الحوار المتمدن - موبايل


النكبة الفلسطينية والتطهير العرقي الصهيوني

زهير الصباغ

2020 / 4 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


مدخل

ترمز النكبة الفلسطينية الى المأساة الانسانية الكبيرة التي حدثت للشعب العربي الفلسطيني، في الفترة 1948-1949، والتي نتجت عن العمليات العسكرية العدوانية، الوحشية، والمنهجية التي قامت بها قوات عسكرية صهيونية متعددة ضد المدنيين الفلسطينيين من سكان القرى والمدن الفلسطينية. ادت هذه العمليات العدوانية الى تشريد غالبية الشعب العربي الفلسطيني وتحويلهم الى لاجئين، طردهم الى الدول العربية المجاورة، وهدم معظم معالم مجتمعهم السياسية والاقتصادية والحضارية.

في مرحلة لاحقة تم هدم وازالة مئات القرى والمدن الفلسطينية المهجرة والخالية من السكان، وتم اقامة وحدة عسكرية خاصة سميت ب"حرس الحدود"، وضعت على خطوط الهدنة للعام 1949، واعطيت اوامر باطلاق النار بهدف القتل على اللاجيئين الذين حاولوا عبور خطوط الهدنة للعودة الى اماكن سكناهم. تم قتل الاف اللاجئين، رجالا، نساءا، واطفالا، اثناء عودتهم مشيا على الاقدام الى قراهم ومدنهم. وكان الهدف من وراء هذه السياسة المتوحشة من قتل وهدم، منع عودة اللاجئين الى وطنهم فلسطين.

نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين كنتيجة مباشرة لقيام القوات العسكرية الصهيونية التابعة لمنظمات الهجانا، البلماح، الاتسل، الليحي، وشتيرن، بحملة واسعة من التطهير العرقي وفق "الخطة دالت"، وهي خطة عسكرية تم اعدادها مسبقا بهدف تهجير المدنيين الفلسطينيين، نهب املاكهم واموالهم، والسيطرة على قراهم ومدنهم. وبدأت القوات العسكرية الصهيونية بالطرد الجماعي للمدنيين الفلسطينيين قبل نهاية فترة الحكم الاستعماري البريطاني الذي لم يبدي اية نية لايقاف عمليات التطهير العرقي، بل تساوق مع منفديها، وحاول خلال حدوثها لعب دور الوسيط بين العسكريين الصهاينة والمدنيين الفلسطينيين.

استمرت حملة التطهير العرقي حتى العام 1959 اي بعد سنوات من قيام الدولة الصهيونية. كما واقامت لاحقا السلطات الصهيونية لجان خاصة بما يسمونه "ترانسفر " اي تهجير بالقوة، وظيفتها تنظيم طرد منهجي للفلسطينيين الذين اصبحوا سكان الدولة الصهيونية وذلك بهدف تخفيض نسبتهم من مجمل سكان الدولة الصهيونية. ونشأ على اثر هذه السياسات الاستعمارية مجموعة "اللاجئين الداخليين" والذين يشكلون اليوم ربع السكان الفلسطينيين داخل الدولة الصهيونية، واشهرهم لاجئي قريتي اقرث وكفر برعم.

هكذا نرى وجود علاقة وطيدة ومباشرة بين عمليات التطهير العرقي الصهيوني والنكبة الفلسطينية. فالفلسطينيون لم يهربوا من وطنهم بل تم تهجيرهم منه بالقوة والارهاب واستخدام سياسة استعمارية متوحشة، مارسها بشكل منهجي العسكريون الصهاينة ضد المدنيين الفلسطينيين.

اللاجئين الفلسطينيين والرواية الصهيونية

يدعي عددا من الساسة والكتاب الصهاينة ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نشأت نتيجة لقيام ستة دول عربية بغزو الدولة اليهودية الناشئة في حرب 1948- 1949. كما ويدعي هؤلاء بان اللاجئين الفلسطينيين هربوا من البلاد بناء على اوامر من قادتهم وذلك لتمكين الجيوش العربية من القضاء على الدولة اليهودية وتقليل خسائر المدنيين الفلسطينيين. وتكرر هذا الادعاء مرات ومرات، ولكن الوثائق الصهيونية، وبالذات المحفوظة في ارشيف "جيش الدفاع الاسرائيلي" والارشيف الصهيوني المركزي، تروي لنا رواية اخرى عما لحق بالمدنيين الفلسطينيين قبل اشهر من دخول الجيوش العربية الى منطقة الدولة العربية المقترحة بموجب قرار التقسيم للعام 1948 والصادر عن الامم المتحدة.

سوف تركز هذه الدراسة على ما حدث في فلسطين من تطهير عرقي وسوف لا تتطرق لحرب 1948-1949 والتي يدعي الصهاينة ان اللاجئين هربوا خلالها. وسيتم ربط ذلك بالفكر والممارسة الصهيونية الخاصة بالتطهير العرقي وبالسياسة الاستعمارية البريطانية.

نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين

نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الفترة 1948-1949 حين تم تهجير غالبية اللاجئين الفلسطينيين من داخل فلسطين الى الدول العربية المجاورة. واستمر تهجير المدنيين الفلسطينيين حتى العام 1959 ولكن بوتيرة تنازلية. وهنا يجب ان نطرح بعض الاسئلة لاجل توضيح الموضوع: هل "هاجر" الفلسطينيون بمحض ارادتهم أم بناء على نصيحة من القيادة العربية؟ أم بسبب مخاوف المدنيين في ظروف الحرب؟ ام تم تهجيرهم قسرا من قبل القوات المسلحة الصهيونية؟ ما يلي هو محاولة للاجابة على هذه الاسئلة.

توجد روايتان لتفسير اسباب ودوافع "هجرة" اللاجئين واحدة عربية والاخرى صهيونية. ومن اجل التعمق في تحليل هذا الموضوع، يجب علينا ان نطرح عددا من الاسئلة المهمة ونحاول الاجابة عليها وهي: لماذا دعى كافة القادة الصهاينة الى القيام بالتطهير العرقي للمدنيين الفلسطينيين؟ ولماذا قامت القوات العسكرية الصهيونية بالتطهير العرقي؟ ولماذا قامت القوات الصهيونية بالتوسع الاقليمي؟ وما علاقة التوسع الاقليمي بالتطهير العرقي؟ ما يلي هو محاولة للاجابة على هذه الاسئلة.



الرواية الصهيونية

تؤكد الرواية الصهيونية على ان العرب الفلسطينيين هربوا من البلاد خلال الحرب التي شنتها الجيوش العربية على دولة اسرائيل في العام 1948، وهذا الامر أدى الى نشوء مشكلة اللاجئين. في كتيب بعنوان "حرب الاستقلال" وقد صدر عن وزارة المعارف الاسرائيلية ومكتب الاعلام التابع لرئيس الوزراء الاسرائيلي، جاءت الرواية الصهيونية الرسمية على الوجه التالي:

انتج الهروب الكبير لعرب البلاد مشكلة اللاجئين. هرب الكثير من العرب نتيجة لنصيحة تلقوها من القيادة العربية، والتي لم ترغب بنشوء علاقات طيبة بين المواطنين العرب والدولة اليهودية. واعتقدت القيادة العربية ان الهاربين سيرجعوا الى بيوتهم والى بيوت اليهود في اثر الجيوش الغازية والمنتصرة.

يقصد بالجيوش الغازية الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في حرب 1948. وتم تاكيد الرواية الصهيونية مرات عديدة منها في العام 1958. ففي خطاب امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 17/11/1958، اعلن مندوب اسرائيل في حينه، ابا ايبان، ما يلي عن اسباب حدوث مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

نتجت مشكلة اللاجئين العرب عن حرب عدوانية شنتها الدول العربية ضد اسرائيل في عامي1947 و1948. دعونا ان لا نخطيء في ذلك. اذا لم تحدث حرب ضد اسرائيل، مع ما صاحبها من حصاد من الدم، والتعاسة، والذعر، والهروب، فلن يكون لدينا اليوم مشكلة لاجئين عرب. ان تحديد المسؤولية لهذه الحرب يحدد المسؤولية لمشكلة اللاجئين. ... ثم تحديد الاصول التاريخية لهذا الصراع من قبل الحكومات العربية ذاتها. ففي خطاب للامين العام لجامعة الدول العربية امام مندوبي حكومات ستة دول عربية، قال الامين العام: "ستكون هذه حرب ابادة. وستكون مجزرة رهيبة سيتم ذكرها مثل مجازر التتر والصليبيين."

من المعروف ان حرب 1948 بدأت بعد انتهاء الانتداب البريطاني في 15 ايار من العام 1948 وليس كما يدعي ايبان في العام 1947. ولكن، سوف نرى في سياق الدراسة ان أمرا آخر حدث في العام 1948 وقبل انسحاب القوات العسكرية البريطانية، ولم يكن للجيوش العربية اية علاقة به.

الرواية العربية

تؤكد الرواية العربية ان الفلسطينيين طُردوا بغالبيتهم من قبل القوات العسكرية الصهيونية التي ارتكبت عددا من المجازر، وان قسما منهم هربوا نتيجة للاوضاع الحربية التي نشأت في فلسطين في العام 1948. وتؤكد الرواية العربية ما يلي:

تمثل ارقام اللاجئين اولئك الفلسطينيين الذين هُجّروا من منازلهم في حرب 1948، والذين جائوا – في سوادهم الاعظم – من مناطق ضُمت الى اسرائيل. وقد هرب معظمهم او طُرد من الدولة الحديثة النشوء، وان كانت قلة قليلة من الذين طُردوا من ديارهم ظلت داخل فلسطين واعتُبر افرادها "لاجئين داخليين" ...

