الحوار المتمدن - موبايل


شيْطان يثقب السّماء

فتحي البوزيدي

2020 / 4 / 11
الادب والفن


رجْع الصّدى من قبر أبيك..
يناديك..
رجع الصدى:
-"شيطان صغير يثقب السماء أنت يا ولدي"
-أنا
يا أبي أصدّق صوتك الأجشّ يشكّلني
طينا..
حجر صوّان..
رخاما..
وثنا على عرش قلبكَ.
أصدّق
أنّ ملحمة الإلياذة مازالت تنفخ الحياة في آلهة الإغريق,
أنّ بيجماليون نحت قلبه في صدر جالاتيا,
أنّ الآباء يقطعون لحمهم ليطعموا أبناءهم.
رجْع صداك
أقراط معلّقة في أذنيّ.
ألقي صدري مثل دلو في البئر العميقة ببيتنا العربي القديم,
أسحب ماء الطفولة من عيني أمّي بحبل الوريد,
ينبض الحنين لعظام الرّاحلين و هي رميم.
الاعتراف:
فاتحة الاعتذار من كلّ التجاعيد كتبتُتها بمحاريثَ شقّت حَجَر طاعتكَ.
في وداع الميّت
رأيتُ الجراح أغمضتْ عيونها
على جبينكَ.
القُبلة
تكفيني لأوقظ كلّ وصاياكَ
لم أعد الشّيطان الذي تعرف يا أبي
غير أنّي مازلت لا أريد أن أصير تمثالا يشبهك.
لست أريد أن أصير تمثالا,
لكن
ماذا لو صرتُ طينا يغطّي جثمانك؟
ماذا لو صرت أيضا
ترابا مغسولا بسمرة رفاقكَ المزارعين؟
أظنّ
أنّ هذا اللون يغري حفّارَ القبور
بغراسة شجرةِ إكليل على صدركَ.
كنتُ فعلا شيطانا صغيرا يثقب السّماء
ربّما!
شيطانا
يتسلّق الأشجار إلى عصافير الجنّة..
يحطّم الأعشاش,
يطارد الشمس.
كم أسأتُ التّقدير و الحلم!
أنا الّذي كنت أتقن سرقة أقراص العدّ من محافظ أصدقائي بعد حصّة الحساب,
لم أحسب قرص السّماء بهذا البعد عن متناول يديّ الصّغيرتين..
لم أحسب كذلك أنّه سيصهد جلدي لأصير بلون القمح.
أكره اتهام أحلامي بالّتفاهة,
أكره أن يتناثر بصاق سخريتك على وجه سرٍّ لم أستطع أن أبوح به.
الآن
و قد صارت السّماء بيني و بينك.
الآن
و قد رحلتَ وراء شمسٍ لم أستطع أن أعود بها,
أعترف
أني غضبت كثيرا,
حزنت أيضا
لأنّي لم أستطع أن أخبّئ تلك الشمس في جيوبي
مع البيض
مع الفراخ
مع كمشة قشّ قد يصلح بعضها لصنع نواح المزامير.
مسافةُ السّماء بيننا تسمح لي
بإخبار التّجاعيد المغمَضة على جبينك
أنّي لم أكن بسوء الشياطين الكبار.
و بما أنّني لا أقوى على النّظر طويلا في وجه قرص السّماء
سأسمح لنفسي بلوْمِكَ
دون خجل
دون خوف
من عينيك القاسيتين,
ألومك..
ألوم صمتكَ..
ألوم أسنانكَ رأيتها تعضّ على شفتيْكَ
كلّما هممتَ أن تخبرني عن مِثْقابٍ في يد ملك يقتلع الفكرة من رؤوس
القصائدِ
المقالاتِ
رسومِ الكاريكاتور...
لو لم تعضّ على شفتيْك لسألتكَ:
هل يسيل الدّم من رأس
حرف
أو خطّ
أو رقصة دَبْكَةٍ فلسطينيّة أصاب الرّصاص قدم صاحبها؟
مازلتُ لا أعرف إن كان مثقابُ الملك يستطيع قتل
الشعراء,
الرسّامين,
راقصي الدّبكة,
و كلّ الرّاقصين الذين أظنّ لسبب ما أنهم يشبهونهم!
هل من الغباء ألّا أميّز بين
الدّبكةِ
خطواتِ الفلامنكو الأندلسيّة
خطواتِ الحجّالي التّونسيّة؟
هل من الغباء إن سألتك
إن كان المبدعون يموتون
أم أنّهم ينبتون عشبا في كلّ ثقب؟
ألومك..
ألوم صمتكَ..
ألوم أسنانكَ رأيتها تعضّ على شفتيْكَ
إذا هممتَ أن تحدّثني عن شياطينَ كبارٍ
ثقبوا الأوزون بحثا عن مناجم
يُدفَن العبيد في أنفاقها كلّما سقطت السّماء على الأرض.
كنت تعلم إذن يا أبي أنّي مجرّدُ شيطان صغير لا يثقب
رأس حرف
أو خطّ
أو رقصةٍ
مجرّدُ شيطان صغير لا يثقب السّماء.
لذلك
كنتَ تعضّ على شفتيك كلّما هممت أن تخبرني بأسرار الشّياطين الكبار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف