الحوار المتمدن - موبايل


بين الجندي والطبيب. بسالة

مارتن كورش تمرس لولو
(Martin Lulu)

2020 / 4 / 15
ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات


عند الشدائد يظهر معدن الرجال والنساء، عند الأزمات يثبت من في قلبه خوف الله وحبه للقريب ومحبته للبعيد. عند الكوارث بينما يهرب البعض خائقين! ترى قلة يثبتون في أماكنهم كما يثبت الجندي الذي لازم خندقه أو موضعه لا يفارقه وهو عالم إن روحه قد تفارقه في أية لحظة.. علمًا أنه عالم علم اليقين أن الحرب فُرِضّت عليه كمواطنٍ وسِيق إليها مُرغَمًا، ليس لخوفه بل لأنه غير مقتنع بأسبابها ولا بأهدافها لذلك تُرى نتائجها وخيمة، مؤلمة ومدمرة.
شكرًا أيها الطاقم الطبي (الطبيب، الطبيبة، المضمدة، المضمد) على دفاعكم عن أبناء شعوبكم من حول العالم وأنتم تحاربون وباء كورونا وأُبركم (سرنجات) لا لقاح مضاد فيها يُميت ويقضي على كورونا نهائيًا، مع ذلك نراكم تحاربون بشتى الأدوية المضادة من أجل وقف هجوم هذا الوباء، حالكم يشبه حال الجندي في ساحة الوغى وقد إنتهت طلقات بندقيته، لكنه لا يهرب بل يثبت ويحارب بالحربة (السلاح الأبيض) لكي لا يحتل الغاشم أرضه ويسبي بنات وطنه وهو العالم بأن السلام أفضل من الحرب لكن لكن. لقد أثبتم يا أعضاء الطاقم الطبي، بأنكم أبطال بشجاعة لذلك على البشر من حول العالم أن يقفوا إحترامًا لكم. أيها الأبطال سيسجل التأريخ وقفتكم، لن ينسى أبناء كل الشعوب كفاحكم من أجل وقف نزيف الموت بسبب وباء كورونا، لقد فاق صيتكم الطيب كل صيت في العالم بل وازى إن لم يعبر صيت الجندي الباسل.
لن يعود التأريخ من بعد اليوم ينظر إلى أن ساحة الحرب (لست شخصيًا مع أية حرب تُشَنُّ) حِكْرًا على جيشين متحاربين فقط، لأنكم غيرتم اليوم المعنى القديم لساحات الحروب فصارت حتى ردهات المستشفيات ساحة وغى فيها الطاقم الطبي (الجيش) يدافع بأسلحة العلاج من دواء وحبوب ومضاداتٍ حيويةٍ، ضد عدوٍ (وباء) لا يُرى بالعين المجردة. بتضحيتكم وتفانيكم في عملكم إستطعتم أن تسموا بأخلاق مهنتم إلى المستوى الإنساني الرفيع. إنكم تحاربون عدوًا غير مرئيٍّ ولا تعرفون من أين هو خط هجومه أو مجيئه ولا إتجاهه، لكنكم تعرفون حقيقتين: أولهما/ أن كورونا لن يهربَ من أمام البشر الذين هم هدفه لأنه لن يشبع من قتلهم ولن يروي ظمأه مهما شرب من دمائهم. أما الحقيقة الثانية/ هي أنكم قررتم أن لا تتزعزعوا من أماكنكم إلى أن تقضوا على آخر خبيثٍ من خبثاء كورونا تجرأ ودخل جسم مواطن من حول العالم.