عبر عن اسباب نزوح المدنيين الفلسطينيين احد شهود العيان. ففي رسالة بعثها جاورجيوس حكيم، مطران طائفة اللاتين في الجليل والذي كان في حينه يقيم في مدينة حيفا، الى الكاتب البريطاني Erskine B. Childers الذي كان قد طلب من المطران جاورجيوس حكيم تزويده بمعلومات عن هجرة الفلسطينيين، جاء ما يلي:

الحقيقة ان الهرب كان بشكل رئيسي بسبب الذعر الذي اصاب السكان العرب في فلسطين في اعقاب اعمال وحشية نفذها اليهود، مثل مذبحة دير ياسين، القاء القنابل بشكل وحشي على مجموعة كبيرة من العمال العرب الابرياء المتجمهرين بالقرب من البوابات الخارجية لمصفاة النفط في حيفا، الهجوم الليلي الخسيس على قرية بلد الشيخ بالقرب من حيفا وهجومات اخرى شبيهة. شكلت هذه الفظاعات الاسباب وراء هروب سكان حيفا، يافا، والقدس.

هيمنت، ولفترة طويلة، الرواية الصهيونية على الراي العام العالمي وذلك بسبب التغطية والدعم الغربي-الامبريالي للدولة الصهيونية، وبسبب الكارثة التي حلت بيهود اوروبا على يد النازيين، وايضا بسبب ضعف الاعلام العربي الرسمي. ولكن الرواية الصهيونية بدأت تتصدع وتفقد من مصداقيتها الكاذبة خاصة بعد الحرب العدوانية في العام 1967. ولكن، لكي ندرك مدى تصدع الرواية الصهيونية، علينا العودة تاريخيا الى نقطة محددة ولتكن العام 1936.

ثورة العام 1936

لم تكن ثورة العام 1936 هي الانتفاضة الوحيدة التي قامت بها الجماهير الفلسطينية ضد سلطات الاستعمار البريطاني في فلسطين، فقد سبقتها انتفاضات الاعوام 1920، 1921، 1929، و 1933. ولكن ثورة العام 1936 كانت اكبرها واعمقها واستمرت من العام 1936 وحتى العام 1939 وتخللتها المقاومة المسلحة.

نتيجة لعملية تسرب الاراضي العربية لايدي المستوطنين الصهيونيين، فقد تم بلترة الفلاحين الفلسطينيين، ومن ثم، تهميشهم اقتصاديا. ونتيجة للسياسة الصهيونية في شراء الاراضي الزراعية واقصاء الفلاحين الفلسطينيين عنها، اندفع الاف الفلاحين الفقراء الى المدن الفلسطينية بحثا عن اماكن معيشة وفرص عمل جديدة. وشكلوا هناك احزمة من الفقر احاطت ببعض المدن الفلسطينية. وفيما بعد، شكل هؤلاء المهمشون مجموعة اجتماعية ذات موقف نقدي واستعدادية نضالية عالية. وسرعان ما انخرط جزء منها في العمل السياسي والعسكري المقاوم للتحالف الاستعماري-الصهيوني.

اندلعت الثورة كرد فعل لجماهير كل من الفلاحين الفلسطينيين الفقراء، العمال، وعناصر من البرجوازية الصغيرة ذات المواقف الراديكالية، وذلك ضد السياسة الاستعمارية البريطانية وضد المشروع الاستيطاني الصهيوني. وبدأت الثورة باعلان الاضراب العام الذي استمر لمدة ستة اشهر، تخلله مظاهرات صاخبة واشتباكات شديدة. ولكن الثورة فشلت نتيجة لتوازن القوى غير المتكافيء ضدها حيث كانت تحارب القوات الاستعمارية البريطانية والقوات العسكرية الصهيونية المدعومة من الامبريالية البريطانية. كما ان الانظمة الرجعية العربية، تآمرت على الثورة، حجبت عنها مساعدات الشعوب العربية، وقامت بتسليم عدد من الثوار للقوات البريطانية التي قامت باعدامهم.

في اعقاب ذلك، اوفدت بريطانيا لجنة "تقصي الحقائق" التي عرفت فيما بعد بلجنة بيل Commission The Peel وذلك في العام 1937. قامت اللجنة بدراسة الاوضاع التي ادت الى اندلاع الثورة وجاءت باقتراحات لمعالجتها.

لجنة بيل وفكرة تقسيم فلسطين

ترأس اللجنة "النبيل الارل بيل" وأنيطت بها الصلاحيات التالية "التثبت من الاسباب الاساسية للاضطرابات التي نشبت في فلسطين في اواسط شهر نيسان والتحقيق في كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين بالنسبة لالتزامات الدولة المنتدبة نحو العرب ونحو اليهود ..."

جاء في تقرير اللجنة ان الاسباب الاساسية لثورة 1936 كانت:

"(1) رغبة العرب في نيل الاستقلال الوطني (2) كرههم لانشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه." ونتيجة لتعذر الوصول الى اتفاق بين الطرفين، طرحت اللجنة في توصياتها فكرة تقسيم فلسطين بين المستوطنين الصهيونيين والعرب الفلسطينيين وذلك:

… بتشكيل حكومتين مستقلتين ذواتي سيادة خلال اقصر مدة تسمح بها الاحوال، احداهما دولة عربية تضم شرقي الاردن مع ذلك القسم من فلسطين الذي يقع الى الجانبين الشرقي والجنوبي من الحد الذي اقترحناه في الفقرة ادناه والاخرى دولة يهودية تضم ذلك القسم من فلسطين الذي يقع الى الجانبين الشمالي والغربي من الحد المذكور.

