الحوار المتمدن - موبايل


كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا

بشير الحامدي

2020 / 4 / 12
ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات


من الثابت أن أوضاع العالم وأوضاع الناس لن تكون بعد كورونا كما كانت قبلها ولكن الثابت أيضا أن أوضاعهم قبلها لم تكن على أحسن حال على كل المستويات ـ الصحة ـ الغذاء ـ السكن ـ الدخل ـ الخدمات العامة ـ الحريات ـ المشاركة في القرار ـ لقد كانوا أيضا تحت الحصار مهمشون مُقْصُون مبعدون على هامش الحياة مهددون بالجوع والبطالة والموت... حصار ناعم تعودوا به وتأقلموا معه واستسلموا له وخضعوا صاغرين لمفاعيله و ألفوه حتى صار من قبيل الشيء المعتاد بالنسبة لهم وتحولوا بفعل ذلك من جمهور إلى ذرات متناثرة ومن مجتمع جماعة إلى مجتمع أفراد أشبه بذلك الحشد من الناس الذين نراهم في مستشفيات الأمراض النفسية وقد فقدوا ذواتهم الأصيلة وصار لا شيء يجمعهم غير المكان الذي تحول بدوره إلى ما يشبه السجن الكبير لهم جميعا.
لقد حولت الآلة الرأسمالية الجهنمية التي لا تعترف بغير ـ قوة العمل والسوق والربح ـ الأغلبية إلى كدس نفايات قابل للرسكلة الدائمة يكبر باستمرار ويتمدّد ليفرز دائما زائدين عن الحاجة (معطلون ـ مشردون ـ مرضى ـ متقاعدون ـ مهاجرون بلا أوراق هوية ـ نازحون متكدّسون في أحياء قصديرية ـ ...) إنهم أولئك الذين قال عنهم صاحب كتاب الحياة السائلة: "العالقون المحصورون" نصف سكان العالم الذين يقول عنهم في موضع آخر من كتابه أن أبقار أوروبا التي تنفق عليها حكومات الغرب المترف 350 مليار دولار سنويا أفضل منهم حالا.
الآلة الرسمالية الجهنمية حولت كل شيء إلى امتياز للأقلية التي تتحكم في كل شيء و أخضعت كل شيء لليد التي لم تعد خفية للسوق لقد صنّعت كل شيء ليخدم أهدافها: الرغبات الميولات الذوق طريقة التفكير الأهداف الحياة نفسها وحولت كل ذلك إلى طريقة تفكير ونمط حياة لكل الناس ليبدأ التوحش يتجلّى في أبهى مظاهره أو بعبارة أخرى لتسيطر النزعة الفردية المتوحشة وتهيمن وتطغى على كل شيء وليتخذ التذرر في الجهة الأخرى مظهره الأشد سفورا : أقلية بيدها كل شيء وتملك كل شيء و أغلبية لا تقدر على البقاء على قيد الحياة وجودها كعدمه بمثابة زائدة دودية في مجتمع الخمس المرفه. أغلبية تدور داخلها حرب طاحنة لأجل البقاء كتلة بشرية واسعة على هامش الحياة يكاد وجودها لا يعني شيئا للآلة الجهنمية إلا أولئك الذين تحتاجهم كقوة عمل لدورة استمرارها في تحقيق الأرباح وتأمين سعادة الخمس المرفه.
هذه هي أوضاع العالم وأوضاع الناس ـ الأربعة أخماس أو أكثر ـ من سكان الأرض قبل كرونا بعد أكثر من خمسة قرون من صعود الرأسمالية.
فهل كان الناس قبل كورونا في مأمن من الأمراض والخوف والموت؟
هل كانوا في مأمن من البطالة والجوع؟
هل كانوا أحرارا أكثر من حرية تناول الطعام فقط إن توفر طبعا؟
هل كانوا أحرارا في منازلهم وفي شغلهم وفي الفضاء العام؟
هل كانوا متضامنين وأحرارا في قرارهم؟
هل كانوا مطلعين على حقائق الأمور؟
هل كانوا أسيادا على محيطهم المحلي والجهوي والوطني والعالمي؟
هل كانوا كيانا جمعيا وأسيادا على مصيرهم؟
إذن فما الجديد الذي حلّ بهؤلاء تحديدا مع انتشار وباء كرونا؟
ولما كل هذا الخوف والهلع والرعب الذي أصبحوا عليه؟
فهل كانوا في النعيم والجنة وجاءت كورونا اللعينة لتخرجهم من نعيمهم وجنتهم إلى الأرض حيث يتربص بهم الموت في كل لحظة؟
الحقيقة أن الأمر فيه كثير من الأوهام والتطويع ومن مفاعيل اليد الخفية المجرمة: الصدمة ترويع القطيع إنتاج المشكل ومن ثمة تقديم الحل ـ طوق النجاة ـ الذي سيمهد لتقبل ميكانزمات جديدة للهيمنة.
