الحوار المتمدن - موبايل


نهر ميكونغ Mekong River

طارق حربي

2020 / 4 / 11
السياحة والرحلات


نهر ميكونغ
Mekong River
فصل من كتاب الأسفار الآسيوية
حَلِمْتُ ذات ليلة بنضوب نهر الفرات المارّ بمدينتي الناصرية، (إنسلتَ) خيط النهر على حين غفلة من بساط المدينة الغافية على ذكريات أمواجه، هُرِعْتُ إلى النهر اليابس وفي قاعه المتشقق تجمَّعَ السُّكان المذهولون على طول ثلاثة كيلومترات هي مسافة مروره بالمدينة، هرب النهر إلى البحر ولم يعد يجري على الأرض وفي أرواحنا، وبين الشقوق كانتْ سلاحف ميتة مقلوبة على ظهرها، وسمكات صغيرة ميتة من النوع الذي كان يلصف في الجروف، ونصطاده بالصنّارة بفرح جارف مثل تدفق النهر القوي في موسم الفيضان، ولم يكن أي أثر لحيوان (الرَّفِشْ) الذي غالباً ما كانتْ تحذرنا منه عوائلنا قبل التوجه إلى السِّباحة، إن غواية السِّباحة في النهر جعلتْ آذاننا صمّاءَ عن سماع الأساطير! وتقول الشِّفاهيّات بأن (الرَّفِشْ) يقبض بقوة على أرجل السباحين ويجرهم إلى قاع النهر ويلتهمهم بلا رحمة! وما تبقى من الجُثَّة تطفو بعد ثلاثة أيام بعيداً عن المدينة!

ذلك الحلم البعيد وَلَّدَ لديَّ رغبة البحث عن أسرار الأنهار ومنها الفرات، والرحيل من منابعه العليا في تركيا حتى مصبه في شط العرب، مروراً بالأرض حيثما تُرَوّي عطشها، فالفرات وروافده بليخ وساغور وغيرهما شرايينها وأنساغها الصاعدة بالخيرات الوفيرة التي تغذي العراقيين من خيراتها. كانت لدي رغبة أن أشاهد كيف يتغذى النهر من هطول الأمطار وذوبان الثلوج، وهل ما يزال المهد الأول لابتكار الزراعة المروية قبل 12 الف سنة؟ ورغبة أخرى أن أستلقي في قاع مشحوف يرحل بي نحو الجنوب متأملاً هلالاً وليداً محاطاً بالنجوم في ليل العراق الطويل! وفي النهار تملأ عيني المناظر الطبيعية على الشاطئين، حيثما تنتشر غابات النخيل وتتناثر القرى وتجري الحياة البرية ويسبح الأولاد ويتراشقون بالمياه، والنساء الريفيات يَغسِلنَ أواني الطعام ويصفق الطير بجناحيه في كل مكان. يخالجني أحياناً شعورٌ طاغٍ بأن النهر يجري من رأسي حتى قدميَّ، لكن رحيله المفاجىء في الحلم البعيد كفَّ عن الجريان فيَّ، ولم تَبْقَ منه سوى دمعتينِ ساخنتينِ جَرَتا على خديَّ بعدما استيقظتُ من النوم سميتهما في إحدى قصائدي دجلة والفرات!
***
بعد عقود من ذلك الحلم البعيد سأكتشف أنه لا يعادل حبي لدجلة والفرات نهرٌ مثل ميكونغ، الذي سأعود إليه حتماً سائحاً ومستمتعاً بجمال الطبيعة، نهر ينبع من جبال الهملايا التابعة لهضبة التبت ويصب في نهر الصين جنوباً، ماراً بخمس دول عدا الصين التي ينبع منها وهي ميانمار ولاوس وتايلند وكمبوديا وفيتنام ويغذيه ذوبان الثلوج، وما عجبتُ إلّا لسابع أطول نهر في العالم بطول 4500 كم، كيف وَحَّدَ البشر والثقافات والمجموعات العِرقيّة ذات الأصل البوذي، وتاريخ طويل من الحروب والغزوات وحضارة اللانا أي المليون فيل؟ وحوالي 60 مليوناً من 6 شعوب عاشوا على ضفافه خلال مئات السنين واعتمدوا عليه في غذائهم وسفرهم؟