كما واوصت اللجنة باخراج "المناطق المقدسة" وهما مدينتي بيت لحم والقدس، ووضعهما تحت نظام وصاية انتدابي جديد تابع لعصبة الامم المتحدة.

تابعت اللجنة الملكية توصياتها فاقترحت في البند (10) فكرة تبادل الاراضي والسكان بين الدولتين العربية واليهودية. وجاء تبرير اللجنة لهذا الاقتراح كما يلي:

"اذا اريد ان يكون للتقسيم اثره الفعال في الوصول الى تسوية دائمة فيجب ان لا يكون تطبيقه مقتصرا على رسم حدود وتأسيس دولتين. ومن الواجب ان يشرع، آجلا او عاجلا، في تبادل الاراضي وان يشرع ايضا في تبادل السكان بالقدر المستطاع." وعرضت اللجنة سابقة تاريخية لتبادل السكان جرت من خلال ميثاق رسمي بين اليونان والاتراك عقب الحرب اليونانية-التركية في العام 1922. "فقد عقدت الحكومتان اليونانية والتركية ميثاقا يقضي بنقل الرعايا اليونان الذين ينتمون للمذهب الارثودكسي ويقيمون في تركيا الى بلاد اليونان، وبنقل الرعايا الاتراك من المسلمين المقيمين في بلاد اليونان الى تركيا على ان يتم هذا النقل جبرا وتحت اشراف عصبة الامم…"

ان ما اقترحته لجنة بيل كان تقسيم فلسطين لدولتين ثم القيام بالتطهير العرقي القسري للفلسطينيين سكان الدولة اليهودية، على ان يتم ذلك من خلال اتفاق الطرفين، الدولة العربية والدولة اليهودية. ويرتكز هذا الامر على موقف متناقض يعكس مدى استهتاز الاستعمار البريطاني بالشعب العربي الفلسطيني ومدى تبخيس قيمة الانسان في نظر المستعمرين البريطانيين حيث دعوا الى نقل قسري للمدنيين الفلسطينيين دون اخذ رأيهم في ذلك وكأنهم بضائع وليسوا بشرا. كما ان سابقة اليونان وتركيا تشير بوضوح الى ان التطهير العرقي المقترح سيتم "جبرا" اي بصورة قسرية في فلسطين. وكانت لجنة بيل قد تأثرت بالمقترح الصهيوني للقيام بالتطهير العرقي في فلسطين والذي طرح امامها من قبل القادة الصهاينة واعتبرته "اقتراحا بناءا جدا."

بعد عشرة اشهر من نشر لجنة بيل لمقترحاتها، وفي حزيران العام 1938، عقدت ادارة الوكالة اليهودية جلسة لبحث موضوع "حل مشكلة العرب في الدولة اليهودية". واثناء النقاش الذي جرى بين القادة الصهاينة، ابدى بن جوريون تأييده المشروط لاقامة دولة يهودية في قسم من فلسطين. وبرر موقفه على الوجه التالي:

ليس لانه يكتفي بجزء من البلاد، بل لانه ينطلق من فرضية انه بعد ان نقوم بتشكيل قوة كبيره في أعقاب اقامة الدولة، فسنقوم بابطال التقسيم (بين اليهود والعرب) ونتوسع في كل أرض اسرائيل ... الدولة هي فقط مرحلة في تحقيق الصهيونية وهي يجب ان تمهد الارض لتوسعنا في كل البلاد من خلال اتفاق عربي-يهودي.

تظهر هنا النية الصهيونية بوضوح تام، كما ويظهر ايضا التخطيط المسبق، للقيام بالتظاهر بقبول التقسيم ومن ثم باستخدام الدولة اليهودية المقترحة كقاعدة استعمارية للانطلاق منها للتوسع الاقليمي في كافة ارجاء فلسطين وابطال التقسيم. وهكذا، فان الدولة اليهودية المقترحة في نظر بن جوريون ليست الا مرحلة، وان التوسع الاقليمي هو احد الاهداف الاستعمارية، وأن نتيجة ذلك ستكون حتما تدمير فكرة تقسيم البلاد، وان يتم التوسع الاقليمي من خلال "اتفاق عربي-يهودي"، وهذا ضرب من الدجل وكذبة دعائية يتم استخدامها لتغطية كل من التوسع الاقليمي والتطهير العرقي الصهيوني والذي بدأ كفكر وانتهى كممارسة. ويثبت هذا الموقف الصريح ان قادة المشروع الاستيطاني الصهيوني رفضوا قرار التقسيم، وتظاهروا بقبوله لاسباب اعلامية، وعندما سنحت لهم الفرصة قاموا بابطال التقسيم، ووسعوا منطقة سيطرتهم العسكرية على حساب منطقة الدولة العربية المقترحة.

