعة المترابطة لجميع العناصر التي تُشكل منطقةً جغرافيةً ملموسةً تاريخياً(4). ان الأرض هي عضوية منفردة، تنقسم الى مناطقمتكاملة مترابطة داخلياً، واستدعى التحديد الصحيح لحدود هذه المناطق وصفاً دقيقاً للمناظر الطبيعية والمناخ والنباتات (وخاصةً المزروعة) وحيواناتها، وتفاعل الانسان مع هذه العوامل البيئية، الخ. كان الاتجاه الفلسفي العضوي للرومانسية الألمانية واعتقادهم بنظامٍ عالميٍ يوحد العلاقات القطبية في تركيبٍ أعلى، هو أساس النظرة العالمية لريتر، وليس الطبيعانية. كانت ترجع أهميته في العلوم الاجتماعية الى وجود الانسان والتاريخ في المكان الجغرافي. في رأيه يجب على الجغرافيا أن تُفسر كيف أثّر الانسان على المكان الذي يسكنه، وكيف "نشأ" الانسان و"تعلم" من خلال عمله في ظروفٍ مواتيةٍ أو قاسية. اهتم بفترات الازدهار الثقافي لكل منطقة، لان هذا الازدهار، في رأيه، هو ناتج تحقق أقصى درجة من الانسجام بين الطبيعة والثقافة.
تم دمج المسائل التي تم تمييزها لاحقاً، والتي أصبحت موضوع البحث في مختلف مجالات الجغرافيا وعلم الاجتماع، في أعمال ريتر. بعده، كان هناك اتجاه ملحوظ بوضوح لتقسيم علم الجغرافيا الى قسمين: الجفرافيا الطبيعية، والجغرافيا الاجتماعية أو الانسانية.، حيث ظهرت الجغرافيات الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية والاحصائية بدورها في أوقاتٍ مختلفة في بلدانٍ متعددة.
لعب علم الحيوان الألماني والرحالة والصحفي وعالم الاجتماع، والأستاذ في جامعة لايبزغ فريدريك راتزيل Fredrich Ratzel 1844-1904، دوراً رائداً في انشاء الجغرافيا الانسانية، وعلى وجه الخصوص، الجغرافيا السياسية (5). لقد عرّف موضوع الجغرافيا الانسانية، بما يتماشى مع التقليد العام السائد آنذاك، كدراسة للانسان كمظهر حيوي يتحدد بالطبيعة الجغرافية. سعى رازيل، ذو التعليم البيولوجي في الأصل، لتوحيد مناهج ومفاهيم البيولوجيا والانثروبولوجيا والجغرافيا وفقاً للايديولوجيا الطبيعانية. لقد اعتبر ان الجغرافيا الانسانية يجب أن تكون جزءاً من الجغرافيا الاحيائية العامة ويجب أن تستخدم المفاهيم الايكولوجية والتطورية المعتادة عند دراسة التطور السياسي والاقتصادي. جمع كتابه (الجغرافيا السياسية) Politische Geographic 1897 بين الوصف العلمي لتمايز الثقافات وفقاً لخصائص البيئة الجغرافية، والتأملات البيولوجية، خاصةً عندما فسّر التوسع المكاني أو تقلّص الدول. وكان لديه ميل خاطئ متأصل، نموذجي للحتمية الجغرافية، والذي يرى صلات سببية مباشرة بين خصائص البيئة الطبيعية والممارسة الانسانية، متجاوزاً توسطات الصلات والآليات الاجتماعية. قسّم راتزيل جميع نتائج تأثير البيئة الى نتائج ثابتة (ثابتة في الخصائص البيو-النفسية الدائمة للأفراد)، ونتائج دائمة (النتائج التاريخية المتغيرة للتنظيم الاجتماعي-السياسي). ان التأثير المباشر للعوامل الجغرافية التي استمرت لآلاف السنين، وخاصةً المناخ والوضع المكاني، هو سبب الاختلافات الجسدية والنفسية بين مجموعات الشعوب التي تعيش في مناطق مختلفة. قامت الجبال والعزلة المكانية، على سبيل المثال، بتجديد التقاليد عن الشعوب، والقومية الضيقة، في حين ساهمت البحار والسهول في تشكيل خصائص مثل الحنين الى المكان والروح التوسعية والمبادرة الجريئة. عززت الحدود الطبيعية (الجبال والبحار) تطور عزلة المجموعات الاجتماعية ونشوء سلطات سياسية متخلفة، بينما عززت السهول مركزة السلطة للدفاع ضد غارات الأعداء، مما قاد لاحقاً الى نشوء تنظيمات من الدول القوية المتكاملة اجتماعياً وثقافياً. يخضع انتشار الثقافة واللغات الى نفس القوانين. تعمل الدول كعضويات حية تخضع لعمليات النمو الطبيعي والانحلال، وبالتالي، لا يمكن قصرها على حدود صارمة. كان المكان والموقع عواملاً مهمةً لنهوض الدول. ارتبط بقاء الأمم والثقافات بقدرتها على التوسع وتحسين موقعها الجغرافي.
لقد كان يحتاج الأمر، الى مجرد خطوة لتحويل المقارنات البيولوجية الى ايديولوجية وسياسية. وقد اتخذت تلك الخطوة ما يُسمى بمدرسة الجغرافيا السياسية الألمانية التي رأسها كارل هوشوفر Karl Haushofer 1869-1946 الذي أنشأ تعاليماً حول تطور وتوسع الدول مُحددةً جغرافياً(6). تم توطيف الحجج سيئة السمعة حول افتقار ألمانيا "لمساحةٍ للعيش" وعدم صحة حدودها السياسية، من أجل تبرير العدوان الفاشي، من ترسانة الجغرافيا السياسية هذه(7). فسّر مُبدع مصطلح الجغرافيا السياسية Geopolitics السوسيولوجي السويدي ردولوف كيلين Rudolf Kjellén 1864-1922، المصطلح، تحت تأثير راتزيل كمذهبٍ للدولة كعضويةٍ جغرافية، جامعاً بشكلٍ انتقائي مفاهيم الحتمية الجغرافية والداروينية الاجتماعية، والنظريات البيولوجية والعضوية والعرقية والأنثروبولوجية(8). ان احدى السمات المُبتذلة للحتمية الجغرافية في تفسير الأحداث التاريخية هي التجنيد الواسع لـ(الحقائق السيكولوجية) للحس المشترك Common Sense كعوامل وسيطة. وقد ميّز هذا على وجه الخصوص العديد من علماء الجغرافيا السياسية الذين استخدموا، عند الحاجة، كل من التحيزات القديمة و(أحدث) المكتشفات العرقية المزعومة حول "روح الشعب" التي يُزعم أنها تتحدد بالبيئة الجغرافية. ومع ذلك، لم يكن مضمون الجغرافيا السياسية مجرد تفسيراتٍ وتوقعاتٍ جغرافية زائفة ومشبوهة للأحداث السياسية، التي تصبغ، سواءاً أكانوا راغبين بذلك أم لا، عدداً من الأطروحات السياسية. قام العديد من علماء الجغرافيا السياسية باجراء دراساتٍ تاريخيةٍ ذات أهمية كبيرة لتشكل وتوسع وانحلال لمراكز ادارية وحدود وخطوط دفاع (مناطق سياسية) مختلفة. كان التساؤل عن كيفية تقييم (الامكانات السياسية) الكامنة في تفاعل المجتمع السياسي وبيئته ذو معنىً ما. نجحت الجغرافيا السياسية في الغرب في دراسة تأثير السلطة السياسية على الجوانب المادية والاجتماعية للبيئة وتشكّل الروابط اللغوية والثقافية، ومواضيع أُخرى. في أوائل القرن العشرين، صار الاتجاه البيئوي Environmentalism الأمريكي استمراراً للاتجاه الجغرافي القديم في العلوم الاجتماعية. ما هو جديد نسبياً، كان التوجه الأكثر شدةً نحو المناهج الاحصائية والأساليب التجريبية الصارمة الأخرى لاختبار فرضيات الحتمية الجغرافية الشائعة. طوّر الين سمبل Ellen Semple، مؤسس البيئوية، والمروّج الأرثذوكسي لراتزيل، فكرة "السيطرة" الفيزيقية للبيئة على نشاط حياة الانسان(9). كان عالم الجغرافيا الأمريكي السورت هنتغتون 1876-1947، والذي تلقى تعليماً في الجيولوجيا أحد المتحدثين البارزين في الاتجاه البيئوي. لقد سعى، من خلال استخدام المناهج والبيانات-(غير الموثوقة غالباً) الاحصائية، وعلم النباتات الأحفورية، وعلم المناخ والتاريخ والديموغرافيا والعلوم الأخرى، الى اثبات وجود علاقات وثيقة بين تغيرات المناخ، وتقدم الحضارات أو انحلالها(10).
أسس هنتغتون الروابط الوسيطة التالية: 1-أثر المناخ على صحة السكان (ومن أجل تقدير هذا، درس تزامن المنحنيات الشهرية للوفيات ودرجات الحرارة، واعتمد على الأبحاث التجريبية المعاصرة له، وما الى ذلك). 2- أثر المناخ على النشاط البدني والعقلي وانتاجية العمل، وتسبب بالتالي في تذبذبات وتيرة الأعمال والمتغيرات الاقتصادية للمجتمع (كانت البيانات المتعلقة بالتوازي بين معدل الوفيات ودورات الركود والازدهار التجاري، هو أساسه التجريبي لذلك). 3- بقدر ما كانت الحضارة هي وظيفة طاقة وانتاجية أي أمة، فان التقلبات المواتية أو السلبية للمناخ حددت تطور الحضارة وانحلالها وتحولها.
كما طوّر هنتغتون أفكاراً قديمةً حول التحول الجغرافي التدريجي للحضارات من المهد الأفروآسيوي، الى المناخ الأكثر برودةً وتنوعاً في شمال غرب أوروبا. لقد تم الدفاع عن نظرية (الانجراف الشمالي للحضارة) بالفعل، بتنويعاتها المختلفة من قِبَل الفرنسيين كاميل فالو Camille Vallaux(11) وبيير موغولي Pierre Mougeolle (12) وادموند ديمولينز Edmond Demolins وآخرين. لكن معايير تجميع الخرائط والارتباطات المُقارنة التي عزز بها هنتغتون نظريته، كانت ذاتيةً للغاية وذات مركزية أوروبية. لقد بنى تصنيفه للحضارات على مبدأ (النشاطية) Activism، مكرراً الأحكام المُسبقة القديمة (التي كان مصدرها أعمال المؤرخ العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر)، بأن الثقافة العليا وأشكال التنظيم الاجتماعية السياسية الأكثر تعقيداً، لا يمكن أن تنشأ الا في مناخٍ معتدل، وليس في مناخٍ شبه استوائي أو قطبي. لقد أشار الى أن وفرة هدايا الطبيعة في المناطق شبه الاستوائية لم تستدعي جهداً وعملاً كبيرين وأدت الى خمول وكسل سكان الجنوب، في حين أن الكفاح ضد البرد والجوع في المناخ القطبي أدى الى توقف الناس كلياً عن العمل، ولم يترك المجال للقوىً التي تُطور الثقافة. في نهاية المطاف، ظل قانون تحول مراكز الثقافة المحورية الى الشمال متناقضاً واستند على مجموعة من الحقائق وحيدة الجانب. ان ادخال عناصر الحتمية التكنولوجية لم تُنقذ هذا القانون ايضاً، رأى فالو، على سبيل المثال تحوّل مراكز الثقافة الى الشمال في تطور تكنيك دفاع الانسان ضد البرد.
لم تصمد (القوانين الخالدة) لهنتغتون والبيئويين الآخرين لاختبار الحقائق الراسخة بدقة، لكن حصلت ملاحظاتهم القيّمة العديدة وحتى بعض فرضياتهم على دعمٍ غير مباشرٍ من المتخصصين (علماء الأحياء وعلماء المناخ والأطباء النفسيين، الخ). لقد انهارت محاولات البيئويين ربط دورة الأعمال في العلاقات الاقتصادية بفترات النشاط الشمسي، على سبيل المثال، لكن العديد من علماء النفس وعلماء الجريمة لاحظوا اعتماداً معقداً بين تذبذب الضغط الجوي وعدد آخر من الظواهر المناخية من جهة، والعمليات الفسيولوجية والاثارة العصبية ومن خلالها عدد من العمليات النفسية والاجتماعية من جهةٍ أُخرى. لاحظ أدولف كيتليه Adolph Quételet ولاحقاً سيزار لومبروسو "التقلبات الموسمية" لبعض الجرائم. تمت دراسة تأثير العمليات الكونية والكوكبية على السيكولوجيا الاجتماعية من قِبَل مدرسة تشيجفسكي Chizhevsky (13).
لا يزال السعي نحو الحتمية الصارمة والنهج الكمي في الاتجاه الجغرافي الاجتماعي الأمريكي الحديث قائماً، ولكن في نماذج أكثر محدوديةً توضع من أجل التنبؤ. ان المسائل البيئوية لا تُدرَس اليوم على مستواها العالمي القديم، ولكن بشكلٍ أكثر ضيقاً (14).
تطورت (الجغرافيا الثقافية) في الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر، جزئياً كرد فعل على الاتجاه البيئوي، موظفةً الأفكار الأنثروبولوجية عن الثقافة (الفريد كروبر Alfred Kroeber وآخرين) (15). وأولت اهتماماً كبيراً لنشاط الانسان الذي يُغير موطنه، واعتبرت سطح الأرض بمثابة بصمة لأسلوب حياة الانسان وماضيه التاريخي وكدليلٍ ماديٍ على انتشار الثقافة.
كان ابراز الدور النشط للانسان في تفاعله مع الطبيعة سمةً خاصةً لتقليد الجغرافيا الاجتماعية الفرنسية بدءاً من مدرسة فريدريك لي بلاي Frédéric Le Play 1806-1882 أحد مؤسسي الايكولوجيا الاجتماعية الحديثة. قدّم صيغةً ثُلاثيةً من العوامل المُحددة للحياة الانسانية: الموئل والعمل والعائلة.
كان أحد المتحدثين الرئيسيين في مدرسة لي بلاي، هنري دي تورفيل Henri de Tourville 1843-1903. عندما كانت المدرسة تقوم بتجميع دراساتها المعروفة جيداً في تاريخ البحث السوسيولوجي حول الأسرة، درست بالضرورة الجغرافيا الطبيعية للأسرة والمجتمع: التربة، المناخ، توزيع المياه الخ. يستند العمل الرئيسي لادموند ديمولينز Demolins على مادةٍ تاريخيةٍ واسعة النطاق، والتي لم تكن خاليةً من أخطاء الحتمية الجغرافية المعتادة، تتبع فيه الروابط الرئيسية بين المواقع الجغرافية والخصائص المختلفة للتنظيم الاجتماعي وأشكال العمل والمُلكية، الخ. وفقاً له، فان العيش في السهول، على سبيل المثال، حدد احتلال مناطق الرعي وغياب الاستيلاء على الأراضي في مرحلةٍ مبكرةٍ من التطور التاريخي، لأنه كان أكثر أهميةً بالنسبة للبدو الرُحّل أن يتمكنوا من السفر بحرية على السهول بدلاً من أن يكونوا مُلّاكاً للأراضي، وحدد ايضاً خصائص أُخرى لـ(الانماط الاجتماعية). أشار تورفيل، الذي درس أصل المجتمع الغربي، لاالى الدول الاسكندنافية ومضايقها المعزولة على انها "مختبر عالمي" حيث يمكن تشكيل نوعٍ خاصٍ من الانسان والأسرة والمجتمع. كان الاحتماليين Possibilists الفرنسيين خصوماً للحتمية الجغرافية. اعتبر أنصار هذا الاتجاه أن بيئةً مُماثلةً لم تكن موجودةً في الواقع سواءاً للأفراد (بحكم الاختلافات في رد فعلهم على نفس الظروف البيئية والخصائص الفطرية) أو للثقافات من مستويات مختلفة من التطور. كسر الاتجاه الاحتمالي المفهوم الساكن للبيئة كما أُعطي مرةً واحدةً والى الأبد بدون علاقته بالذات التاريخية النشطة. ودفعت نزعته التاريخية الى طرح المسألة: بيئة من أجل ماذا؟ ولمن؟ ما هي احتمالات توظيف ثقافةٍ معينةٍ فيها؟
اقترح مؤسس المدرسة الفرنسية للجغرافيا الاجتماعية، الجغرافي والمؤرخ بول فيدال دي لا بلاش Paul Vidal de la Blache 1845-1918، أنه لا توجد بيئة معينة تحدد اسلوب الحياة. لم تكن طبيعة الأرض، بالنسبة له، مجرد نتاج تسلسل طبيعي للأحداث، بل نتاجاً لعمل الانسان، الذي خلق ظروفاً جديدةً لوجود الأجيال القادمة(16). كانت ميزة الجغرافيا الاجتماعية الفرنسية هي كشفها الطابع الرجعي المزيف للجغرافيا السياسية الألمانية. أظهر الاحتماليين أن هذا الأخير غالباً ما قام ببناء أدلة حقائقية راجعة (من الوجود التاريخي لظاهرة اجتماعية-سياسية معينة الى الظروف الجغرافية التي يُزعم انها مسؤولة عنه). كافح اليسي ريكلس Elisee Reclus 1830-1905 وليو ميشنيكوف 1838-1888 اللذان كانا ينتميان الى المدرسة الفرنسية للجغرافيا الاجتماعية، في وقتٍ سابق، ضد الاستنتاجات المعادية للانسانية والعنصرية لبعض اتجاهات الجغرافيا الانثروبولوجية(17). ان جانب الاتجاه الاحتمالي الضعيف، مُقارنةً بالاتجاه البيئوي الأمريكي هو استخفافه بالتقييم الكمّي للاحتمالات التي ميزت روابط الامكانيات الثقافية او الاقتصادية بتوزيع العوامل الجغرافية(18). بهذا المعنى، فان الفروع التطبيقية والكمية للجغرافيا الاجتماعية الغربية المعاصرة، هي أقرب للاتجاه البيئوي منه الى الاتجاه الاحتمالي(19).
تتزايد أهمية الاتجاه الجغرافي في العلوم الاجتماعية بشكلٍ كبير، في عالمنا المعاصر بنمو تأثير الانسان على الطبيعة الى حدٍّ غير مسبوق. لقد أصبح من الواضح ان هذا التأثير لا يمكن أن يكون ناجحاً الا اذا كان محكوماً بقوانين الطبيعة بحيث يسمح للروابط والعلاقات الرئيسية للطبيعة أن تستمر بلا انقطاع، والا فان الآثار السلبية لذلك التأثير ستعود على الانسان نفسه كجزءٍ من الطبيعة. يمكن ملاحظة الاستمرارية بين الاتجاه الجغرافي و(الايكولوجيا الانسانية) المعاصرة، التي تدرس العلاقة بين الانسان وبيئته (بالمعنى الواسع)، ولا سيما العلاقات المكانية بين الناس والتنظيمات الاجتماعية.

4- المدرسة العرقية الأنثروبولوجية
كان الاتجاه العرقي الأنثروبولوجي من الناحية الايديولوجية أحد أكثر نُسخ الطبيعانية رجعيةً في علم الاجتماع. ظهرت العنصرية كظاهرة اجتماعية-نفسية منذ زمنٍ سحيق، ولكنها جُذِبت، في القرن التاسع عشر، على نطاقٍ واسع، ولأول مرة، الى فلك العلم. كانت الوظائف الايديولوجية الرئيسية لهذا الاتجاه هي تبرير امتيازات الطبقة السائدة في الدولة الرأسمالية والتوسع الاستعماري الامبريالي في السياسة الخارجية. يجب على المرء أن يتذكر أيضاً أن علم الأجناس، اي الأنثروبولوجيا الفيزيائية، كان في حالةٍ جنينية، وأنه كان هناك مجال واسع لأنواعٍ مختلفةٍ من صنع الأساطير والتأمل، التي حولت المعرفة العلمية غير الناضجة الى علمٍ زائف.
على الرغم من التنوع والفروق الدقيقة المتأصلة في بعض المفاهيم العرقية الانثروبولوجية، الا أنها كانت تتحد في عدة افتراضات اساسية: 1- ان الحياة الاجتماعية والثقافية هي نتاج للعوامل العرقية والانثروبولوجية. 2- ان الاعراق لم تكن متساوية، وهذا هو سبب عدم مساوة-("تفوق"، "نقص" و"خطر")- الثقافات التي تحتويها. 3- تحدّد السلوك الاجتماعي للناس كلياً أو في الغالب من خلال الوراثة البيولوجية. 4- ان الاختلاط العرقي Miscegenation ضار للغاية (أي الزواج او ممارسة الجنس بين شخصٍ أبيض وعرقٍ آخر-م. أ).
قدّم هذه الأطروحات بشكلها المتطور لأول مرة، الفيلسوف والكاتب والدبلوماسي الفرنسي جوزيف آرثر جوبينو Joseph Arthur Gobineau 1816-1882 في عملٍ مكونٍ من أربعة مجلدات (عدم مساواة الأعراق البشرية) Essai sur l‘inégalité des races humaines. سعى جوبينو الى اظهار أن المؤسسات الاجتماعية لم تشترط النشاط الحياتي للأعراق، بل على العكس، تحددت الأولى من قِبَلها. وأعلنت أنها كانت نتائجاُ وليست اسباب. كان الموضوع الرئيسي في عمله هو أن عدم المساواة المرتبط بالاختلافات العرقية، وصراع الأعراق النابعة منها، كانت سبباً لانحلال الحضارات وموتها. وفي حين كان متشائماً، انطلق من حتمية موت الحضارات، بما في ذلك الحضارة الأوروبية. ان الاختلاط العرقي (بالضرورة بمشاركة العرق "الأبيض") الذي ظهر في البداية كمصدرٍ ضروري لتطور الحضارة، أدى لاحقاً الى انحلالها وموتها. كانت تأكيدات جوبينو الرئيسية غائية، وظهر اختلاط الأعراق في تصوراته في وقتٍ واحدٍ كعلامةٍ على انحلال الحضارات وسببه، بحيث اتضح أنه كان معنياً في الواقع بـ(قابلية) الأعراق وليس (قابلية) الحضارات، بما أن الأولى هي الذات الرئيسي، بالنسبة له، للعملية الاجتماعية التاريخية. كانت العنصرية هي استمرار مباشر لنظرة جوبينو النخبوية. وكان معارضاً لجميع أشكال المساواة الاجتماعية وكافع لتمييز "التسلسل الهرمي" الحقيقي و"النخبة" الحقيقية المتضمنة فيها. نظراً لأن عدم المساواة العرقية كانت أساسيةً للغاية، ويتعذر استئصاله مبدئياً بالنسبة له، فقد وضعه جوبينو في مقدمة مفاتيح تفسيرات التاريخ. لقد فصّل الهرمية العرقية في شكل سلّمٍ من ثلاثة درجات، على الدرجة العليا منها (العرق الأبيض)، وفي الدرجة المتوسطة يقع (العرق الأصفر) وفي الجزء السفلي (الأسود). وأكد تفوق العرق الأبيض، لانه لعب الدور الرئيسي في خلق وتطوير جميع الحضارات. ولكن وفقاً له، كان هناك تسلسل هرمي داخل (العرق الأبيض) نفسه، وعلى قمته يقع الآريين.