وما مَنْحُ النهرِ عدة أسماء إلّا دليلٌ على تعدد الثقافات والأعراق على ضفتيه، ففي الصين هو النهر المضطرب وفي لاوس وتايلند هو نام كونغ أي المياه الأم، وفي فيتنام نهر التنانين التسعة، لكن ميكونغ الذي نُحِتَ من نام كونغ هو الأسم الأشهر له دوليا وفي السياحة.

سمعتُ وقرأتُ كثيراً عن القارب المتجه عبر نهر ميكونغ من برابانغ نحو مدينة هوَي ساي (Huay Xai) اللاوية، مروراً ببلدة صغيرة جداً تدعى باك بنك (Pak Beng) ، وصولاً إلى مدينة شيانغ راي (Chiang Rai) عبر بوابة شيانغ خونغ (Chiang Khong)، وهي نقطة تنفتيش ومنح فيزا وختم جوازات، وبعد ليلتين في هوستيل الابتسامة في برابانغ اللاوية حجزتُ تذكرتين إلى شيانغ راي التايلندية التي تبعد زهاء 19 ساعة، فقد اشتقتُ إلى البلد الجميل حيث لا أجد نفسي إلّا في بساطته ومعشر أهله.

كان على سائق السيارة المكشوفة جمع السيّاح المسافرين في القارب من فنادق متفرقة، فجمع نحو 18 سائحاً شاباً من كندا والمانيا وهولندا والأرجنتين وجميعهم لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر.

وقَفتِ السيارة على مرتفع ونزلنا منها فالتوتِ القدمُ اليمنى لسائحة المانية وسقطتْ على مؤخرتها، فندتْ منها صرخة قوية وانكشف ساقُها البضُّ، لكن أمسكها صديقها في الحال وساعدها على النهوض، وعلى المرتفع الذي يوفر اطلالة على نهر عريض ثمة مرسى فيه سبعة قوارب طويلة، لا شيء مثل سقوفها الخشبية المسطَّحة يغري بالنوم ليلاً فوق قارب يتهادى تحت النجوم، جنب صديقة منقطعة عن العالم تريد أن تحيا!

يُسَمُّونَهُ القارب البطىء وأسمّيه القارب الطويل!
فقد كان طويلاً ورفيعاً طرفاه العريضان محنيّان قليلاً من الطراز اللاوي بغطاء علوي ملون وديكور داخلي بسيط، صُنِعَتْ مقاعدُهُ المتقابلة من خشب الصندل تتوسطها طاولة وتحتها سترة نجاة، وفي وسط القارب ثمة ممر طويل يؤدي إلى مؤخرته حيث يوجد المطبخ، خلف المحرك الضخم ذي الجعير المتواصل وكان ذلك كفيلاً بتغطية ضراط المسافرين لوقوع المرحاض ملاصقةً له، حيث يتم تصريف المياه والفضلات إلى النهر مباشرة، والتشطيف بطاسة بلاستيكية تغرف الماء من سطل بلاستيكي كبير أزرق اللون نَمَتْ على حوافه طُفيليّات خضراء، ما يعتبر تجربة جديدة على السيّاح الأوربيين الذين تعودوا على المرحاض الغربي شديد النظافة منذ الطفولة!