الآلة الجهنمية حولت العالم إلى مجال مرعب مليء بالمخاوف الائمة فهناك دائما كارثة ما في مكان ما من العالم أو شيء ما منهار وبصدد تدمير كل شيء (مجاعة حرب وباء) لذلك دأبت هذه الآلة ليل نهار ودون توقف على تقديم صورة مزيفة عن هذا الواقع صورة تتضافر فيها جهود خبرائها وعلمائها وسياسييها وأجهزة إعلامها هدفها ألا تجعل الناس مذعورين كل الوقت.
ألا تجعل الناس مذعورين كل الوقت ليست إستراتيجيا دائمة فقد يقتضي الوضع أحيانا تفعيل عامل إحداث الصدمة أو بتعبير آخر تعرية الواقع لفترة من الزمن لإحداث الصدمة المطلوبة ومن هناك الظهور بمظهر المخلص إنها استراتيجيا فككها نعوم تشومسكي وكثيرون آخرون غيره وبينوا نتائجها على الجمهور ونجاعتها ومردوديتها على مواصلة الهيمنة على الأغلبية ولا أعتقد أن وباء كرونا والطريقة التي يصور بها والأزمة التي سببها والنتائج التي ستحصل جراء انتشاره العالمي وسيخلفها يمكن تناولها خارج هذا الإطار.
ولكن الأهم من كل هذا هو الإجابة عن سؤال كيف سيكون الناس بعد كرونا؟ وهل ستكون هذه الكارثة (بغض النظر عمن وراء انتشارها وتحولها لوباء وعن أهدفه من وراء ذلك و هل أنها من تدبير إحدى قوى الآلة الجهنمية للرأسمالية أم أنها من انتاج الطبيعة وسيرورة تطور مستقل لهذا الفيروس دون تدخل من الإنسان) نقطة تحول بالنسبة لهم للبدء في الإمساك بمصيرهم عبر عملية انخراط واسعة وعالمية في مقاومة هذه الآلة والتخلص منها أم أنها ستكون مجرد محطة للعبور لوضع عالمي أكثر بؤسا للأغلبية وضع تجدد فيه هذه الآلة أشكال قمعها وسيطرتها وتتجاوز به أوضاع العطب الذي حل بكل أنظمتها لتجددها وتستمر فيها بأخف الأضرار وبأقل كلفة. بما أن كورونا ستخلص هذه الأنظمة من ملايين البشر الزائدين عن الحاجة والذين يكلف وجودهم الكثير من النفقات التي لا لزوم لها في معادلة اقتصاد الربح والسوق؟
كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كرونا ذلك العالم الذي سيكون أشد رعبا وإجراما وهمجية مما كان؟
كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا وقد ازدادت تذررا وانحدارا نحو القاع؟
كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا وهي تشهد أمامها انهيار كل المنظومات (الصحة والتعليم والبنى التحتية ...)؟
كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا عالم الرقابة الشاملة والضبط الشامل؟
كيف ستواجه الأغلبية عالم ما بعد كورونا الذي بدأ يتأسس على أطروحة لـ (يعيش من يعيش ويموت من يموت)؟
هذه كلها أسئلة لابد من طرحها والإجابة عليها وقد تتعدد الإجابات وتختلف وقد تعود إلى السطح من جديد إجابات كثيرة اعتدنا سماعها تعود لتملأ كثيرا من الرؤوس وتبقي الحركة في عملية دورانها الذي لا ينتهي على نفس المحور ولكن الثابت أن الأغلبية ستُدفع إلى مالا مناص من فعله برغم الظنون التي لدينا حوله إلا أننا على يقين " بأن الشكل لن يكون مألوفا، بل سيكون مختلفا عن كل شيء اعتدناه." بعبارة صاحب كتاب الحياة السائلة حين حديثه في آخر كتابه عن مواجهة المشكلات المتولدة على مستوى الكرة الأرضية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكاتب بسام الهلسه يتحدث في ذكرى معركة الكرامة Rania Haddad


.. هل ستؤسس قضية مقتل جورج فلويد لمرحلة جديدة في الولايات المتح


.. الحوثيون يكثفون هجماتهم للاستيلاء على مدينة مأرب الاستراتيجي




.. مجلس النواب الباكستاني يصوت الجمعة على طرد السفير الفرنسي


.. أبل تكشف الستار عن مجموعة جديدة من منتجاتها الذكية