الحوار المتمدن - موبايل


هادي الزيادي: موتك كلام فارغ..

حكمت الحاج

2020 / 4 / 15
الادب والفن


توفي في بغداد يوم الثلاثاء المصادف للرابع عشر من شهر نيسان أبريل 2020 صديقي الكاتب والناقد والإعلامي العراقي "هادي الزيادي"، وهو أصيل قضاء "الحيّ" بمحافظة "واسط"، وعمل لسنوات في الصحافة الثقافية متابعا وناشطا ومشاركا.
تعرفت إلى هادي الزيادي لأول مرة في إحدى جولاتي صباح الجمعة في سوق الكتب بشارع المتنبي. وقد كنت يومها واقفا مع أحد الباعة من ذوي المعرفة الوافية بما يبيعه من كتب على قارعة الشارع حيث كان يشرح لي بعض فضائل كتاب كنت مترددا في اقتنائه لعدم إلمامي ببعض من أفكار مؤلفه عندما قدم الراحل وانضم إلينا في وقفتنا وسرعان ما استلم أطراف الحديث وشرع يستعرض بمهارة أهم أفكار الكتاب. بعد أقل من ساعة وجدت نفسي مع هادي الزيادي في زاوية من "مقهى حسن عجمي" الكائن في منطقة "الحيدرخانة" والقريب من شارع المتنبي، متحلقين حول استكانتي شاي، متحدثين بإسهاب عن شؤون شتى وعلى رأسها أحاديث عن التراث العربي وعن قبر الشاعر أبي الطيب المتنبي الذي ما زال شاخصا في ناحية "دير العاقول" بمحافظة "واسط" التي كان الراحل دائم الحديث عنها والتنويه بها ماضيا وحاضرا.
كانت علاقتي مع الراحل هادي الزيادي ما يمكن لي أن أسميه العلاقة الهادئة الناعمة الخافتة مثل هدوء روحه ونعومة حديثه. ولا أذكر على مدى لقاءاتنا التي تكررت بانتظام حتى غادرت أرض الوطن أنه قد احتد في حوار أو ارتفع صوته في نقاش ذات يوم. أما الجدال والتجاذب فلم يكونا من طبعه أبدا. وكنت أحب منه أناقته الكلاسيكية وحقيبته الأثيرة لديه والعامرة دوما بما يفاجئك من كتب نادرة ومخطوطات قيمة ومقالات بقلمه كان يطلعني على بعض منها قبل نشرها فيستأنس ببعض من رأيي بكل تواضع المحبين والعارفين.
عندما أعددت كتابي الشعري الثالث للنشر في بغداد حينها، حكيت له مرارا عن تلك التجربة ودواعي خوضها، وضفافها القائمة بين الموروث والمعاصر الحديث، أعجبه العنوان أولا "الكلام المستعاد"، وأعجبته الخلفيات والأفكار للقصائد المتضمنة، بينما كان في ريبة من جدوى كتابة قصيدة النثر خاصة في هكذا مشروع. وراح في غمرة انغماسنا في تتبع المنطوق اليومي لعامة الناس وعلاقة ذلك بالقصيدة العربية الحديثة يتحفني بين يوم وآخر بما يتيسر له من تعاليق أو شروح أو هوامش على مصنفات من كتب التراث على غرار رسائل إخوان الصفا أو كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي أو الكتاب الغريب الفصول والغايات لأبي العلاء المعري.
كان شاعرنا العظيم أبو الطيب المتنبي دفين دير العاقول يقول: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال. وهكذا فلقد حاولت تكريم صديقي الزيادي ورد جزء من جمائله علي بقصيدة قصيرة ظهرت في كتابي الشعري "الكلام المستعاد" حملت اسمه عنوانا، وتعبيرته الشخصية التي كانت لا تفارقه حول أفضلية الكلام، متنا شعريا. وعندما تم نشر الكتاب عام 1994 ببغداد هنأني الراحل بكل فرح وتشجيع بل ونشر عني وعن كتابي مقالا جميلا هادئا منمقا بروحه اللطيفة ومحبته الغامرة، ومن فرط تواضعه لم يشر هادي الزيادي إلى القصيدة التي حملت اسمه وهو يستعرض ديواني الشعري المشار إليه في مقاله.
دعني يا هادي الزيادي يا صديقي المثقف الهاديء أن ألوح لك بالوداع اليوم وأنا بعيد عنك وعن بغداد وعن واسط وعن دير العاقول وعن مرقد إمام الشعر المتنبي، ودعني أذكرك بقصيدتي إليك ضمن "الكلام المستعاد" لعل من شأنها أن تعيد عبر الزمن تلك اللحظة التي قرأتها لك في مقهى حسن عجمي لأول مرة منذ سنوات طويلة:
قصيدة/
قناع هادي الزيادي..
"الكلام صنفان،
كلام فارغ،
وكلام مليان كلام فارغ".
--------------
من الديوان ص 86








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | محاولات لإنعاش السينما السودانية


.. صباح العربية | فنانون ومسرحيون فرنسيون يقدمون أعمالهم لموظفي


.. صباح العربية | التشكيلية اللبنانية كرستيل بشارة تمزج بين الت




.. بزاف – برشا – باهي كلمات باللهجات المغاربية.. ما أصلها باللغ


.. شاهد: عروض مسرحية وموسيقية عند الطلب تصلك حتى باب البيت في إ