بثباتكم في مستشفياتكم زدتم من إخلاصكم لمهنتكم الإنسانية، دون أن تبرحوها وأنتم على علم أنه من الممكن أن يصاب الواحد منكم بداء وباء كورونا منقولًا له من المريض الراقد في مستشفياتكم مع ذلك لم تُطلِقوا أقدامكم للهواء هربًا من مواجهة عدوٍ لدود وخبيث همه قتل البشر دون أن يُفرق بين الصغير أو الكبير سنًا. فعلًا إنصاب العشرات من أعضاء طواقمكم بكورونا وفارقوا الحياة وهم واقفون أمام أسرَّة المرضى، كما يقف الجندي؛ على الرغم من تيقنه أنه لو جلس الرُّؤَسَاءُ والْقَادَةُ حول طاولة السلام لن يكون هناك مبرر لوجود أي جندي في خندق المعركة؛ في جبهة القتال وقد سقط أمامه برصاص العدو صديقه الجندي جريحًا حتى حمله بيده وبيده الأخرى بندقيته يرمي على العدو. هنيئًا لكم يا كل الطواقم الطبية من حول العالم على ما تفعلونه من أجل القضاء على وباء كورونا.
قصة قصيرة جدًا: تطوعت الدكتورة (جميلة) لتترأس طاقمًا طبيًا، تطوعَ أعضاؤه من أجل المشاركة في وحدة الميدان الطبية التي شكلتها وزارة الصحة لإستقبال العشرات من المصابين من أبناء الشعب بوباء كورونا. تَتَهَيَّأَ في الصباح الباكر للخروج من دارها متوجهة إلى وحدة الميدان الطبية، قبل أن يُقبلها زوجها كعادته عندما تذهب كل صباح إلى عيادتها الخاصة، قال لها:
• ما هو رأيك يا زوجتي العزيزة، أن تتركي فكرة التطوع وتلازمي بيتكِ، إنكِ تجازفين بحياتكِ؟
أجابته عن ثقة متناهية بمهنتها الإنسانية:
• يا زوجي العزيز، لا يشبه ذهابي للقيام بواجبي، ذهاب إي رجلٍ إلى ساحات الوغى، بعد أن دُفِع إليها مع كل أقرانه لأن الحكومة لم تأخذ بالحكمة حتى لا تدخل حربًا بل تحافظ على السلام مع الدولة الجارة، وتحمي أبناء الشعب، مع ذلك يا زوجي، حبيبي وأبو أولادي لم أسألك يومها عن ترك واجبكَ المفروض عليكَ. أقول هذا لأنكَ لم تجد أو تُصادف في ساحات الوغى إبن أي رئيس دولة. بل ثق لو بيد أية حكومة أن تفرض الخدمة الإلزامية على النساء لما ترددتْ لحظة. على الرغم من مخاوفي لم أمنعكَ وأنت تُلبي نداء الأمة أو الوطن، حاملٌ بندقيتكَ وذاهب إلى ساحات الوغى في كل حروب الإبادة التي شُنَّت ضدنا، مسيحيي المشرق، منها سيفو 1915، مذبحة سميل 1932، صورية1963. ثم حروب 1948، 1956، 1958، 1991، 1973، 2003 أعطني إسم إمرأة واحدة من حول العالم، طلبتْ من زوجها في كل الحروب عبر التأريخ، أن يلازم البيت ويضع بندقيته تحت فراشه، التي لا يتمنى أن يحملها لأن في فوهتها قتل نفوس. يا زوجي ألم تترمل العديد من نساء بلدنا بسبب الحروب التي لا داعٍ لشنها؟ مَن راعاهنَّ بعد فقدانهنَّ لأزواجهنَّ؟ لا أحد. مع ذلك لم أطلب منكَ أن تبقى في البيت.
• كلامكِ صح أيتها الطبيبة الشجاعة، لأن أي رجل في الوطن إذا رفض الإلتحاق بسلك الجيش لا محالة من تعريض نفسه لعقوبة الرمي بالرصاص.