وضع هيوستن ستيوارت تشامبرلن Houston Stewart Chamberlain، المواطن الألماني-الانجليزي 1855-1927، الذي عاش معظم حياته في ألمانيا، "فلسفةً تاريخيةً" عنصريةً أُخرى. كان عمله الرئيسي (أساسيات القرن التاسع عشر) Die Grundlagen des 19 Jahrhundrets الذي اعيد نشره مرات لا متناهية في الفترة النازية وما قبلها، حيث قدّم تفسيراً سطحياً ومتناقضاً ومغرضاً للغاية للتاريخ الأوروبي (20). ووفقاً له، فان "الانجاز الأسمى" لهذا التاريخ هو خلق الثقافة "التيوتونية"، أكثر ثقافة رفيعة من بين جميع الثقافات. كانت الثقافة التيوتونية هي وريث الثقافة الآرية، واحياءاً لروحها (21). قدّم تشامبرلن مساهمةً كبيرةً للغاية في انشاء الأساطير الخبيثة للفاشية الألمانية، لذلك لم يكن من غير سبب أن منحه النازيون لقب مُفكر "الشعب" و"نبي" الرايخ الثالث(22).
كانت السوسيولوجيا الأنثروبولوجية احدى تنويعات المدرسة العرقية الانثروبولوجية. ويُعد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي جورج فاشر دي لابوج Georges Vacher de Lapouge 1854-1936 والألماني أوتو امون Otto Ammon 1842-1916 أهم أنصارها.
اعتبر لابوج أن جوبينو هو رائد السوسيولوجيا الأنثروبولوجية، ولكنه صنّف تشامبرلن كمصممٍ أول لها(23). استندت أعمال لابوج على تفسير البيانات والقياسات الأنثروبولوجية، وبشكل أساسي، القيام بتحليل احصائي مُقارن للمؤشرات الجمجمية القحفية Cranial. (تعني المؤشرات القحفية، في الأنثروبولوجيا، العلاقة النسبية المئوية بين العرض الأقصى للرأس الى طوله الأقصى، ويعود هذا المفهوم لعالم التشريح السويدي اندرس ريسيز Anders Retzius في أربعينيات القرن التاسع عشر). وحسب لابوج، فان "موضوع دراسة السوسيولوجيا الأنثروبولوجية التفاعلات المتبادلة للعرق والوسط الاجتماعي(24). قدّم لابوج، تحت تأثير الداروينية ومفهوم الانتقاء الطبيعي، مفهوم الانتقاء الاجتماعي الذي يأخذ ستة أشكال: العسكري، السياسي، الديني، الأخلاقي، الحقوقي والاقتصادي(25). كان يعتقد أن كل هذه الأشكال لها تأثير ضار على التطور الاجتماعي ككل، نظراً لأن عدد اعضاء "النوع العرقي الأكثر قيمةً"- الأشقر-الطويل Dolicho-Blonds انخفض بشكلٍ مُطرد، وهو مهددٌ بالانقراض الكامل. نقرأ في احدى قوانين لابوج الكثيرة "قانون العصور" الذي يقول: "يميل المؤشر القحفي لأن يزداد باستمرار في كل مكان منذ عصور ما قبل التاريخ"(26).
ارتبط تشاؤم لابوج العميق قبل كل شيء بهذا (القانون)، الذي افترض اختفاء العرق "الأفضل". حاول في (قانونٍ) آخر، انشاء رابط عالمي بين مؤشر المرء القحفي وموقعه الطبقي(27).
يمكن أن نجد اطروحات مماثلة عند أنصار السوسيولوجيا الانثروبولوجية الآخرين، مثل امون، الذي أجرى عدداً من الدراسات الأنثروبولوجية القياسية بين عددٍ من مجندي الجيش والطلبة. في كتابه (النظام الاجتماعي وأسسه الطبيعية) Die Gesellschaftsordnung und Ihre natürlichen Grundlagen 1896، سعى الى الجمع بين مبادئ الداروينية الاجتماعية والعنصرية في تحليل المؤسسات الاجتماعية(28). ظهرت اصطناعية تراكيب علماء السوسيولوجيا الأنثروبولوجية بشكلٍ واضحٍ للغاية عندما أضطروا الى نسب قِصَر رأس الناس Brachycephalic People الذين دحضت قوانين السوسيولوجيا الأنثروبولوجية وجودهم الى "خطأ متلازمة براتشيسيفاليكي"(29).
تضمنت أعمال لودفيغ فولتمان Ludwig Woltmann 1871-1907 مُحاولةً لتلفيق العنصرية بالداروينية الاجتماعية. تميزت أعماله العديدة ببدائية مبتذلة ومحاكاة ساخرة للعلم من أجل اثبات أسطورة تفوق العرق (الألماني). لم تكن تصوراته الا مُجرد عقلنة للتحيزات العنصرية الابتدائية.
ومن أجل اعلان ضرورة تطوير مجتمعٍ عن طريق "زراعة الأعراق"، دعا أنصار المدرسة العرقية الأنثروبولوجية الى توفير أفضل الظروف والامتيازات للعرق الأعلى والتي تمثلها الفئات الاجتماعية العليا أو الناس "المُختارين". وبعبارةٍ أُخرى، فان محاولاتهم لوضع العوامل الانثروبولوجية في خدمة المجتمع والثقافة أخفت نقيضها: على المجتمع والثقافة أن يخدما عرقاً معيناً. بما أن الحقائق العلمية لم تؤكد الافتراضات العنصرية، فقد تم اعطاء مفهوم (العرق) معنىً رمزياً، بدلاً من تفسيره على أنه مجموعةُ من السمات الجسدية والأنثروبولوجية. كل ذلك، جعل المفاهيم العرقية الانثروبولوجية أداةً مفيدةً للسياسة الداخلية والخارجية للامبريالية والفاشية.
في حين تمت معالجة العمليات الاجتماعية كمُنتَج وشكل مقلوب لـ"صلة الدم"، لم تكن الاتجاهات العرقية الانثروبولوجية تياراً رجعياً في السوسيولوجيا وحسب، بل كانت، في جوهر الأمر تياراً مُعادياً للسوسيولوجيا، لان موضوع السوسيولوجيا، المجتمع، عندهم، تحول، وتم حله الى العرق مُعالجاً كذاتٍ اجتماعية اساسية للفعل التاريخي.

5- المدرسة البيو-عضوية
كان هناك العديد من أنواع المفاهيم العضوية للتاريخ، في الفكر الاجتماعي. في القرن التاسع عشر وحده، يمكن للمرء أن يلاحظ التالية: 1- (هيغل، شيلنغ والرومانسيون)، والذين عارضوا اسمية وميكانيكية تنوير القرن الثامن عشر ومفاهيمها التعاقدية عن المجتمع، 2- العضوية الاجتماعية السيكولوجية والتي رأت الطابع التكاملي للمجتمع في العقل الاجتماعي والرأي والتعبير عن الارادة كواقعٍ مستقل، 3- وأخيراً النظريات البيو-عضوية. لقد تم تشبيه المجتمع بالفعل بالكائن الحي منذ أعماق العصور القديمة(30). ولكن التوجه القوي لبيولوجيا كونت وسبنسر التطورية ميّز المدرسة البيو-عضوية. عادةً ما يجمع المؤرخين هذه المدرسة مع المدارس التي تستخدم مفهوم (المجتمع) ومفهوم (العضوية) كمترادفات، والتي تنطلق من نقطة أن المجتمع، مثل الكائن الحي، ليس مجموعاً بسيطاً من الأفراد (الخلايا) المنفصلة، ولكنه ما كلٌّ ما فوق فردي Supra-Individual. اكتسب المجتمع، ككُل Whole، صفاتٍ جديدة، وبهذا المعنى يكون أكبر من مجموع أجزائه. وبالتالي هناك أسبقية للكل على الجزء. لا يمكن فهم وظائف الأجزاء (الأعضاء) الا من خلال وظائف الكل التي تنتمي اليه. في مخطط مُنظري هذه المدرسة، يجب على الارتباطات المقارنة بين الأنظمة الاجتماعية، والعضويات البيولوجية أن تساعد على اظهار بنية (تشريح) ووظائف (فسيولوجيا) العضوية الاجتماعية، وأجهزته (مؤسساته)، وعناصره (عادةً، الأفراد او العائلات) سواءاً فيما يتعلق بكل أو بعلاقتها ببعضها البعض. واستندت هذه المنهجية الى فكرة وحدة قوانين التطور Evolution، والتي انتقلت في مرحلةٍ معنية من الفرد، الى انشاء "عضويات فائقة"، أي الى مجتمعاتٍ من الحيوانات والبشر(31). تم التفكير بالتطور الاجتماعي كعمليةٍ خطيةٍ لا رجعة فيها وعمليات مشروطة داخلياً كنمو العضوية (على الرغم من وجود صيَغ أكثر حذراً في نظريات المدرسة عند حديثها عن الطبيعة المحددة للحركة التاريخية).
شبّه العضويون تطور المجتمع بالعضوية البيولوجية وفقاً لقانون مولر وهيكل عن "الوراثة البيولوجية الأساسية"، بتفسيره المُبسط، الذي يقول بأن (النشوء على مدار ملايين السنين Ontogenesis يُكرر نمو الفرد على مدار سنوات قليلة Phylogenesis). من وجهة نظرهم، تتم اعادة انتاج المراحل العالمية لتاريخ الحضارات Social Phylogenesis نمائياً Ontogenetically في التواريخ الفردية للأمم والدول والمستعمرات الجديدة الصاعدة في الظروف الحديثة(32).
من خلال سعي علماء السوسيولوجيا البيو-عضوية الجمع بين فكرة سبنسر عن التمايز وقانون الجينات البيولوجي، تنبأوا بالمراحل المستقبلية للتطور الاجتماعية وأعادوا انشاء التطور الماضي. عادةً ما اعتُبِرَت الظواهر والوظائف الاجتماعية الأكثر تعقيداً وتمايزاً، كظواهر أحدث من حيث وقت المنشأ، في حين أنها ايضاً الأكثر حساسيةً للاضطرابات الاجتماعية، مُعرضةً للخطر والتغير(33).
استخدم الشخصية الروسية الكبيرة (من أصلٍ الماني) بول ليلينفيلد Paul Lilienfeld 1829-1903، الذي نشر أعماله باللغة الألمانية، استخدم المنهجية العضوية في السوسيولوجيا بشكلٍ متطرف. ووفقاً له، ان المجتمع البشري، مثل العضويات الطبيعية الأخرى، هو كائنٌ حقيقي. اختلف المجتمع عن العضوية الحية في كونه أقل اندماجاً. لكن عنت الحركة الكبيرة للعناصر (الأفراد) في العضوية الاجتماعية، بأنها تنتمي الى صنفٍ أعلى من العضويات. يؤدي المجتمع، كونه نظاماً لتفاعلات الناس، نفس الوظائف التي تؤديها العضوية الحية، اعادة انتاج ذاتها، النمو، التمايز، المرض، الموت، التوالد، اندماج الأعضاء، الخ. والسوسيولوجيا تستند الى البيولوجيا ويجب أن تُطبق قوانينها.
كان عالم الاقتصاد وعالم الاجتماع الألماني البيرت شافل Albert Schäffle 1831-1903 من انصار المدرسة البيو-عضوية الرائدين. وفي حين أنه شارك بكامل قناعاته مع المدرسة بتفوق المنهج الكلياتي Wholist للظواهر الاجتماعية، الا أنه اختلف عنهم بتبنيه لتقالد المثالية الألمانية.
لقد أعلن أن العلاقات الذهنية بين الناس، والمُثل وانماط الاتصال والتخالط التكنيكية، كموضوع لدراسة السوسيولوجيا. يمكن رؤية ذلك في تعريفه للمجتمع الذي (وفقاً له) كاجتماعٍ لا يتجزأ من العضويات الفردية الذي ينهض على تربة الأفعال الذهنية الصرف التي تتمظهر بالرموز التي تعبر عن الأفكار والأفعال التكنيكية والتي بدورها تخلق الأدوات وتجسد منتجات التفكير الانساني في الأشياء الخارجية. يختلف اجتماع الأفراد عن الروابط البيولوجية للخلايا. ان جوهر الاجتماعي لا يكمن في الروابط الفسيوكيميائية والبيولوجية، ولكن الروابط الفكرية Ideal (أي النفسية) المُعبّر عنها في أفعالها الرمزية والتكنيكية (في "الفن العملي"). ليست الروابط الاجتماعية-النفسية، بالنسبة الى شافل، مثاليةً Ideal صرف. يثير تبادل النشاط الذهني بين الأفراد المنفصلين في المجتمع، والذي يؤدي الى الحفاظ على كماله، الحاجة الى انشاء رموز ووسائل اتصال ومؤسسات مساعدة خاصة للحفاظ عليها (على الرموز ووسائل الاتصال). عندها فقط، يخدم التفاعل الذهي الروحي بمثابة منسق لـ"الجسد الاجتماعي" وكوسيلة لحفظ كليته Wholeness وتماسك الأجزاء المنفصلة وظيفياً(34). جعل تطور الرموز المادية القادرة على الوجود بشكلٍ مستقلٍ نسبياً، تراكمها وتحولها وشموليتها وبقاءها لوقتٍ طويلٍ (التقاليد) ممكناً. نهضت الذاكرة الجماعية، والتي باستطاعتها قياس مدى تقدم المجتمع. ان وجود الوعي الجمعي في تعاقب الأجيال هو احدى سمات المجتمع المتأصلة في المجتمعات العضوية. قسّم شافل الدراسة الكلية للأشكال والوظائف الاجتماعية الى التشريح الاجتماعي، المورفولوجيا الاجتماعية (علم وظائف الأعضاء) المعنية بـ(الأعضاء والأنسجة الاجتماعية)، اي بالتنظيمات والمؤسسات والروابط الجماهيرية الأُخرى، والسيكولوجيا الاجتماعية التي تهدف الى دراسة الحياة الذهنية للمجتمع.
يمكن القول، أن اطروحات شافل العضوية البيولوجية هي أقل أهميةً واثارةً للاهتمام من أفكاره السوسيو-سيكولوجية. على سبيل المثال، أثار مذهبه حول أنواع "الأنسجة الاجتماعية" الخمسة، المماثلة للأنسجة العضوية، نقداً كثيراً. ان لدى النوع الخامس، على سبيل المثال، أي الأنسجة السيكوفيزيائية، طابع المؤسسات التي تعمل في المجال الذهني وتمارس السيطرة العامة والخاصة، وهي تطابق الأنسجة العصبية، وهو يعالج كل أنواع "الأنسجة الاجتماعية" بطريقة مماثلة.
ولكن هذه "الأنسجة الاجتماعية" تشكلت بواسطة توحيد مثالي Ideal للعناصر الفاعلة (الناس وتجربتهم العملية المتراكمة)، والعناصر الخاملة (الثروة المادية). ان التنظيم العام لـ"الجسد الاجتماعي" هو بنية متكونة من تلك العناصر تتزايد تعقيداً باستمرار. ينفذ "الجسد الاجتماعي" نشاطه حياته "الفسيولوجي" من خلال المكونات النشطة (الأفراد والجماعات من السكان) وفقط لأجلهم. قام شافل بنفسه، على نحوٍ عارض، مثل العلماء العضويين الآخرين، بالتحفظ الدائم على استخدامه تشابهاتٍ عضوية، وكان يقول بأنها تساعد على كشف المفاهيم الاجتماعية بشكلٍ لافتٍ للنظر، وبأن "الجسد الاجتماعي" هو ليس عضويةً بالمعنى البيولوجي، وحتى العنصر البيو-سوسيولوجي للروابط الاجتماعية في الاتحادات الزواجية تكتسب طابعاً روحياً وذهنياً متزايداً، الخ. استخدم شافل، تحت تأثير النقد، مقارناتٍ عضوية-بيولوجية بشكلٍ أكثر اعتدالاً في الطبعة الثالثة لعمله المكون من مجلدين (بُنية وحياة الجسد الاجتماعي) Bau und Leben des socialen Körpers 1869(35)، من طبعته الأولى ذات الأربعة مجلدات 1875-78، وحتى انه لاحقاً امتنع عن هذه المقارنات، مع احتفاظه بمبدأ النهج التكاملي.
ذهبت معظم الاتجاهات العضوية تقريباً بتطور مماثل، على وجه الخصوص الفرنسي رينيه وورمز Réné Worms 1869-1926 محرر المجلة السوسيولوجية الدولية. تقدم بكتابه (التنظيم والمجتمع) Organisme et société(36) كعضوٍ نموذجي في الجناح المبتذل للمدرسة، واستخدم على نطاقٍ واسعٍ، مثل ليلينفيلد، مصطلحاتٍ مثل "علم الأمراض الاجتماعية" و"أمراض المجتمع" (للدلالة على الاضطرابات الاجتماعية). واستخدم مصطلحات مثل "النظافة الاجتماعية" و"التحسين" (للدلالة على الاصلاحات الاجتماعية)، و"انتشار المجتمع" لكي يتحدث عن التوسع الاستعماري، الخ. انتقد في أعماله الأخيرة وجهات نظره السابقة وخَلصَ الى أن النظريات العضوية مناسبة فقط للمجتمعات البسيطة، حيث دخلت عوامل جديدة في المشهد الاجتماعي لاحقاً وصفتها النظريات التعاقدية بشكلٍ أفضل. أصبح "الاتصال الروحي" بين الناس العامل الاجتماعي الرئيسي بالنسبة له في تلك الفترة(37). وهكذا انتقل من التأكيد على الوحدة البيولوجية للمجتمع، الى الفهم الاجتماعي السيكولوجي لكليته.
أعطت المدرسة البيو-عضوية مفهوم الصراع من أجل البقاء، مكاناً أكثر تواضعاً في تطور المجتمع، مما قامت به الداروينية الاجتماعية، على الرغم من أن كلا المدرستين اعتبرتا المجتمع جزءاً من الطبيعة في أعلى تعبيرٍ لها، والذي يجب أن يتجلى فيه قانون الطبيعة. بالنسبة لوورمز، على سبيل المثال، اِشتُق الصراع من أجل البقاء (والذي أخذ شكل المنافسة في المجتمع)، من قانون التكيف البيولوجي. ان قوانين الطبيعة والمجتمع، على الرغم من وحدتهما، يتجليان بشكلٍ مختلف في الطبيعة والمجتمع. ان الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء هي أقل عنفاً بين الناس. اعتبر وورمز أن الصراع والاشتباك لم يكونا الشيء الأساسي والضروري، بل العمل والنشاط الخلّاق، ليس الصراع بل جهد العيش.
كُرست العديد من أعمال عالم الاجتماع والشخصية العامة جاك نوفيكو Jacques Novicow 1849-1912 الذي عاش في فرنسا، للنضال ضد الداروينية الاجتماعية وللدعاية الى أفكار التضامن العضوي والسلام بين الناس. كان التقدم بالنسبة له، تجلياً خاصاً لقانون التوازن العام Law of Equilibrium، ومن وجهة النظر السياسية انه تحقيق الوحدة التامة لوجهات نظر الناس واتفاقهم، أي التوازن الذهني.
عادةً ما يتم تضمين الفيلسوف التلفيقي وعالم الاجتماع الفرنسي الفريد فويلي Alfred Fouillée 1838-1912 والبيولوجي والسوسيولوجي الفريد اسبيناس Alfred Espinas 1844-1922 كأعضاءٍ في المدرسة العضوية.
حاول فويلي الجمع بين الوضعية والمثالية، ومبادئ الحتمية بالارادة الحرة والشخصانية. اعتبر انه من المستحيل اختزال النفسي Psychological الى الجمعي، والأخلاقي الى الاجتماعي. ان المجتمع بالنسبة له هو كائن نفسي و"تعاقدي" لا يوجد الا من خلال الأفراد، وتحكمه الوراثة الاجتماعية الحتمية والعقد الحر(38). يمكن اعتبار اسبيناز أحد أسلاف علم نفس الحيوان Zoopsychology وعلم سلوكها Ethology. شجع علم الحيوان، في رأيه، من خلال دراسة الارتباطات بين أفراد الممالك الحيوانية، على ولادة علم الاجتماع. ان المقارنة بين تلك الروابط والمجتمعات أقرب بكثير مما هي بين روابط الخلايا والمجتمع(39). احتوت المنهجية العامة للمدرسة العضوية على مبادئ صحيحة تغلغلت في تاريخ السوسيولوجيا ومبادئ خاطئة لطالما رفضتها.
كانت محاولة مفهمة البٌنى والروابط الوظيفية ذات قيمة. ان مسألة الجمع بين الصورة "العضوية" للكل الاجتماعي والنظرات الجينية التطورية، دائمةً في شكلها المعدل التي انتقلت الى الاتجاهات البنيوية الوظيفية والاتجاهات الأُخرى. على الرغم من أن التطورية كانت احدى مصادر تغذية المدرسة، الا أن تركيبها للنظرات العضوية النشوئية لم يكن ناجحاً، ونتيجةً لذلك لم يتمكن العضويون من تقديم تفسيرٍ مُرضٍ للتغيرات الاجتماعية. في بداية نشاط المدرسة، تم اختزال الأنواع المحتملة من الكيانات الاجتماعية والثقافية الى نموذج واحد، وهو كلية العضوية البيولوجية. ولكن لم يتبع من حقيقة أن المجتمع ليس مجرد جمع بسيط للأفراد وشكّل وحدةً ما، بأن كليته كانت متطابقة مع كلية العضوية البيولوجية، وبأن اعتمادياته الاجتماعية-الثقافية شبيهة بالبيولوجي. ان انطباق بعض الصيغ العامة على مواضيع مختلفة لم يكن يشير الى انطباقها في نواحٍ أُخرى. ان لدى خطأ الاتجاه نحو نمائية وحدة المجتمع، الذي يميز المدرسة العضوية، او باتجاه معالجة الوحدة كمعيار، معنىً سياسي رجعي، لان أي حركة ثورية تُعتبر خرقاً للوحدة العضوية للمجتمع، كشذوذ ومرض اجتماعي. من خلال استبدال المدرسة البيو-العضوية للشكل الميتافيزيقي من مفهوم "العضوية الاجتماعية" (على سبيل المثال الشكل الرومانسي، والشكل الهيغلي) بمفهومٍ وضعي جديد، ووضع قوانين الطبيعة والعضوية البيولوجية في مكان مفهوم "العناية الالهية" و"الروح الموضوعية"، لم تكن المدرسة قادرةً على عكس أهمية الشخصية وارادة الفرد في نظرياتها.
في حين تطرح مسائل مهمةً ذات سمات أولية متشابهة في تطور وتنظيم مجتمعات الحيوانات والناس، استهانت المدرسة بالخصائص النوعية المحددة للمجتمع البشري. يستخدم السوسيولوجيين الماركسيين مفهوم العضوية الاجتماعية، من أجل التأكيد على كلية المجتمع كنُظم وعلاقات للعمليات الاجتماعية، في حين أنهم لا يستبدلون القوانين الاجتماعية بأُخرى بيولوجية.

6- المدرسة الداروينية الاجتماعية
يمكن التماس تأثير الداروينية بطريقةٍ أو بأخرى في مفاهيم مُعظم أنصار التفكير السوسيولوجي، وعلى الخصوص غابرييل تارد Gabriel Tarde وليستر وارد Lester Ward وفرانكلين جيدنغز Franklin Giddings واميل دوركهايم Emile Durkheim. بالنسبة لهم ولعددٍ من علماء الاجتماع الاخرين، لعبت الداروينية دوراً تحفيزياً أو اداةً منهجيةً مساعدة. لكن بعض العلماء غير الماركسيين جعلوا نظرية التطور البيولوجي الأساس المباشر لنظرياتهم الاجتماعية، مُعالجين الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء، كعوامل أساسيةً للحياة الاجتماعية. تحولت الداروينية، بالتالي، من نظرية في العلوم الطبيعية الى الداروينية الاجتماعية.
يجب على المرء أن يؤكد أن داروين نفسه، وغيره من مؤسسي الداروينية مثل الفريد والاس Alfred Wallace وتوماس هكسلي Thomas Huxley، كانوا معارضين للنقل المباشر للمفاهيم البيولوجية الى مجال العلوم الاجتماعية. لذلك، لا يمكن اعتبار داروين مؤسس الاتجاه الذي أصبح يُسمى فيما بعد الداروينية الاجتماعية. ان الشخص الذي قدم لأول مرة، بشكلٍ منهجي، مبادئ النظرية التطورية في مجال العلوم الاجتماعية كان هربرت سبنسر، الذي عالج الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء، والبقاء للأقوى، ليس فقط كظواهر بيولوجية ولكن ايضاً كظواهر اجتماعية. كان هو من ابتكر المدرسة الداروينية الاجتماعية. لم تكن الداروينية الاجتماعية مجرد اتجاه سوسيولوجي، ولكنها أصبحت منتشرةً ايضاً في العلوم الاجتماعية الأخرى والأدب الدعائي والخيال والأدب.
ان فكرة وجود (مدرسة) داروينية اجتماعية واحدة ذات مبادئ نظرية مشتركة هي تبسيط مفرط. بين الناطقين باسم الداروينية الاجتماعية، يلتقي المرء بالمادين المبتذلين، والمثاليين والواقعيين الاجتماعيين الذين عالجوا الكل الاجتماعي على أنه مستقل عن الأفراد الذين يؤلفونه، و(الاسميين) الذين يقبلون الأفراد فقط، كحقيقة، والعنصريين، والمعادين للعنصرية، اصلاحيون ليبراليون وأنصار عفوية التطور الاجتماعي.
ان مدى ربط الداروينيين الاجتماعيين للعمليات الاجتماعية بالعمليات البيولوجية كان متبايناً. بنى بعضهم تصوراتهم مباشرةً على مبادئ الانتقاء الطبيعي، والصراع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح. جادل آخرون حول الطبيعة المحددة لتمظهر هذه المبادئ في عالم الحياة الاجتماعية، لكنهم ظلوا في سياق هذا المخطط المفاهيمي. حاول عالم الاجتماع الايطالي ميشيل انجيلو فاكارو Michele Angelo Vaccaro 1854-1937، على سبيل المثال، أن يُظهر، في كتابه (الصراع من أجل البقاء وتأثيره على الانسانية) 1885 الفرق بين الصراع من أجل البقاء بين الحيوانات من جهة، وبين الناس، من جهةٍ أُخرى(40). ولكن لم يكن لدى السوسيولوجيين الذين يمكننا أن نُطلق عليهم تسمية الداروينيين الاجتماعيين بالمعنى الضيق تأثير كبير على التطور اللاحق للفكر الاجتماعي.
ان أنصار النسخة الأخرى من الداروينية الاجتماعية لم يختزلوا العمليات الاجتماعية مباشرةً الى العلميات البيولوجية، حتى أن بعضهم عارضوا المقارنات البيولوجية بالاجتماعية. كانت تصوراتهم قريبةً من الاتجاه النفسي، وكانت شروط انطباق تسمية الداروينية الاجتماعية عليهم، قليلة في كثيرٍ من الأحيان. ومع ذلك، كان لديهم ايضاً توجهٌ نحو ظريقةٍ معينةٍ لتفسير النظرية التطورية، والتي تم عرضها، في المقام الأول، باعطاء الصراعات الاجتماعية Social Conflicts المكان الأول في مفاهيمهم. كانت معالجة الحياة الاجتماعية كساحٍ للصراع القاسي بين الأفراد والجماعات هي السمة الأكثر شيوعاً التي توحد كل الداروينيين الاجتماعيين. لم يكن ازدياد الاهتمام بمسألة الصراع في نهاية القرن التاسع عشر عرضياً بأي حالٍ من الأحوال، حيث أصبح التناحر الطبقي والصراع بين الدول الرأسمالية حاداً بشكلٍ غير معتاد في تلك الفترة.
في حين أن مفهوم الصراع Conflict ينبع مباشرةً من نظرية التطور البيولوجي في الصنف الأول من الداروينية الاجتماعية، فقد كان غير مباشرٍ في الصنف الثاني، أو مأخوذاً بشكلٍ عام من مصادر اخرى. ان علماء الاجتماع الذين سنفحص مفاهيمهم الان ينتمون الى هذا الصنف الثاني من الداروينية الاجتماعية.
كان والتر باجيهوت 1826-1877 الشخصية الانجليزية العامة والاقتصادي وعالم السياسة من أوائل الذين حاولوا تطبيق مبادئ نظرية داروين في العلوم الاجتماعية، في كتابه (الفيزياء والسياسة) Physics and Politics 1872. لقد أكد على الدور الهائل للانتقاء الطبيعي بشكل رئيسي في الفترة الأولى من تاريخ الانسانية.
أياً كان ما يمكن أن يُقال ضد مبدأ "الانتقاء الطبيعي" في الأقسام الأخرى، فانه لا شك في هيمنته على تاريخ البشرية المبكر: الأقوى يقتلون الأضعف قدر استطاعتهم (41). وفقاً له، اشتعل الصراع في عالم البشر بين المجموعات وليس الأفراد. اعتبر أن سعي بعض الدول للسيطرة على الاخرى، وداخل الدول، ودافع بعض المجموعات الاجتماعية للهيمنة على المجموعات الأخرى، كقانون اجتماعي رئيسي(42).
وفي أثناء تأكيده على الدور المهم للغاية للصراع بين المجموعات، اولى باجيهوت اهتماماً كبيراً في نفس الوقت للتضامن داخل المجموعة، كعامل محاكاة Imitation. وهكذا تقدم بصفته بشيراً لتارد، الذي جعل المحاكاة مفهوماً مركزياً عنده. اعتبر بايجهوت أن المحاكاة تحتل المركز الأكثر أهميةً في حياة المجتمعات البدائية، وانه مرتبط بالطبيعة غير المتمايزة لمختلف مجالات الحياة الاجتماعية، بتنظيمٍ تفصيلي لسلوك الفرد وقسوة ووحشية العقوبات ضد الانحرافات عن الأنماط المعمول بها. الى جانب ميول المحاكاة، لاحظ بايجهوت وجود ميول مضادة، بمعنى أن الناس يحاولون أن يختلفوا عن أسلافهم، مما يوفر امكانية التقدم. واعتبر الظروف المثلى للتقدم هي تلك التي توجد فيها علاقةً مناسبةً بين الاتجاهين، أي الاتجاه الى الاختلاف الذي يفتح الطريق أمام الابتكارات، واتجاه المحاكاة، الذي يكفل التضامن الاجتماعي.
على عكس باجيهوت، لم يستنتج عالم الاجتماع النمساوي والمحامي لودفيغ جومبلوفيتش Ludwig Gumplowicz 1838-1909 مفاهيمه مباشرةً من النظرية التطورية. لقد كان مُعارضاً للتشبيهات البيولوجية وانتقد كونت وسبنسر وليلينفيلد الذين استخدموها كمبدأ توضيحي. لم تكن التشبيهات البيولوجية، بالنسبة له، ذات أهميةٍ لعلم الاجتماع، ولكنها تقدم صوراً فقط، ولا تسفر أبداً عن اية معرفة. غالباً ما وصف مؤرخي السوسيولوجيا مفاهيم جومبلوفيتش بأنها داروينية اجتماعية، ويرجع ذلك أساساً الى مقاربته للمجتمع كمجموعٍ للمجموعات التي تتصارع بلا رحمةٍ فيما بينها من أجل الهيمنة. اعتبر المفهوم الطبيعاني للتاريخ، الذي اشترك به، مع الداروينيين الاجتماعيين، اعتبر الانسانية جزءاً من الكون والطبيعة، كجزءٍ يحكمه نفس القوانين الأبدية ككل. ان أس علم الاجتماع، وأرقى حقائقه، وكلمته الأخيرة، هو بالنسبة له، تاريخ البشرية كعملية طبيعية.
يتأصل التفسير القطعي القَدَري والضروري القاطع للقوانين الاجتماعية في مفاهيم جومبلوفيتش. يظهر الفرد وحريته، في تفسيره، كواقعٍ زائف، او كواقعٍ من الدرجة الثانية. أما المجتمع، يظهر، على العكس من ذلك، كواقع ليس فقط لا يمكن اختزاله الى الأفراد المكونين له، ولكنه موجودٌ فوقهم وبصرف النظر عنهم. ان السوسيولوجيا بالنسبة الى جومبلوفيتش هي الأساس الفلسفي للعلوم الاجتماعية جميعاً، والتي يكون وظيفتها تحقيق الصلة بينها. على عكس فلسفة التاريخ والتي تتمثل مهمتها في تفسير أصل البشرية وتطورها، يتُعنى السوسيولوجيا بدراسة الفئات الاجتماعية والعلاقات بينها. لقد اعتبر أن الصراع المستمر والقاسي بين مختلف الفئات الاجتماعية عاملاُ رئيسياً في الحياة الاجتماعية. أعلن أن القانون الاجتماعي الرئيسي هو دافع كل مجموعة اجتماعية أن تُخضع لنفسها كل المجموعات الاجتماعية التي تقف في طريقها، اي الدافع للاستعباد والهيمنة.