وصل قبلنا وجلس في المقدمة عشرون مواطناً محلياً مع بضاعتهم التي اشتروها من برابانغ ووضعوها في أكياس مختلفة الحجوم، ولفتَ نظري عدد من أكياس الطحين بيضاء اللون زنة 100 كيلو، كُدِّسَتْ وراء السائق الشاب الذي انحرف مقعده إلى اليسار قليلاً مازحاً مع مساعده، وأحياناً مع ركاب جلسوا خلفه، ولا أعلم إن كانتْ تربطه بهم صداقة، أو أنها طبيعة العلاقات الاجتماعية المنفتحة في لاوس كما في تايلند؟

وفيما شغل اللاويون اللطيفون المقاعد في مقدمة القارب وبينهم طفلة وطباخة خمسينية، ومساعد السائق وهو صبي في الثانية عشرة من عمره يعمل بصمت وضمير حي! شغل 7 رجال المقاعد الخلفية وراحوا يبتسمون لضيوف بلادهم، ثياب اللاويين المحلية بسيطة وشعورهم قصيرة مثل شعور التايلنديين، ليس بينهم أصلع أو بطين أو يرتدي النظارات الطبية!

وإذن فأنا على ظهر قارب في نهر ميكونغ الذي قامتْ على ضفافه ممالك وحضارات عديدة اعتمدتْ على خيراته الزراعية والسمكية، كما اعتمد السكان المحليون على القارب البطىء ولسنوات طويلة باعتباره واسطة نقل وحيدة للسفر حول شمال لاوس، التي أصبحتْ في العقود الأخيرة منطقة جذب سياحي!

أسراب من الفراشات حَبَتْها الطبيعة لوناً أخضرَ وكحلياً وأبيضَ حَلّقُ فوق مركبنا منذ انطلاقته من المرسى، أكثر روحنة من نسمة وأبلغ من كل الكلام عن الحب والخلود، فراشات لاهية تخترق المركب عرضياً من النافذة المفتوحة إلى النافذة المقابلة! غير مبالية بلاوية منشغلة في عالم السوشيال ميديا، ولا بالحسناء الألمانية المتأوهة من ألم المساج الذي ألحَّ صديقها في تكراره لقدمها، ولا بالحسناء الهولندية التي مَدَّتْ ساقيها الأبنوسيين وراحتْ تصغي إلى الموسيقى وتطالع في كتاب، زاهدة بالنهر العظيم وبما حولها من أجناس إلى درجة أنها لم تشمل راكباً بنظرة واحدة!

وبعدما قطع القارب بضعة كيلومترات مررنا تحتَ هيكل جسر تُدَقُّ ركائزُهُ جديدةً عليها كتابة في اللغة صينية، الأرجح أنه اسم الشركة المنفذة، وبعد عشرة كيلومترات توقف القارب قرب قرية معزولة ونزل ثلاثة ركّاب لم يستقبلهم أحد!

ينساب القارب بطيئاً على صفحة الماء الرقراقة الخليقة بأن يمشي عليها نبي جديد! بين سلاسل من التلال المكسوة ببساط أخضر وأشجار قصيرة تتخللها أشجار طويلة تشبه القوغ أو السرو، البعض منها عرى جذورها ماء النهر في مدِّهِ وجزرهِ خلال سنوات طويلة، فكانتْ إما أن نصفها ظاهر للعيان على سطح التربة مثل شرايين كف عجوز ذاب شحمها، أو تمتدُّ بعيدة عن الجذع متدليةً في المنحدر، وعلى الضفة اليمنى اللاوية مررنا بشجيراتٍ منفردة عن غابة بعيدة كأنها جاءت إلى الشاطىء لتحيينا!
وكم تَمنَّيتُ لو أنني أجلس تحتها هنيهات أتفيأ ظلالها وأتنسم روائحها؟

وما أكثر النتوءات الصخرية التي يتحاشاها سائق المركب الماهر في المضائق؟ تبدو وكأنها بقايا مدن خربة أو قلاع مهدومة، ما كان يشبه الصفائح الحادة المتراكبة على بعضها البعض بعلو أمتار، يُرجّعُ صدى جعير ماكنة المركب إلى المتطلعين من نوافذه المشرعة على جمالها القاسي!