من الجدير ذكره، ان الدعاية الصهيونية المدعومة امبرياليا، اتهمت الجانب العربي الفلسطيني بمعارضة قرار التقسيم ومن ثم بالتسبب في خلق مشكلة اللاجئين، وكأن الموقف الصهيوني كان مؤيدا للتقسيم. وسنرى في سياق الدراسة كيف قامت القوات الصهيونية بتدمير قرار التقسيم باحتلالها كل من منطقة القدس الغربية ونصف مساحة الدولة العربية المقترحة.

التطهير العرقي في الفكر الصهيوني

لم ينفرد المستعمرين الصهاينة في قيامهم بالتطهير العرقي، فقد عرفت البشرية مشاريع وحملات عديدة من التطهير العرقي كان اخرها ما حدث في رواندا ويوغوسلافيا. ان معظم حملات التطهير العرقي حدثت في اوروبا ابتداء من العصور الوسطى وحتى يوغوسلافيا في العصر الحديث. وكان اليهود الاوروبيين ضحايا، ولمرات عديدة، لحملات التطهير العرقي والاثني خاصة في العصور الوسطى حيث طردوا من بريطانيا (1290)، وفرنسا (1306)، وهنغاريا (1349-1360)، والنمسا (1421)، ولثوانيا (1445)، واسبانيا (1492)، ومدينة كراكو (1494)، والبرتغال (1497)، ومن العديد من الامارات الالمانية خلال فترات مختلفة. وكانت ابشع واضخم عمليات التطهير العرقي التي ارتكبت ضد الجاليات اليهودية الاوروبية قد تمت في فترة الحكم النازي-الفاشي في المانيا وخلال الحرب العالمية الثانية.

تمتاز الادبيات السياسية-الايديولوجية الصهيونية بتناولها لموضوع التطهير العرقي بشكل علني وصريح. وهي مليئة بالدعوات والاجتهادات الفكرية التي حاولت تبرير وربما اضفاء نوع من الشرعية الاستعمارية المزيفة على عملية التطهير العرقي ضد السكان الاصليين الفلسطينيين. وقام الزعماء الصهاينة بحملة من التحضير الايديولوجي لفكرة التطهير العرقي وذلك لتهيئة المناخ المناسب والبيئة الحاضنة للقيام بالتطهير العرقي العملي حين يحين الوقت المناسب لذلك. ما يلي هو عرض سريع لعدد من اسماء الزعماء الصهيونيين الذين ايدوا التطهير العرقي ضد المدنيين الفلسطينيين ودعوا للقيام به.

كان اول من دعا للتطهير العرقي في فلسطين هو الزعيم الصهيوني ثيودور هرتسل الذي كتب في مذكراته "انه يجب علينا القيام بمصادرة الملكية الخاصة بشكل لطيف من الاراضي التي خصصت لنا. وسوف نحاول طرد السكان الفقراء خارج الحدود بعد خلق اشغال لهم في الدول التي سينتقلون اليها ومنعهم من العمل في بلادنا..." وتبعه عدد كبير من الزعماء الصهيونيين. ففي الفترة 1898-1917 والتي سبقت فترة الحكم الاستعماري البريطاني في فلسطين، ناقش قياديين وكتاب صهاينة فكرة التطهير العرقي من خلال النقل القسري للفلسطينيين خارج فلسطين. وكان عددا من الزعماء البارزين الصهاينة مثل: ناحوم سيركن Nahum Syrkin (1898)، اسرائيل زانجويل Israel Zangwill (1905)، آرثر روبن Arthur Ruppin (1911)، ليو موتسكن Leo Motzkin (1912) وآرون آرونسون Aron Aaronsohn (1917) – من غلاة الداعين للقيام بالتطهير العرقي ضد السكان الفلسطينيين الاصليين. وجرى النقاش بين هؤلاء القادة في وقت لم تتعدى نسبة المستوطنين اليهود في فلسطين ال 10 بالمائة من مجموع السكان وامتلكوا ما يقارب 2 بالمائة من المساحة الكلية لفلسطين.

حملات صغيرة من التطهير العرقي الصهيوني

لم يبدأ المستوطنون الصهاينة حملة التطهير العرقي في العام 1948 بل قاموا بحملات من التطهير العرقي وعلى نطاق محدود قبل ذلك، خاصة عندما كانوا يبتاعون اراضي قرية فلسطينية من احد مالكي الاراضي الكبار من لبنانيين او فلسطينيين، ليقوموا بعدها بطرد الفلاحين الفلسطينيين. مثلا، في العام 1907، ذكر الكاتب الصهيوني يتسحاق ابشتاين ما يلي عن احد هذه القرى وذلك في مجلة صهيونية تدعى "هشيلوح ":

اذن، عندما ناتي لنستوطن في البلاد، ألا يثار حالا السؤال: مذا يفعل الفلاحون، الذين سنشتري حقولهم؟ فمن وجهة نظر العدل المتفق عليه والاستقامة الرسمية نعتبر ابرارا مئة بالمائة، وندخل الى المكان بشكل شرعي. لكن، اذا ما اردنا ان نغش انفسنا عن وعي، فلنعترف اننا طردنا أناسا مساكين من بيوتهم الفقيرة وقطعنا رزقهم. فالى أين يتوجه المطرود، الذي لا يملك حتى قليلا من المال. اننا ننسى انه يوجد للشعب الذي يعيش فيها الان قلب وشعور ونفس تحب. العربي مثله مثل أي انسان مرتبط بسلاسل قوية بالارض.