وحسب جومبلوفيتش، كانت القبيلة، هي المجموعات البدائية التي كانت موجودةً في التاريخ، والتي اتحدت على أسس انثروبولوجية واثنية. كان جومبلوفيتش سباقاً لسمنرSumner في معالجته للعلاقات بين القبائل. لقد تقدم بمفهوم "المركزية الاثنية" الذي استخدمه سمنر لاحقاً، وعرفه على أنه الشرط الذي يجعل الناس يعتقدون أنه يحتل أعلى نقطة ليس فقط بين الشعوب والأمم المعاصرة ولكن ايضاً بين جموع شعوب الماضي(43). وجد جومبلوفيتش حالةً من العداء المستمر بين القبائل. في حين كانت نتيجة الاشتباكات في بداية الأمر تقود الى الابادة الجسدية للمهزومين، الا أنه في وقتٍ لاحق، استولى المنتصرين على المهزومين، ونشأت الدولة نتيجةً لذلك. لكن الصراعات بين المجموعات لم يختف. استمر الصراع الأساسي متعذر الاستئصال بين المجموعات بشكلٍ كبير. ما كان صراعاً بين قبائل مختلفةً انتثروبولوجياً على المستوى الأكثر بدائيةً، تحول، في أعلى مراحل التطور، الى صراع الجماعات الاجتماعية والطبقات والدول والأحزاب السياسية.
ان التقسيم الأكثر شيوعاً ورئيسيةً، للمجموعات الاجتماعية في مفاهيم جومبلوفيتش، هو التقسيم: الحكام والمحكومين. كليهما كان لديه دافعٌ للسلطة. يتم التعبير عن هذا في الطبقات الحاكمة عبر الاستغلال بأشد ما يمكن، وبالتالي في استعباد الطبقات التابعة، أما في الطبقات المحكومة فيتجلى التعبير عن هذا الدافع في زيادة شدة المقاومة وفي اضعاف الاعتماد على الطرف الأول.
لماذا تكتسب العلاقات بين الجماعات باستمرار طابع الصراع العدائي؟ رداً على ذلك، قدّم جومبلوفيتش جرعةً قويةً من الطبيعانية والمادية الاقتصادية المبتذلة. لقد فسّر السبب النهائي لجميع العمليات الاجتماعية، بما في ذلك الصراعات التي تشكل جوهرها، في سعي الانسان لتلبية حاجاته المادية. في هذا الصدد، ادعى أن الدوافع الاقتصادية كانت دائماً وفي كل مكان سبب أي حركة اجتماعية، وهي تحكم كل الدولة والتطور الاجتماعي. الاحتياجات حسب قوله، لا يمكن تلبيتها بأي طريقةٍ أُخرى الا من خلال اجبار بعض الجماعات الأخرى وممارسة العنف ضدهم. غالباً ما استخدم جومبلوفيتش مصطلح "العرق" (ولا سيما في الفترة الباكرة من أعماله)، وحتى في أعماله الرئيسية (العرق والدولة) Rasse und Staat 1875 و(صراع الأعراق) Der Rassenkampf 1883. لقد فهم العرق على أنه ظاهرة اجتماعية وثقافية، وليس ظاهرة بيولوجية. لقد تعامل مع "صراع الأعراق" على أنه صراع الكيانات الاجتماعية والمجتمعات غير المتجانسة(44). وشدد بكل الطرق على الدور الصغير الذي لا يقاس للوراثة البيولوجية، والدور الحاسم للبيئة الاجتماعية في تحديد السلوك البشري، مشيراً الى أن العرق الصرف ليست موجودةً في الوقت الحاضر، بينما يحتل اختلاط الاعراق أهمية ايجابية. هل يعني هذا أنه لم يعترف بشكلٍ عام بأهمية الاختلافات العرقية (بالمعنى المادية والانثروبولوجي) في التطور Evolution الاجتماعي؟ يجب على المرء أن يجيب على ذلك بالنفي. اعتبر هذه الاختلافات حاسمة في المراحل الأولى من التطور الاجتماعي. واعتبر أن العامل العرقي آنذاك كعامل للاغتراب الاجتماعي النفسي، والذي تم دفعه بأسباب أخرى في سياق التطور الاجتماعي اللاحق.
كانت تصورات جومبلوفيتش متناقضةً للغاية. على سبيل المثال، ادعى أن مشاكل المرحلة الأولى من تطور المجتمع لم تندرج ضمن اختصاص علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية الأخرى. في الوقت نفسه، احتكم الى اللحظات الابتدائية الأولى من هذا التطور، متابعاً التطورية السبنسرية والتي عالجت التشكيلات الاجتماعية المعقدة كتجميعات بسيطة. أظهر جومبلوفيتش أن موضوع علم الاجتماع (بتمييزه عن فلسفة التاريخ) لم يكن الانسانية، ولكن المجموعات الاجتماعية. في الوقت نفسه، تصور أنه يمكن وضع الانسانية، كموضوعٍ للدراسة السوسيولوجية العلمية.
كان التناقض الرئيسي في نظريته، هو أنها، من ناحية، اعلنت أن الطبيعة المحددة للظاهرة الاجتماعية وعدم قابلية اختزالها الى الفرد والانسان، ومن ناحيةٍ أُخرى كان الأساس النهائي للظواهر الاجتماعية هو دائماً وفي كل مكان طبيعةً انسانيةً ثابتة تسعى بدأب لاشباع الحاجات لتصل الى الهيمنة، الخ. ظل ادعاءه بوجود صنف خاص من الظواهر الاجتماعية الذي يختلف عن غيره من ظواهر الواقع، اعلاناً مُجرداً. قاده اضفاء صفة الطبيعانية على العمليات الاجتماعية الى نفس الاختزالية البيوسيكولوجية التي كان يُعارضها دائماً. كانت مفاهيم جومبلوفيتش خاطئة لانها استندت الى التقليل من شأن العوامل الداخلية لنشاط وتطور المجموعات الاجتماعية، بحيث رأى سبب نشوء الدولة في اخضاع بعض المجموعات الاثنية الى اخرى، متجاهلاً دور التمايز القَبَلي الطبقي في هذه العملية.
وفي الوقت الذي كان يعالج فيه مسائل العنف والصراع كعوامل أساسيةً للحياة الاجتماعية، لم يُعر الاهتمام بأهمية التضامن والتعاون.
كانت تصوراته متوافقة مع مفاهيم عالم الاجتماع النمساوي الآخر، غوستاف راتزينهوفر Gustav Ratzenhofer 1842-1904 مؤلف الكتب (الطبيعة وهدف السياسة) Wesen und Zweck der Politik 1893، و(المعرفة السوسيولوجية) Die Sozioloische Erkenntnis 1898، (ما بعد موت السوسيولوجيا) Posthumously soziologie 1908. اعتبر ظواهر وعمليات الحياة الاجتماعية الرئيسية ما يلي: الحفاظ على الذات وتكاثر الأفراد، تغير الفرد والأنماط الاجتماعية، الصراع من أجل البقاء، عداء الأعراق المطلق، التوزيع المكاني، التمايز العرقي، الهيمنة والخضوع، تعاقب تفريد Individualization وجتمعة البُنى، التغير في المصالح، الدولة، المجتمع العالمي. اعتبر نفسه، مثل جومبلوفيتش، من أنصار الواحدية Monism، مدعياً أن نفس الانتظامات التي تعمل في الطبيعة موجودة في المجتمع، في هذا الصدد اعترض على وضع علوم الطبيعة مقابل علوم العقل. ان الانتظامات السوسيولوجية، تبعاً له، قريبة من تلك الكيميائية، وخصوصاً البيولوجية. ان السوسيولوجيا هي علم فلسفي يهدف الى توفير أساس لجميع العلوم الاجتماعية والسياسة. في حين اعتبر الصراع Conflict كعلمية اجتماعية رئيسية، جعل راتزينهوفر مقولة (المصلحة) حجراً للزاوية. ان المصلحة هي المبدأ الرئيسي الذي يحكم العمليات الاجتماعية، وهو المفتاح من أجل فهمها. تم تصوير الحياة الاجتماعية في تفسيره على أنها مسرح لمختلف المصالح. ميّز خمسة أنواع من المصالح: الانجاب (تحفيز استمرار النوع)، الفسيولوجيا (المرتبطة بالتغذية)، الفرد (المرتبط بالدافع الى التأكيد الذاتي)، المصلحة الاجتماعية (القرابة والمجموعة)، والمصلحة المتعالية (الدين). ليست المصلحة سوى الوعي بالاحتياجات البيولوجية والدوافع الفطرية التي تحكم الصراع من أجل البقاء. نشأت المجموعات الاجتماعية كمنظمة للأفراد لأغراض هذا الصراع. على عكس جومبلوفيتش، فسر العمليات الاجتماعية، في نهاية المطاف على أنها فردية، والمجموعة على أنها نتاج التفاعل بين الأفراد.
أثرت مفاهيم راتزنهوفر على عالم الاجتماع الأمريكي البيون سمول Albion Small 1845-1926. عالج سمول المصلحة، مقتفياً اثر راتزنهوفر، على أنها الكيان الرئيسي للدراسة الاجتماعية، وكان على المصلحة، من وجهة نظره، أن تخدم "في السوسيولوجيا، نفس الهدف الذي يقوم به مفهوم الذرات في العلوم الفيزيائية(46). كتب يقول "ان عملية الحياة ككل، هي في النهاية عملية تطوير، وتكييف واشباع المصالح"(47).
عرّف سمول المصلحة بشكلٍ غامضٍ على النحو التالي: المصلحة هي قدرة غير مُلباة، تتوافق مع حالة غير مُحققة، وهي اعادة موضعة للترتيبات التي تميل الى تحقيق تلك الحالة المُشار اليها"(48).
ان أكثر اصناف المصالح عموميةً هي التالية: الصحة والثروة والمشاركة والمعرفة والجمال والحق(49). وتمتلك المصلحة جانبين: ذاتي (الرغبة) وموضوعي حيث يمكن الاحساس بالحاجة، أي "بالأمر المرغوب". الظاهرة الاجتماعية ككل، تبعاً له، هي نتاج التفاعل بين ثلاثة عوامل: 1- الطبيعة. 2- الفرد. 3- المؤسسات أو انماط الترابط بين الأفراد(50).
تحتوي نظرية سمول، من بين كل النظريات الداروينية الاجتماعية على أقل سمات هذه الأخيرة، وتتغلغلها السكلجة بتأثير وارد. على الرغم من أن سمول اعتبر التشبيهات البيولوجية مرحلةً ضروريةً في تاريخ العلوم الاجتماعية، الا انه ربط التقدم المطرد للسوسيولوجيا بالانتقال من التشبيه البيولوجي الى التحليل المباشر للعمليات الاجتماعية الحقيقية(51). بالنسبة له، لم يكن الصراع عاملاً شاملاً في الحياة الاجتماعية. لقد درسه كشكلٍ من أشكال علاقات الناس، وهو يسود بشكل رئيسي في المراحل الأولى من التطور التاريخي.