• اليوم تريد مني أن أترك مهنتي وأهرب من المستشفى؟ لن يليق هذا بي ولا بكَ يا زوجي. ثق بالله لسنا مع الحرب أبدًا (سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.)"يوحنا14: 27" أن سلام الرب الذي فيكَ دلَّ إنكَ ضدَّ كل حربٍ، ضدَّ حتى أي شجار يقع بين إثنين لا تعرفهما بدليلٍ إنكَ دافعتَ ولم تَهجم.. أسَّرتَ ولم تَقتل الأسيرَ.. طالبتَ بالسلام حتى والعدو يطرق باب حدود الوطن بمطرقة الإحتلال.
فتح ذراعيه وإحتضنها وهو يقول لها:
• لم تعد قضية الدفاع عن الوطن والمواطن حكرًا على الرجل. بل ثقي إن هناك العديد من الشكوك في أسباب كل الحروب التي شُنَتْ بين جيوش الدول من حول العالم، بنيرانها إحترق اليابس والأخضر، راح العديد من الأبرياء ضحية لأسلحتها، بسقوط قنابلها هَجِّرت المئات من العوائل ولا زالت، بإطلاق صواريخها هَدَمْتَ مُدُنًا كاملة ولم تكتف، وفق إتفاقاتها يَتَّمَت المئات من الأطفال دون رحمةٍ، عند نتائجها مُنح العوق للعديد من الشباب بالتساوي. هيا إذهبي بل أسرعي الخطوات لأن هناك العديد من المصابين ينتظروك إنتِ وأفراد طاقمكِ.
• يا زوجي المخلص والجندي الباسل، إعلم أني وزملائي أعضاء الطاقم الطبي، قد قررنا أن لا نعود إلى بيوتنا إن لم نُهزم عدو البشرية، كورونا. إننا في صراعٍ مع قوات فايروس كورونا.
• موقفكِ يا زوجتي أحقُ من موقفي! لأنكِ مقتنعة بأدائكِ. لم تُساقي إلى عملكِ عنوة. أما أنا وكل تمَّ سوقه عنوة إلى ميادين الحروب، لا نسعى إلى صناعة الحرب أبدًا، بل نحاول تحاشي حتى المفروضة على الوطن لأن للسلام سبل وطرق. لكن ماذا نقول لأطماع الجيوش المحتلة، بيد نمدها لهم للتصالح بينما قد أجبرونا أن نضع اليد الأخرى على الزناد، بينما تصرخ الحكومة: "هيا دافعوا عن شرف وتربة الوطن."
• إذن لو هرب أيُّ رجل من ساحة الحرب، برأيي لا يمكن أن تحتقره الأنظار، لأن صانع الحرب هو الشيطان، بينما الله صانع للسلام.
• أنا معكم يا زوجتي العزيزة، بمشاعري وفكري وقلبي كما كنت أيتها المرأة مع زوجكِ، شقيقكِ، أبوكِ وهو في ساحة الوغى على مرِّ التأريخ، على الرغم من عدم قناعتكِ بأية حربٍ لأن في قصصها إزهاق أرواحٍ بريئةٍ.
ركبت سيارتها لتجلس خلف مقودها، إذا بها كعادتها تفتح نافذة السيارة المحاذية لها لتودعه، وضعت أصابع كف يدها اليسرى على فمها وأرسلت له قبلة مباركة في الهواء، وهو بدوره إستلمها ووضعها على شفتيه. قالت له مازحةً:
• لا تخش أنها خالية من فايروس كورونا.
إبتسم وهو يلوح بيده كعلامة وداع. لم يمض ذلك النهار إلا وقام وأرسل رسالة عبر هاتفه الخلوي، إلى زوجته، يقول فيها:
• لن أقوى على المكوث بين الجدران الأربعة، وأنت بدوني تدافعين عني! ضد عدوٍ يهددنا جميعًا، لطفًا زوجتي الفاضلة أريد بإلحاحٍ ولجاجةٍ التطوع معكم في أي عمل توكلني به وحدة الميدان الطبية.
أجابته بعد ساعةٍ:
• أسرع يا زوجي البطل، إختياركَ في مكانه الصحيح لأنه عَنْ رِضىً ورغبة.. أسرع لأن حربكَ الآن هي حقٌّ لأنها ضد صنيع الشيطان.. ضد نتائج الخطيئة.. ليست مفروضة مثل سابقاتها التي خضتها ضد البشر لأن الحكومة فضلتها على السلام. مواجهتنا اليوم هي ضد فايروس، هو عدو البشرية. هيا أسرع يا زوجي لقد تمت الموافقة على طلبكَ لتكون ضمن طاقم الإسعاف الفوري.
بعد أن أغلق هاتفه الخلوي، قال في نفسه:" مع الأسف ما زالت بعض الدول حتى بوجود كورونا، تتقاتل فيما بينها دون أن تتعظ."
تقدم ليودع أمه العجوز المقعدة على كرسي يسير بعجلات. توسلت إليه أن لا يترك ولديه، خاصة وهو عالم بحالتها الجسدية. إنحنى عند قدميها ولزمهما بيديه! وضعت يدها على رأسه وقالت له:
ليبارككَ الربُ أيها الإبن البارُ.
رفع رأسه وهو ينظر في عينيها بنظرات توسلٍ، قال لها:
• أطلب منكِ يا أمي الحنونة أن تحرسي وليديَّ بأم عيونكِ. ثقِّ بالله لن أقدر أن أتحمل قعدتي في البيت وحبيبة قلبي تقف مع زملائها ضد عدوٍ خبيثٍ.
خرج يسير (وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ.)"سفر التكوين6: 9" وهو حامل بيده ورافع في الهواء علم الوطن، ينشد بل يرنم: "موطني موطني....."
ما أن وصل إلى وحدة الميدان الطبية حتى تم تزويده ببدلة وقاية بيضاء وكمامة وكفوف. ما أن إرتداها حتى إلتحق بطاقم مركبة الإسعاف الفوري. إنطلقت بهم لنجدة أحد المصابين. بينما هو سعيد بتطوعه هذا إنطلق به الخيال ليجد نفسه، يُواصل سيره وقد رفع بيده علم مكتوب عليه (جَنَّةِ عَدْنٍ)"سفر التكوين 3: 23" مرَّ ببلدانٍ عديدة بينما شعوبها تنظر إليه بوقارٍ وإحترامٍ، حتى سأل بعضهم البعض:
• من يكون هذا؟
أجاب كلٌ حسب تكهنه: " إنه سومري. إنه أكدي. إنه بابلي. إنه أشوري إنه إنه إنه عراقي من بلاد ما بين النهرين الأرض التي عليها خلق الله جنة عدن."
ما أن وقفت مركبة الإسعاف أمام دار المستنجد بهم حتى أُغلِقت ستائر خياله. إندهش عندما وجد الذي جاءوا لإسعافه هو أحد أعضاء منظمة (أطباء بلا حدود). قبل أن يحملوه على السَدْيَّةِ قال لطاقم الإسعاف:
• لطفًا دعوني أتكلم معه.
سمحوا له. فقال له بصوت جهوري:
• إنهض أيها البطل. إنهض وإلا تأخرت عن أداء واجبك الإنساني. إنهض وضع يدكَ في يدي كي ندافع عن البشرية ضد عدوٍ ليس ككل الأعداء الذين مروا على حدود بلدنا. إنهض لكي نصنع النصر سوية.
نظر ذلك المسعوف إليه وهو يومأو إليه بأصابع يده، بعلامة النصر.
المحامي والقاص








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تنافس بين عدة شركات لتسويق اللقاح ضد كورونا


.. في حوار مع نائب رئيس مجلس النواب اليمني: اليمن تحول إلى ساحة


.. تونس..الدستوري الحر سيتقدم بلائحة لوم ضد الحكومة




.. تشديد الإجراءات الأمنية في بغداد


.. كورونا في أوروبا.. بين مطرقة الإغلاق وسندان إعادة فتح الأعما