تُنْشَرُ شباك الصَّيد على الضفتين وفي القوارب الرفيعة السريعة المتخاطفة كالرماح، ينهمك الصيادون في نشر شباكهم في القوارب لترتيبها قبل رميها في النهر، ونادراً ما يردُّون على تلويحات السيّاح لكن اكتفى البعض منهم بابتسامة، ومن بين الصخور تُمدُّ العصيُّ الطويلة وتتدلى منها حبال رفيعة قوية تُمسِكُ الشِّباكَ تحتَ الماء، وهنالك صيادون يقتعدون الصخور مع أطفالهم ويرمون الصنّارة، وفيما يكتفي الأب بابتسامة يُلوّحُ الأطفال للسيّاح بأكفهم الصغيرة فَنَرِدُّ التحيات!

هواء نقي ونهر اصطبغ بلون الطين لكثرة ما حملَ من الغِرْيَنْ، وقارب تجعرُ في مؤخرته ماكنة قديمة يَشُقُّ طريقه ببطء، بين سلاسل التلال ومنعرجاتها المائية ومنحنياتها ومضائقها وقراها المتباعدة والمعزولة.

ينفتح النهر أمام ناظريَّ جليلاً هادئاً في شهر أبريل لكنه يندفع بجبروت بين شهري تموز وتشرين الأول، لأن ثلاثة أرباع مياهه تتدفق خلال فترة الرياح الموسميّة في الأشهر المذكورة، وقد يُحدثُ فيضانات موسمية كبيرة على امتداده يدمر مدناً ومزارع ومنازل، ويُغرِقُ العشرات بل المئات من البشر ويُجلى الألوف، ويغمر حقول الأرز التي تكفي 300 مليون إنسان سنوياً!

في المحطة الثانية نزلتْ امرأتان حملنَ بصعوبة أكياس الطحين بمساعدة شُبّان، أطفال صغار استقبلوا النساء وكانوا شبه عراة بينهم أربع صبيّات بدا الفقر واضحاً على وجوه الجميع.

خمسة من السيّاح الهولنديين جلسوا وراء مقعدي امرأتان وثلاثة رجال يلعبون الورق، أطلق أحدهم وكان أصلعاً صيحاتٍ طفوليةً مزعجةً، لفتتْ انتباه الركّاب المحلّيين الهادئين المهذبين وبقية السيّاح على حد سواء، وشيئاً فشيئاً علا صوته والأرجح بعد إحرازه فوزاً في الجولة الأولى، وأخذ يُقلّدُ أصوات النساء مرة والأطفال طوراً حتى وصل إلى أصله الحيواني! لكن الركّاب كانوا في غنى وهم بين أحضان الطبيعة الساحرة، عن الإستماع إلى موهبة الأحمق الهولندي في التقليد!

بعد حوالي ثلاث ساعات شعرتُ بالجوع، فذهبتُ إلى سيدة المطبخ واشتريتُ علبة معكرون صبتْ عليها الماء الساخن بمبلغ 15000 كيب!

ونزل في المحطة الثالثة راكبٌ حاملاً على كتفه الأيمن آخر كيس طحين، ووضعه أمام امرأة كانت تنتظر على الشاطئ مع ثلاثة أطفال.

ولاح بعد حوالي أربع ساعات كوخ على أحد التلال في تمام العزلة، لا شيء خلفه ولا أمامه، خِلته أو الأمر خاصاً في عبادة بوذا، لكن تبين فيما بعد أنه مخصص لراحة الفلاحين الذين يزرعون الشاي على السفوح!

وقبلما ينحرف القارب نحو اليسار قليلا متحاشياً الاصطدام بصخرة ضخمة، وتتراوح الصخور على طول الطريق بين ناتىء نخره الماء سنين طويلة ومغمور ليس صعباً على السوّاق تمييزه، حَلَّقَ رَفٌّ من الفراشات اللاهية كحلية اللون استقبلتنا قبل توقف القارب في المحطة الرابعة، وينزل منه شاب لم يكن في انتظاره أحد، وكادتْ أن تكون المحطة مقفرة لولا ثلاثة أطفال كانوا يسبحون عراة على الشاطىء الرملي، يطوفون على (جليكانات) بلاستيكية زرقاء اللون رموها على الشاطىء، بعدما شاهدوا تشجيعنا لهم عن بُعد ثم أظهروا مهاراتهم بالقفز إلى الماء على الظهور والبطون!