افتقرت بناءاته الى الدقة المفاهيمية: لم يحاول، اثناء تحليله لعدد كبير من المفاهيم (الارتباط، العملية الاجتماعية، البيئة المادية، البيئة الروحية، البيئة الذاتية، الوظائف الاجتماعية، الأهداف الاجتماعية، القوى الاجتماعية، القِيَم، التقييمات)، لم يحاول ربطها في نظامٍ واحد.
كان للاشارة الى الحاجة الى نهجٍ معقدٍ للحقائق الاجتماعية، أهميةً اساسيةً في الجزء المنهجي لنظرية سمول، ولكنه لم يطور هذه الفكرة بشكلٍ واضحٍ ومتسقٍ بما فيه الكفاية(52). ميز سمول 4 مراحل في البحث: الوصفية والتحليلية والتقييمية والبنائية. وأوضحت المرحلة الأخيرة رؤيته للغرض من السوسيولوجيا، والتي، برأيه، لا يجب أن تمتنع عن الأحكام التقييمية، بل على العكس، فهذه هي مهمتها المباشرة، وعليها أن تحتوي على تطبيقاتٍ عملية في "التكنولوجيا الاجتماعية"، أي في "تكييف الوسائل لغايات تطوير المجتمع"(53). ومن هنا نبعت اصلاحيته السياسية في انتقاد أكثر الأخطاء وضوحاً في المجتمع الرأسمالي من مواقع ليبرالية.
لم يكن لمفاهيم سمول أي تأثير كبير على تطور علم الاجتماع الأمريكي، لكنه لعب درواً كبيراً في اضفاء الطابع المؤسساتي عليه.
كان البروفسور ويليام غراهام سمنر من جامعة ييل 1840-1910 من أبرز الشخصيات في علم الاجتماع الأمريكي. أخذ المبادئ الرئيسية لسوسيولوجيته من سبنسر. تألفت هذه المبادئ من التأكيد على: 1- الطابع العفوي والثابت للتطور Evolution الاجتماعي. 2- كلية وشمولية الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء. وحددت تلك التأكيدات موقف سمنر بشأن مختلف القضايا الاقتصادية والسياسية والأخلاقية ، وحتى تلك التفصيلية جداً.
انطلاقاً من فكرة الطابع الثابت والعفوي للتطور الاجتماعي، رفض سمنر اية محاولة لاصلاح، نايهك عن احداث ثورة في العلاقات الاجتماعية. كان عنوان أحد مقالاته The Absurd Effort to make the World Over 1894 مميزاً للغاية بهذا الصدد(54).
عارض سمنر جميع أشكال سيطرة الدولة على الحياة الاجتماعية. في حين أنه كان من أكثر من المتحمسين لمبدأ (دعه يعمل دعه يمر) Laissez-Faire، دافع عن عدم الحفاظ على الوضع الراهن بقدر ما يمكن الحفاظ على عفوية التطور، هذا هو الطابع المحدد لنزعته المحافظة. يمكن للمرء أن يصوغ عقيدته على أنها "التطور يعرف لوحده ماذا يفعل".
التطور Evolution بالنسبة لسمنر، يشق طريقه عبر الصراع من أجل البقاء الذي هو "طبيعي" بقدر ما هو التطور نفسه. والمنافسة باقية للأبد كما هو الحال مع الجاذبية. وفي هذا الصدد، اعتبر عدم المساواة الاجتماعية حالةً طبيعيةً وشرطاً ضرورياً لتطور الحضارة. ظهرت فكرة الانتقاء الطبيعي في تفسيره على أنها طبيعية الانتقاء الاجتماعي. وكما لاحظ ريتشارد هوفشتاتر، نجد في سمنر نسخةً جديدةً من فكرة الكاليفينية عن المصير(55). يكمن الفرق فقط في وضع سمنر "التطور" مفهوماً بشكل اداري بدلاً من العناية الالهية، مع ضمان الضرورة الحديدية لانتصار الأقوى وهزيمة الأضعف. وبهذا اعتبر أن تراكم الثروة الاجتماعية في ايدي القلة شرطاً للتقدم الاجتماعي وليس عقبةً امامه. يجب علينا أن نؤكد أن السمات المحددة للداروينية الاجتماعية ظهرت بشكلٍ رئيسي في تصريحات سمنر الدعائية، أما أعماله الاجتماعية فكان وزنها أقل بكثير. حلل عمله الرئيسي (العادات الشعبية) Folkways 1906 الكثير من المواد الاثنوغرافية، واعتبر أن العادات في نهاية المطاف نتاج الاحتياجات البيولوجية الأساسية للناس في سعيهم الى تلبية ما طوروه من أنماط نشاطٍ معينة أصبحت روتينية وصارت كعادات (على مستوى المجموعة) وعادات (على مستوى الفرد. عالج الفلكلور أو العادات الشعبية على نطاقٍ واسعٍ جداً، بما في ذلك جميع أشكال السلوك التي تتوحد فيها. درس مجموعتين من العوامل كأسباب مباشرة للعادات، وكانت المجموعة الأولى هي المصالح(56). كافح الناس اما ضد بعضهم البعض أو ضد الحيوانات والنباتات المحيطة. وهكذا تكون العادات أنواعاً معينةً من الدفاع والهجوم خلال الصراع من أجل البقاء. أما المجموعة الثانية، فكانت العادات الشعبية نتاجاً لأربعة دوافع اعتبرها سمنر "الدوافع الأربعة الكبرى للفعل الانساني" (وبالتالي استشرف "رغبات وليام تومسون الأربعة"). لقد كانت: الجوع، العاطفة الجنسية، الغرور والخوف... هناك مصلحة في ظل كلٍ من هذه الدوافع"(57). ان العادات الشعبية هي "ابداعات الذكاء والهدف الانساني. انها مثل منتجات القوى الطبيعية التي بدأها البشر دون وعي"(58).
اكتسبت مفاهيم سمنر (مجموعة النحن) We-group و(المجموعة الداخلية) In-Group و(مجموعة الهُم) They-Group و(المجموعة الخارجية) Out-Group شعبيةً كبيرة. ان العلاقات في (مجموعة النحن) هي علاقات التضامن، بينما يسود العداء بين المجموعات السائدة. يرتبط العداء بالمركزية الاثنية والتي عرّفها على أنها "النظرة الى الأشياء التي تكون مجموعة الشخص هي مركز كل شيء، ويتم قياس كل شيء وكل أحد آخر بالرجوع اليها"(59). على العموم، أنشأ سمنر صورة مبسطة للعلاقات بين المجموعات في المجتمعات "البدائية". في الواقع توجد علاقات التضامن والمساعدة المتبادلة في العلاقات بين القبائل وكذلك توجد علاقات العداء. لم يستطع مفهوم سمنر البيولوجي الاختزالي عن العادات أن يقف أمام النقد، فاذا كانت العادات الشعبية هي مجرد نتيجة للحاجات البيولوجية، سيكون من المستحيل حينها تفسير الوجود الطويل واشتغال العادات المضرة بالحاجات البيولوجية.
كما أن لمفهوم سمنر مزايا لا شك فيها. لقد كان أول من طرح مشكلة الجوانب المعيارية للحياة الاجتماعية. اذا رفض المرء المقدمة الأولية عن مفهومه للعادات الشعبية (الصراع من أجل البقاء، الخ)، يمكن للمرء أن يجد عدداً من الاعتبارات المهمة فيه حول السمات المميزة للعادات. كانت لمفاهيم المركزية الاثنية و(مجموعة النحن) و(الهُم) أهميةً كبيرةً في علم النفس والاثنوغرافيا. لكن الجوانب الايجابية لمفاهيمة تم استنفادها من خلال اسسها الداروينية الاجتماعية والتراكم الفوضوي للمواد الاثنوغرافية التي لا توحدها أية مبادئ منهجية. علاوةً على ذلك، لم تكن مسألة المنهج موجودةً عنده. وعندما نقيّم مكانه في تاريخ علم الاجتماع ككل، يجب أن نلاحظ أنه عندما يتم العثور على الافتراضات العقلانية في مفهومه، فانها ليست فقط غير مرتبطة بالمبادئ التي تنطوي عليها داروينيته، بل على العكس، بل هي بعيدة جداً عنها. وهكذا، مهما اختلفت مفاهيم الداروينيين الاجتماعيين، فان الاختزالية متأصلة فيها جميعاً، أي اختزال قوانين وأنماط ومستوىً معين من الواقع الى مستوىً آخر مختلفٍ تماماً. كانت فكرة الجماعات التي تحارب بعضها باستمرار، كنسخة جديدة من مفهوم هوبز عن (حرب الكل ضد الكل) مُفلسةً تماماً مثل المفهوم المعاكس عن الناس الذين يعيشون في وئامٍ وتوافق.
لفت الداروينيون الاجتماعيون الانتباه الى الصراعات الاجتماعية، لكنهم تجاهلوا الدور القيادي للصراع الطبقي. قدّم الداروينيون الاجتماعيون نظرةً احادية الجانب ومتحيزة للصراعات الاجتماعية من خلال عدم رؤيتهم ارتباط الصراعات بعلاقات اجتماعية معينة، واضفاء حالة "الطبيعية" و"الخلود" عليها.
***
على الرغم من خطورة بعض المسائل المطروحة، كانت المفاهيم الطبيعانية والتطورية البيولوجية في علم اجتماع القرن التاسع عشر غير علمية وغير تاريخية الى حدٍ كبير. أظهر فلاديمير لينين في كتابه (المادية ومذهب النقد التجريبي) عدم جواز استحدام قوانين الطبيعة "الأبدية" بدلاً عن القوانين والانتظامات التاريخية. انتقد العديد من علماء الاجتماع غير الماركسيين هذه المفاهيم بشدة في النصف الأول من القرن العشرين، بالرغم من تنوع وجهات نظرهم كذلك. بدأ اضفاء الطابع البيولوجي على الظواهر الاجتماعية يُصبح مفارقةً تاريخيةً واضحة، ودخلت الطبيعانية في زقاقٍ مظلمٍ في تاريخ الفكر السوسيولوجي(60). ولكن تم احياء نقاشات هذه المدارس مرةً أخرى بالارتباط مع احدث مكتشفات علم الوراثة والايكولوجيا وعلم سلوك الحيوان.
وقد كُتب الكثير أيضاً في الغرب حول "السوسيولوجيا البيولوجية" باعتبارها "توليفاً جديداً" للعلوم البيولوجية والاجتماعية- من علم الوراثة الجزيئي والسكان الى علم نفس السلوك وعلم هندسة بيئة العمل(61). يتم معارضة هذا "التوليف الجديد" مع المفاهيم القديمة ولمحاولة دمج المعرفة الاجتماعية والبيولوجية في شكل المدارس التطورية البيولوجية القديمة. ولكن هناك استمرارية معينة للمسائل التي تم طرحها سابقاً. تم اعادة احياء فكرة (العضوية الفائقة) Superorganism وصارت موضوعاً للبحث. يتم ايلاء اهتمام جاد لأنظمة التواصل في السلوك الجمعي الحيواني والآليات المشابهة لسلوك البشر في الحياة الاجتماعية. هذا البحث في حد ذاته مثمر وضروري. ولكن في هذا الصدد، كان هناك ايضاً احياء للمفاهيم الطبيعانية القديمة، على سبيل المثال، في محاولات لجعل التطور Evolution التاريخي للمجتمع الانساني وأشكال تنظيمه الاجتماعية يعتمد على الجينات الذي يقولون أنه يحدد كامل السلوك الاجتماعي(62). كما تُبذل محاولات مُريبة لنقل الملاحظات عن سلوك الحيوانات بشكل ميكانيكي الى الانسان على الرغم من أن هذه المحاولات تستند الى وصفات علمية وتركيبات نظرية أكثر حذراً من ذي قبل. وفي هذا الصدد، يتم اعادة مناقشة الأسس الفلسفية والايديولوجية للتفسيرات البيولوجية والطبيعانية والسوسيوتاريخية لمسألة الانسان، وتتم مناقشة النقاط المحتملة للتقارب والاختلاف بين برامج البحث الاجتماعي انطلاقاً من هذه التفسيرات في النقد المعاصر للسوسيولوجيا البيولوجية(63).