تابع ابشتاين مقالته بوصف سلوك النساء العربيات اثناء خروجهن من قرية الجاعونة حيث كتب ما يلي:

لغاية اليوم ما زال يدوي في أذني النواح الذي ناحته النساء العربيات عندما تركت عائلاتهن قرية الجاعونة، اي "روش بينه"، وذهبت لتستوطن في حوران في شرق الاردن. كان الرجال راكبين على الحمير والنساء ماشيات وراءهم على الاقدام وهن يبكين بشدة والمرج يمتلىء نواحا. لقد توقفن لحظات وقبلن الحجارة والتراب.

اعطى الكاتب ذاته مثلا اخر وهو ما حدث في قرية المطلة الفلسطينية والتي كان يسكنها مائة عائلة من الطائفة الفلسطينية الدرزية. فبعد ان ابتاع الصهاينة الارض التي كان يملكها احد الباشوات، قاموا باستخدام جنود اتراك لاخراج الفلاحين الدروز من بيوتهم واراضيهم.

... ورفض كثيرون من ابناء القرية تركها ولم يوافقوا على قبض اعلى سعر دفع مقابل بيوتهم وبساتينهم... ولكن ... بعد بضعة ايام ترك اكثر من 600 فرد مسقط رأسهم ... وخلال اسبوع تجمع هناك حوالي ستون فلاحا يهوديا، من نخبة عمال المستوطنات، واستوطنوا في بيوت الدروز...

تواصل صهيوني لفكرة التطهير العرقي

بدأ، في الثلاثينات والاربعينات، عددا آخر من الزعماء الصهاينة البارزين، في الدعوة علنيا للترحيل القسري للفلسطينيين كحل لما سموه "المشكلة العربية". ومن الملاحظ ان مفهوم التطهير العرقي كان منتشرا وشمل كل التيارات الصهيونية من يمينها الى يسارها. وتبنى فكرة التطهير العرقي الزعماء الصهيونيين البارزين مثل: حاييم وايزمن Chaim Weizman ، دافيد بن جوريون David Ben-Gurion ، مناحم اوسيشكن Menachem Ussishkin، فلاديمير جابوتنسكي Vladimir Japotinsky ، البارون ادموند جيمس دي روتشايلد Baron Edmund-James de Rothschild، فيكتور جيكوبسون Victor Jacobson ، اليعزر كابلانEliezer Kaplan ، بيرل كاتسينيلسون Berl Katznelson ، دافيد فيرنر سيناتور David Werner Senator ، يوسف باراتس Yosef Baratz، ناحوم سوكولوف Nahum Sokolov أفراهام شفادرونAvraham Schwadron ، ودافيد هاكوهن David Hacohen. وبالاضافة لهؤلاء، دعى الى التطهير العرقي للفلسطينيين عددا من زعماء اليسار الصهيوني في حزبي مباي ومبام وقياديي "الكيبوتسات" والهستدروت. ونجد، من بين هؤلاء، كل من: اليعازر كبلان، ي. بنكوبر، ش. ليفيا، ي. ايدلسون، أ. صيزلنج، أ. لولو، غولده مئير، حاييم غرينبرغ، ب. لوكر، أ. هملين، أ. رايس، كتسينلسون، ي. طبنكين، واليعازر ليفنه.

تداول هؤلاء القادة الصهاينة فكرة التطهير العرقي وعالجوا جوانبه المختلفة، السياسية، والاخلاقية، الايديولوجية والعملية. وانقسموا الى مدرستين سياسيتين: (1) اعضاء مدرسة التطهير العرقي الطوعي والسلمي والذين اعتقدوا انه بالامكان القيام بالتطهير العرقي من خلال اتفاق مشترك بين العرب والمستوطنين الصهيونيين يؤدي الى قيام الفلسطينيين بالرحيل طوعيا عن فلسطين مقابل بعض المال، (2) واعضاء مدرسة التطهير العرقي القسري الذين اعتقدوا انه لا يمكن التوصل لاتفاق حول الموضوع، فالفلاحين الفلسطينيين متمسكين بارضهم ووطنهم ولن يتخلوا عنهما طوعيا وان الخيار الوحيد امام المستوطنين هو القيام بالتطهير العرقي القسري. وخلال تاريخ الاستيطان الصهيوني الاستعماري، نجد ان نتائج عملية التطهير العرقي في فلسطين تظهر بوضوح ان مدرسة التطهير العرقي القسري هي التي كانت مهيمنة وقد ايدها بشكل صريح دافيد بن جوريون.