قطعان أبقار على الضفة اليمنى تُقلُّ في الماء، ثمة بقرة منفردة على الشاطىء تهزُّ ذيلها هاشَّةً به الذباب المتجمع على قطعة حلوى لا ظهر بقرة!

وفي المحطة الخامسة وكانت على الضفة التايلندية ثمة سلم طويل نسبياً، وقف عليه 15 طفلاً شبه عراة و 9 بالغين، استقبلوا رجلين وامرأتين وشاباً حملوا كيس طحين وبضائع، وكان الجميع مسرورين وهم يصعدون السَّلالم كما لو كانوا في استقبال مسافر قادم من بلد بعيد! وعلى الشاطىء كان حوالي عشرين طفلاً يسبحون متصايحين، مُلَوِّحينَ بأيديهم حتى أننا وقفنا جميعاً بما فينا الأصلع والحسناء الألمانية، وأخذنا نُحيّيهم ونشجعهم ونصورهم قبل أن ينطلق القارب ببطء ويواصل المسير، حيث لم يبقَ معنا سوى 7 ركاب بينهم امرأتان جمعوا ما تبقى من أكياس الطحين ووضعوها على حيزوم القارب، فيما انهمكتِ الطباخةُ بتنظيف مكان الأكياس من الطحين وحول قمرة السائق بعدما شارفنا على الوصول في ذلك المساء الرائع.
***
كان على السيّاح المبيت في مدينة (Pak Beng) الصغيرة ومواصلة السفر صباح غد، هُرع إلينا بعد النزول من القارب نحو عشرة من النساء والرجال، حاملين صوراً بأغلفة من النايلون الشفّاف لغرف للإيجار بمبالغ تتراوح بين 40 و50 كيباً، شكرتُهم وتسلقتُ السُّلَّمَ الخرساني الذي يقع في نهايته مُسَقَّفُ استراحة المسافرين وكان بحجم صالون، وإلى يساره كان مجموعة من العمال منهمكين في بناء مركب جديد يلحمون حديده بأجهزة لحيم بدائية الصنع.

تنفتح البلدة الصغيرة المُشَيَّدَةُ على سفح تل شديد الانحدار، يقطعها شارعان على شكل حرف V وكل واحد منهما لا يتعدى طوله الـ 150 متراً، ولجتُ الشارع الأيمن وبالطبع لم أسأل عن فندق فقد كنتُ جائعاً جداً، ثم توقفتُ قبالة مطعم لصاحبه حسن الهندي، وسألتُ سيدة حسبتها هندية برفقة ابنها الصغير، وكانتْ تُقَلِّبُ في قوائم الطعام الموضوعة على رفٍّ في باب المطعم عن أفضل أصنافه
- إن الدجاج ماسالا هو أشهى ما يكون بالنسبة إليها، من أي بلد أنت؟
- من العراق!
فحيتني بلغة عربية سليمة
- أهلا وسهلا بك تشرفنا!
- عربية؟
- أنا أسبانية درستُ اللغة العربية في جامعة مدريد ولكني نسيتُ الكثير مما تعلمته، هل تحب أن تشاركنا طاولة الطعام أنا وابني؟
- يسعدني ذلك.

وادٍ سحيقٌ يجري فيه نهر عظيم ينحني عند المدينة السَّفَحِيَّة، ويمكن للسائح الجالس في المطعم أن ينسى كلَّ شيءٍ حوله إلّا سحر المشهد الأخاذ!
ملأت معدتي بالطعام وبطارية تلفوني بالطاقة الكهربائية ثم ودعتهما ومشيتُ في الشارع بضعة أمتار، قبل أن أدلف إلى فندق ساومني صاحبه على ثمن مبيت ليلة واحدة فَنَقَدْتُهُ ما طلبَ، ثم أعطيته جواز السفر ليُسَجّلَّهُ فابتسم قائلاً
- لا يهمني ذلك أعطني النقود وخذ المفتاح!
***
نمتُ نوماً عميقاً واستيقظتُ في فجر اليوم التالي قبل صياح الدّيكة!
تحممتُ ثم أصغيتُ إلى شيئ من الموسيقى قبل أن أهبط إلى فم الشارع المطل على المرفأ في الوادي العميق، وألقيتُ نظرة صباحية من فوق السفح على ميكونغ وكان يتهادى في طميِّه ويفيض على واديه سحراً وسلاماً!