نشأت الأهمية النظرية والعملية لهذه المسألة بالارتباط مع حقيقة أن احدث التطورات في البيولوجيا، وخصوصاً علم الوراثة، تخلق ظروفاً لدراسة أشكال عيانية متنوعة من التفاعل بين البيولوجي والاجتماعي في تطور حياة البشر والمجتمع. تُطرح مرةً اخرى، في ظل الثورة العلمية التكنيكية المعاصرة مُهمةً معقدةً للغاية تتمثل بالمزج الأمثل لنشاط المجتمع العلمي والتكنيكي والانتاجي بالعمليات الجارية في المحيط الحيوي.

*- الكسندر بينتسينوفيتش هوفمان: وُلدَ عام 1945 في ستالينغراد، وهو سوسيولوجي سوفييتي ومختص بتاريخ ونظرية السوسيولوجيا، وسوسيولوجيا الثقافة، وترجم كتباً لهنري برغسون واميل دوركهايم ومارسيل موس.
تخرّج عام 1968 من معهد لينينغراد التربوي بتخصص في التاريخ، ودافع عن أطروحته (سوسيولوجيا الدين عند اميل دوركهايم).
تخرج عام 1971 من معهد الدراسات السوسيولوجية العيانية لأكاديمية العلوم السوفييتية تحت الاشراف العلمي للدكتور ايغور كون، ودافع عن اطروحته للترشح في الفلسفة بعنوان (السوسيولوجيا الفرنسية وتطورها-تحليل تاريخي ونقدي).
- الكسندر ديميتريفيتش كوفاليف: 1940-2011، تخرج من جامعة موسكو معهد الفلسفة عام 1966، ودخل بعد ذلك الى حقل نظرية ومنهج السوسيولوجيا عام 1968 عندما ساهم بانشاء معهد الدراسات السوسيولوجية العيانية في أكاديمية العلوم السوفييتية، وصار مرشحاً للعلوم الفلسفية عام 1985، ولديه عدة مقالات علمية.

1- Wilhelm Ostwald. Energetische Grundlagen der Kulturwissenschaft (Klinkhardt, Leipzig, 1909).
2- Cited from: Lucien Febvre. La terre et l’evolution humaine. Introduction géographique à l’histoire (La Renaissance du livre, Paris, 1922), p 12
this book was Translated To English By E. G. Mountford and J. H. Paxton. A Geographical Introduction to History, Rouledge London and New York 1996 (الملاحظة: مالك أبوعليا)
3- Henry T. Buckle. History of Civilisation in England (Appleton, New York, 1862).
4- Karl Ritter. Die Erdkunde im Verhältniss zur Natur und zur Geschichte des Menschen oder allgemeine, vergleichende Geographie 21 Vols. (G. Reimer, Berlin, 1822-1859).
5- Friedrich Ratzel. Die Erde und das Lieben. Vol. 1 (Bibliographisches Institut, Leipzig, 1901) Anthropogeographie. 2 Vols. (J. Engelhorn, Stuttgart, 1891-1899) Politische Geographie, 3rd ed. (Munich, 1923).
6- Karl Haushofer. Erdkunde, Geopolitik und Wehrwissenschaft (Hueber, Munich, 1934)
7- See Günter Heyden. Kritik der deutschen Geopolitik (Dietz Verlag, Berlin, 1958).
8- Rudolf Kjellén. Der Staat als Lebensform (Vowinckel, Berlin, 1924).
9- Ellen C. Semple. Influences of Geographic Environment on the Basis of Ratzel’s System of Anthropo-Geography (Constable & Co., London, 1937).
10- Ellsworth Huntington. Civilization and Climate (Yale U.P., New Haven, Conn., 1924) The Character of Races as Influenced by Physical Environment, Natural Selection and Historical Development (Scribner‘s Sons, New York, 1925) Mainsprings of Civilization, (Chapman & Hall, London, 1945).
11- Camille Vallaux. Géographie sociale: le sol et l’état (Octave Doin et Fils., Paris, 1911).
12- Paul Mougeolle. Statique des civilizations (Leroux, Paris, 1883).
13- A. L. Chizhevsky. Fizicheskie faktory istoricheskogo protsessa (Physical Factors of History), (Kaluga, 1924).
14- John A. Stewart, William Warntz. Macrogeography and Social Science. In: The Geographical Review, 1958, 48, 2: 167-184.
15- Environment and Cultural Behaviour. Ecological Studies. In: Andrew P. Vayda (Ed.). Cultural Anthropology (The Natural History Press, Garden City, N.Y., 1969).
16- Paul Vidal de la Blache. Principcs de géographie humaine (Librarie Armand Colin, Paris, 1922).
17- Elisée Reclus. L’homme et la terre, 6 vols. (Librairie universelle, Paris, 1905-1908) L. I. Mechnikov. Tsivilizatsiya i velikie istoricheskie reki (Civilisation and the Great Historical Rivers), (Moscow, 1927).
18- George Tatham. Environmentalism and Possibilism. In: Griffith Taylor (Ed.). Geography in the Twentieth Century. A Study of Growth, Fields, Techniques, Aims and Trends (Methuen, London, 1957), pp 128-162
19- David Harvey. Explanation in Geography (Arnold, London, 1969).
20- H. S. Chamberlain. Die Grundlagen des 19 Jahrhunderts, 1899
this Book is Translated to English by John Lees- Foundations on the 19th Century, -print-ed By Ballantyne and Co.-limit-ed, London (الملاحظة: مالك أبوعليا).
21- Houston S. Chamberlain. Arische Weltanschauung (Bruckmann, Munich, 1912).
22- Hugo Meyer. Houston Stewart Chamberlain als völkischer Denker (Bruckmann, Munich, 1939).
23- Georges Vacher de Lapouge. Race et milieu social (Librairie des sciences politiques et sociales, Paris, 1909), pp VIII, 172.
24- Ibid., p VII
25- Georges Vacher de Lapouge. Les sélections sociales (A. Fontemoing, Paris, 1896).
26- G. Vacher de Lapouge. Race et milieu social, p. 233.
27- Ibid., pp 206-211
28- Otto Ammon. Die Gesellschaftsordnung und Ihre Natürlichen Grundlagen (Fischer, Jena, 1896).
29- G. Vacher de Lapouge. Race et milieu social, p 212
30- Tadeusz Szczurkiewicz. Studia Socjologiczne (Państw. Wyd-wo nauk, Warsaw, 1970).
31- Judith E. Schlanger. Les métaphores de l’organisme (Librairie Vrin, Paris, 1971).
32- Réné Worms. Organisme et société (Giard et Brière, Paris, 1896).
33- Guillaume de Greef. Le transformisme social. Essai sur le progrès et le regrès des sociétés (Felix Alcan, Paris, 1895).
34- Albert Schäffle. Die geistanstaltlichen Grundverknüpfungen. In: Werner Sombart (Ed.). Soziologie (Pan-Verlag Rolf Heise, Berlin, 1923), pp 60-75
35- Albert Schäffle. Bau und Leben des sozialen Körpers. 4 Vols. (Laupp, Tübingen, 1881).
36- Réné Worms. Organism et societe (Paris, 1895).
37- Rene Worms. La sociologie. Sa nature, son contenu, ses attaches (Marcel Giard, Paris, 1926).
38- Alfred Fouillée. La science sociale contemporaine (Hachette et Cie., Paris, 1880).
39- Alfred Espinas. Des sociétés animales. Études de psychologie comparée (Baillière, Paris, 1877).
41- Michele Angelo Vaccaro. La lotta per l’esistenza e i suoi effetti nell’umanità (Tib. Tiberina di F. Setth, Rome, 1886).
41 - WBagehot. Physics and Politics. In: The Works of WBagehot, Vol. 4 (The Travellers Insurance Co., Hartford, Conn., 1891), p 442.
42- Ibid., p 457.
43- Louis Gumplowicz. La lutte des races. Recherches sociologiques (Guillaumin et Cie., Paris, 1893), p 349.
44 -Ibid., p 193.
45- Gustav Ratzenhofer. Die soziologische Erkenntnis. Positive Philosophie des socialen Lebens (Brockhaus, Leipzig, 1898), pp 244-250.
46- Albion W. Small. General Sociology. An Exposition of the Main Development in Sociological Theory from Spencer to Ratzenhofer (The University of Chicago Press, Chicago, 1905), p 426.
47- Ibid., pp 433-434.
48- Ibid., p 433.
49- Ibid., pp 434-435.
50- Ibid., p 552.

51- Albion W. Small. The Meaning of Social Science (The University of Chicago Press, Chicago, 1910), pp 79-80.
94
52- Albion W. Small. General Sociology, p 15 idem. The Meaning of Social Science, p 160.
53- Albion W. Small. General Sociology, p 34.
54- See W. S. Sumner. War and Other Essays (Yale U.P., New Haven, Conn., 1911).
55- Richard Hofstadter. Social Darwinism in American Thought (The Beacon Press, Boston, Mass., 1955), p 66.
56- W. G. Sumner. Folkways. A Study of the Sociological Importance of Usages, Manners, Customs, Mores, and Morals (Dover Publications, New York, 1959), p 3.
57- Ibid., p 18.
58- Ibid., p 4.
59- Ibid.,p 13.
60- Nicholas S. Timasheff. Sociological Theory. Its Nature and Growth (Doubleday & Co., Garden City, N.Y., 1955).
61- Pierre L. Van den Berghe. Man in Society. A Biosocial View (Elsevier, New York, 1975) Edward O.Wilson. Sociobiology. The New Synthesis (Harvard Univ. Press, Cambridge (Mass.), 1975).
62- C. D. Darlington. The Evolution of Man and Society (Simon and Schuster, New York, 1969) François Jacob. La logique du vivant. Une histoire de l’hérédité (Gallimard, Paris, 1971).
63- WHollitscher. Aggression in Menschenbild. Marx, Freud, Lorenz (Globus, Vienna, 1979).

ترجمة الفصل الرابع من كتاب A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited By Prof I. S. Kon, Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979, Translated 1989, Progress Publisher








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاح كورونا متوفر لجميع الأميركيين.. ماذا بعد؟ وهل محاكمة قا


.. السيارة الكهربائية.. حماية البيئة أولوية | #غرفة_الأخبار


.. زعيم حزب العمال البريطاني يشتبك مع صاحب حانة بسبب فرض الحجر




.. كوبا: انتخاب الرئيس ميغيل دياز كانيل أمينا عاما للحزب الشيوع


.. -الحرب النووية- في كرة القدم.. دوري السوبر الأوروبي ولعبة ال