صرح دافيد بن جوريون في العام 1938، وفي اجتماع للجنة التنفيذية اليهودية، "انا اؤيد النقل القسري، ولا أرى في ذلك أي شيء لا أخلاقي ... يوجد قضيتين رئيسيتين – السيادة وتخفيض عدد العرب في الدولة اليهودية ويجب ان نلح باصرار على كلاهما... يجب ان نجاهر بمبدأ النقل القسري دون الاصرار على تنفيذه الفوري..."

عبر قائد صهيوني أخر، هو يوسف فايتس Yosef Weitz، عن رأيه في ضرورة القيام بالتطهير العرقي القسري وذلك في العام 1940 وعلى الوجه التالي:

يجب ان يكون واضحا بيننا انه لا يوجد مكان لكلا الشعبين مع بعض في هذه البلاد... ونحن لن نستطيع تحقيق هدفنا كشعب مستقل بمعية العرب في هذه البلاد الصغيرة. الحل الوحيد هو فلسطين، على الاقل فلسطين الغربية، بدون عرب... ولا توجد طريقة أخرى غير نقل العرب من هنا الى الدول المجاورة. ويجب نقلهم كلهم، ويجب عدم ابقاء قرية واحدة أو قبيلة واحدة... فقط بعد هذا النقل تستطيع البلاد ان تستوعب الملايين من اخوتنا، ولا يوجد طريق أخر.

وكان فايتس هذا من اوائل المتحمسين لفكرة التطهير العرقي حيث شارك في تأسيس "لجنة الترانسفر الاولى" في العام 1937 ، وكان عضوا بارزا في "لجنة الترانسفر الثانية" في العام 1940، وعضوا في اللجنة التي تشكلت بعد اسبوعين من اعلان استقلال دولة اسرائيل.

وصل تأييد بعض القادة الصهاينة للتطهير العرقي لمرحلة متطورة من السخافة المنافية للعقل والمنطق. ففي العام 1948 صرح بيرل كاتسينلسون Berl Katznelson، احد الزعماء الصهاينة، بانه لا يوجد امر " اكثر اخلاقية، من وجهة نظر المباديء الانسانية العالمية، من تفريغ الدولة اليهودية من العرب ونقلهم لمكان اخر... وهذا يتطلب استخدام القوة." يجب ان نلاحظ هنا الغياب الكلي للضمير الانساني لدى كتسينلسون، فهو يتحدث عن البشر الفلسطينيين وكانهم بضائع صماء يمكن اقتلاعهم من وطنهم ونقلهم لمكان اخر دون اخذ رايهم، وهو يضفي على هذه الممارسة الاجرامية "مباديء انسانية عالمية" بهدف تغطيتها؟

تاييد بريطاني ضمني وتواطؤ سياسي

تشير بعض الوثائق الصهيونية والبريطانية الى ان تفاهما سريا جرى بين السلطة الاستعمارية البريطانية وقادة المستوطنين الصهاينة وذلك بخصوص ضرورة قيام المستعمرين الصهاينة بعملية التطهير العرقي للفلسطينيين. وبدون هذا الاتفاق السري، فان المستعمرين الصهاينة لن يكن بمقدورهم تنفيذ خطتهم هذه قبل وبعد انتهاء فترة الحكم الاستعماري البريطاني. وترتكز هذه الاتباتات على اربعة حقائق رئيسية وهي:

1. بدأ التطهير العرقي في اواخر اشهر الحكم الاستعماري البريطاني (شهر شباط – منتصف ايار 1948) ولم تتدخل القوات البريطانية لايقاف عمليات التطهير العرقي.
2. شاركت القوات البريطانية، وفي بعض الحالات، في عمليات التطهير العرقي كما حدث في حيفا وطبريا.
3. اوصت لجنة بيل بتقسيم فلسطين لدولتين والقيام بالتطهير العرقي القسري للفلسطينيين.
4. ايد فكرة التطهير العرقي عددا من السياسيين البريطانيين وايضا حزب العمال البريطاني.

بالاضافة لذلك، زار بريطانيا في العام 1929 عددا من القادة الصهاينة ومنهم حاييم وايزمان حيث عبروا بصراحة عن آرائهم العنصرية والاستعمارية في "تشجيع فكرة نقل العرب وذلك في محادثاتهم الخاصة مع وزراء ورسميين بريطانيين." والتقى، وايزمان وقادة صهاينة اخرين، مع دراموند شيلز Drummond Shiels نائب وزير المستعمرات البريطاني. وتركزت المحادثات بينهم حول فكرة التطهير العرقي، واشار دراموند الى ان "نقل العرب هي فكرة مرغوب بها." والتقى وايزمن، بعد ايام قليلة، بوزير المستعمرات اللورد باسفيلد Lord Passfield وشرح له وايزمن الفكرة الصهيونية لنقل الفلسطينيين الى الاردن والعراق. وبموجب رواية وايزمن فقد عارض باسفيلد خيار العراق "ولكنه صرح انه يجب العمل على استقرار الاوضاع في البلاد وبأن الاردن تبدو خيارا مناسبا."