شعرتُ وأنا أطِلُّ على النهر في تباشير الفجر الأولى كما لو أنني هبطتُ تواً من كوكب بعيد، أو هكذا خُيِّلَ إليَّ في لحظة استمتاع بجمال الطبيعة لا نظير لها في كوكب الأرض، فالطبيعة آخر الملاذات التي يمكن اللجوء إليها بعيداً عن صخب العالم وكوارثه، اتصالاً بجمالية الحلم الثاني الذي طالما راودني بعد حلم الفرات، وهو زيارة كواكب نائية واكتشاف أسرار الكون بعد الأنهار!

تناولتُ فطوري من يد امرأة تُقلي البيض عند التقاء الشارعين وتقدمه مع الخبز الحار والشاي، وسرعان ما أحالتني إلى أختها بائعة القيمر في بلدة الدَّيْر التابعة لمدينة البصرة خلال الحرب العراقية الإيرانية المشؤومة، كنا نحن الجنود نجلس على صفائح الزيت الفارغة (نيدو) متحلقين حول سيدة أربعينية جميلة جداً يُفَضِّلُها الجنود دون العجائز من البائعات! ومن كَفَّيْها المليئين بالوشوم الريفية كانتْ تطعمنا أشهى أنواع الفطور وتسقينا الشاي المهيّل، لكن أُشيعَ في وقتها أنها وبعد أن ينتهي عملها تلمُّ صوانيها و(جولتها) وبقية أغراضها، ثم يحملها قبيل الظهر أحد عشاقها من الجنود في سيارة إيفا إلى إحدى غابات النخيل، فيقضي معها وطره قبل إيصالها إلى بيتها الريفي!

وبعد ذلك اشتريتُ من حانوت يقع خلف ظهر السيدة اللاوية قنينة مياه كبيرة وبسكويتاً فالطريق طويل ويناهز الـ 9 ساعات.

في الشارع الضَّيّق وكانتْ نصف متاجره ومقاهيه مغلقة، أقبلتْ مبتسمةً من بعيد تريد أن توفي نذرها، سيدة خمسينية حاملة تختاً جلستْ عليه في الجهة المقابلة لبائعة الفطور، ثم وضعتْ أمامها آنية مليئة بالرز وَشَرَعَتْ تكوّر بكفيها لُقَيْماتٍ وتضعها صينية صغيرة، وبعد قليل جاءتْ ثانية وجلستْ بالقرب منها وفعلتْ مثلما فعلتِ الأولى، وما هي إلّا بضع دقائق حتى أقبل من الشارع ذي الانحدار الشديد عدد من الرهبان البوذيين حفاة الأقدام بثيابهم الدينية، منتظمين في طابور وفي يد كل راهب قِدْرٌ لامعٌ، وأخذوا يتلون الصلوات وهم يجتازون الشارع حتى وصلوا بحذاء المرأتين، فوضع أول راهبَيْنِ منهم كفَّيهما على رأسيّ المرأتين ومنحاهنَّ بركات بوذا، ثم تناولا منهنَّ لُقَيْماتٍ من الرز تبعهما بقية الرهبان الواقفين في الطابور أيضا.

بعد حوالي نصف ساعة أقبلتْ من الشارع الثاني نفس المجموعة السياحية، وهبطوا المنحدر إلى الضفة حيث ينتظر القارب الجديد، لكنه في الواقع قديم جداً يشبه قوارب الهاربين من جحيم الأنظمة الدكتاتورية أو الجوع إلى شواطىء العالم المتحضر، فيكون لهم القدر بالمرصاد فيغرقون!

وفيما جلستِ المجموعة ورائي يثرثرون ويتصايحون أحياناً رحتُ أتأمل ضفاف النهر والتقط صوراً وأسجل فيلماً، فقد قُيِّضَ لي في تلك الهنيهة من عمر الزمن حيث لا يمكن أن ينزل الإنسان إلى النهر مرتين حسب مقولة سقراط، أن أستمتع في مشاهدة النهر فجراً ونهاراً ومساءً.

شغل اللاويون المقاعد الأمامية بعدما كَدَّسُوا بضائعهم في مقدمة القارب، يتقدمهم السائق ومساعده وطباخة شابة، لا أكياس طحين هذا اليوم ولا بضائع كثيرة وكالعادة جلس اللّاويون بكل هدوء مبتسمين للسُيّاح، بينهم امرأتان كبيرتان شدَّتا رأسيهما بمنشفتين خضراء وصفراء، وتحتَ سماء ملبدة بغيوم بيضاء ورماديّة، حفَّ بنا من المرسى مودعاً سربٌ من الفراشات بيضاء اللون وكحلية حتى ابتعدنا عن الشاطىء!

قد أنسى تدوين تفاصيل هنا وهناك لكن حفاوة الفراشات البالغة حدثٌ لا يمكن نسيانه على الإطلاق!

سلسلتان من التلال العالية تقطعهما ثالثة في الأفق المنظور، عرضية أقل ارتفاعاً تظهر الشفق برتقالياً، أشبه ما يكون بالذي كنا نرسمه في كراريس المدرسة الإبتدائية، ذلك المنظر الأخاذ لوحده كفيل بأن يجعل السّائح يعود إلى نهر ميكونغ مرات ومرات وسوف أعود في يوم قريب!

ولولا ضجيج السيّاح الأوربيين لشعرتُ بعزلة تامة مع الطبيعة، وانقطاع عن العالم في أحضان نهر عظيم يُعد ثاني أكثر الأنهار تنوعاً بيولوجياً في العالم بعد حوض نهر الأمازون، ويتضمن 16 منطقةً بيئيةً، طبيعة خضراء يانعة على الضفتين حيث تعيش أنواع عديدة من الطيور والثدييات، وطبيعة ثانية في بطن النهر الذي يضمّ أكثر من 500 نوعاً من الأسماك، وفي لحظة انخطاف مددتُ يدي لأغرف حفنة من الماء محاولاً الامساك بأشنة طافية ربما أفلتتْ من فم سمكة سلّور ضخمة أو إحدى الأسماك اللادغة.

يا لنعيم الطبيعة وسخائها تحتنا نهر عظيم وفوقنا سماء زرقاء صافية، إننا محاطون بصفحات من الجمال الفريد.

بعد حوالي ثلاث ساعات وفي منتصف النهر كتبتُ في اللابتوب سطوراً عن الرحلة، وعند انتصاف النهار ابتعتُ المعكرون من الطبّاخة، ثم فتحتُ علبة البسكويت وأخرجتُ منها قطعتين أعطيتها لطفل جالس مع أمه في المقعد الأمامي، فالتفتتِ السيدة وشكرتني.

تترى مشاهد الجمال والطبيعة الحيَّة بين الضفتين، قطيع فيلة قادم من عمق القرون حيث سادتْ وبادتْ لانا، تسرح على الضفة اليمنى وتقلُّ مثل الجاموس في الأهوار، يحدو بها حُداة نصف عراة وكانتْ أجسامها المتثاقلة في سيرها الوئيد يضفي جمالاً ورونقاً على النهر والتلال. وفي الضفة اليسرى قطيع أبقار مع راعيها وقف لها عدد من السُّيّاح والتقطوا صوراً، ثمة في المنعطف الثاني امرأة تغسل طفلاً وقف عارياً ضاحكاً على الشاطىء الرملي الناعم، وغير بعيد عنهما ثمة رجل يُسَرِّحُ شعر امرأة جالسة على صفيحة معدنية يبدو أنها خرجتْ للتو من النهر، فالمرأة مانحة الحياة والحياة خرجتْ من الماء! وبعد قليل لمحتُ صياد سمك يرتدي قميص لاعب كرة القدم الأشهر في زماننا ميسي كابتن نادي برشلونة الأسباني، وَبَنّائينَ مُنهمِكينَ في تشييد معبد بوذي على ضفة النهر التايلندية.

دلافين وتماسيح في أغوار النهر وفراشات ملونة تلهو على سطحه وسيّاح في قارب يتهادى بطيئاً في الهواء الطلق، حرية تامة في أحضان الطبيعة في زمن مقطوع عن العالم، الذي يبدو بعيداً جداً بعدما اختفى القارب ذات انعطافة وراء التلال، الذي يتصاعد وراءها دخان قرية بعيدة.

قرويون يصعدون وينزلون حاملين أكياس الطعام أو الدراجات الهوائية، ويمر الفلاحون حاملين في زوارقهم محاصيلهم الزراعية لبيعها في الأسواق المحلية، يبتسمون لنا ونحيَّيِهُم واقفين، مرة على الجهة اليمنى وأخرى على الجهة اليسرى، وفي وسط النهر أحاطتْ بقارب كبير نوعاً ما لكنه قديم خمسة قوارب صغيرة وَنَقَلَتْ منه المحاصيل!

وما يطرد السأم هو تنوع المشاهد المذهلة بين ضيق النهر واتساعه وصخوره الناتئة ومنعطفاته بين التلال العالية، حيثما تعرض الطبيعة صفحات من جمالها الأخاذ وتضعها بين يدي الإنسان بكرم، وأنت أمام الجمال المتكرر على صفحة النهر وضفافه لا يمكن إلا أن تتساءل
- كيف سيكون شكل الأرض لو كانت خالية من الأنهار والأشجار و.. النساء؟!

ها هو النهر يجري بجلال غير عابىء بالسدود الكهرومغناطيسية المُشيَّدة في الصين، وتمنع الأسماك من الهجرة نحو أعالي النهر لتبيض هناك وتفقس وتكبر، قبل أن تعود إلى شِباكِ الصَّيادين على امتداد آلاف الكيلومترات، وتسعى الصين من وراء ذلك إلى تقليل نسبة المياه كورقة للضغط على الدول المتشاطئة، لكن النهر الهادر لا يعترف بالحدود والسدود ولا يقيم أي اعتبار للسياسة، وها نحن بعد حوالي 8 ساعات نمر بمنطقة تداخلتْ فيها الحدود بين لاوس وتايلند كما هو موضح في خارطة الجي بي أس العالمية، حدود ترتسم في منتصف النهر مرة وأخرى تحاذي الضفاف التايلندية على الجهة اليسرى، وقُبيل الوصول إلى الحدود اللاوية التايلندية ببضعة كيلومترات أصبح النهر عريضاً أكثر من اللزوم وامتد فوقه جسر طويل يدعى جسر الصداقة، وبدتِ الضفة التايلندية وراء الجسر أكثر تنظيماً حيث وضِعَتْ عليها علامات هادية، وَحَلَّقَ رفٌّ من الطيو ورفرفتِ الأعلام على قوارب الصَّيد وقوارب النجدة البحرية التابعة للشرطة التايلندية، ولمحتُ الخطوط الناقلة للتيار الكهربائي من تايلند إلى لاوس فوق النهر.

وصلنا مساءً وقررتُ المبيتَ ليلة واحدة في مدينة هوَي ساي (Huay Xai) اللاوية، وأعبر الحدود إلى تايلند في صباح اليوم التالي عبر جسر الصداقة (Friendship Bridge) المؤدي إلى بوابة شيانغ خونغ (Chiang Khong) في الطريق إلى مدينة شيانغ راي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء


.. نتانياهو يتوعد حماس بضربات موجعة


.. واشنطن تدعو لاستئناف مفاوضات سد النهضة على وجه السرعة




.. شاهد| كتائب القسام تبث صورا جديدة تظهر إطلاق صواريخ من قطاع


.. إيرلندا.. قراصنة الفدية يشلون النظام الصحي