في العام 1944 عقد حزب العمال البريطاني مؤتمره السنوي في الفترة الممتدة من 29-5-1944 وحتى 2-6-1944، واتخذ عددا من القرارات والتوصيات. وتحت بند فلسطين، اوصى المشاركون في المؤتمر بما يلي:

... هنا، ايضا، في فلسطين يوجد بكل تأكيد قضية ترتكز على اسس انسانية، وهي تشجيع تسوية مستقرة من خلال نقل السكان. دعوا العرب يُشجّعون للخروج واليهود للدخول الى فلسطين. وليتم تعويضهم بشكل سخي مقابل اراضيهم، وليتم تنظيم وتمويل سخي لاعادة توطينهم في مكان آخر. ويملك العرب مناطق كثيرة وواسعة ويجب ان لا يطالبوا باقصاء اليهود عن المنطقة الصغيرة لفلسطين والتي هي اصغر من مساحة ويلز... ويجب ان نحاول الحصول على تعاطف وتاييد الحكومتين، الامريكية والروسية لهذه السياسة في فلسطين.

حملة من الارهاب الصهيوني المنهجي

اظهرت ثورة العام 1936، بان فكرة التحرر الوطني من الحكم الاستعماري البريطاني قد وصلت مرحلة من التبلور لدى الشعب العربي الفلسطيني وحركته الوطنية، وطبقاته الاجتماعية، واحزابه ومنظماته السياسية. وكانت الاجواء العامة والاوضاع التي تطورت قد اوصلت الحركة الوطنية لمرحلة من الاستعدادية والدافعية للبدء بمقاومة شاملة للاستعمار البريطاني وللمشروع الاستعماري الصهيوني. وكان ينقصها الشرارة التي تشعل فتيل الثورة والتي سرعان ما جائت عندما حدثت اشتباكات بين المستوطنين الصهيونيين والفلسطينيين العرب في مدينة يافا في منتصف شهر نيسان من العام 1936.

لم تكن ثورة 1936 مفاجئة للقادة الصهاينة، ولكن شموليتها وعمقها الوطني وانتشارها السريع في كافة ارجاء فلسطين، والتأييد الشعبي الواسع لها – احدثت مفاجئة وربما ريبة حاول الصهاينة اخفائها. ورأى القادة الصهاينة ان ثورة 1936 شكلت التحدي الاكثر جدية للمشروع الاستعماري الصهيوني، وعليه يجب مجابهة هذا التحدي بفعل صهيوني مناسب. وجاء الرد الصهيوني سريعا ومنهجيا حين قامت الفرق والقوات العسكرية الصهيونية بحملة ارهاب منظمة وشاملة ضد الحركة الوطنية الفلسطينية وضد المدنيين الفلسطينيين في العديد من القرى والمدن الفلسطينية. وسعى القادة الصهاينة الى توظيف سياسي لاحق لحملة الارهاب هذه.

ولكن قبل عرض بعض ملامح هذه الحملة، يتوجب علينا اعطاء تعريف أولي لظاهرة الارهاب والعنف السياسي وكيفية توظيفهما لتحقيق اهداف سياسية واقتصادية.

يعرف الكاتب الامريكي، والخبير في موضوع ارهاب الدولة، جورج لوبيز، ظاهرة الارهاب كالتالي:

ألارهاب هو شكل من اشكال العنف السياسي ... والارهاب ليس عنفا دون تفكير. انه يعكس استراتيجية ذات تفاصيل تستخدم العنف الشديد لكي تسبب للناس شعورا بانهم ضعفاء ويمكن ايذائهم مرات عديدة... ويسعى الارهابيون، وللمدى البعيد، ان يوظفوا هذا الخوف لخدمة اهداف سياسية حقيقية.

وفي توصيفها لطبيعة العنف السياسي، كتبت الفيلسوفة الامريكية حنة ارندت، ما يلي:
... ان السلطة تكمن حقا في جوهر كل حكومة. لكن العنف لا يكمن في هذا الجوهر. العنف، بطبيعته، ادواتي. وهو ككل وسيلة يظل على الدوام بحاجة الى توجيه وتبرير في طريقه الى الهدف الذي يتبعه..." وتعتقد ارندت ان "... ما تحتاج اليه السلطة انما هو المشروعية ... العنف قد يُبَرر، لكنه ابدا لن يحوز على مشروعيته ..."

سنرى في سياق الدراسة كيف وظف المستوطنون الصهاينة الارهاب لتحقيق أهدافهم الاستيطانية الاستعمارية في فلسطين، وكيف ارتبط الارهاب بالاستيطان الاستعماري.

يعتقد الكاتب الاسرائيلي دان ياهف في كتابه "طهارة السلاح – الاسطورة والواقع" ،

أن الارهاب لازم مشروع الاستيطان اليهودي منذ بداية الاستيطان الزراعي والحضري في ارض اسرائيل في نهاية القرن التاسع عشر، وذلك عندما برزت مشاكل أمنية للافراد وللاملاك. وتم القيام بافعال عنيفة وكثيرة، وعمليات انتقامية مرافقة، وذلك على خلفية نزاعات عديدة حول الارض...

ولكن الجانب الذي يهمنا اكثر في هذه الدراسة هو حملة الارهاب الصهيوني التي تزامنت مع ثورة 1936، كونها كانت منهجية وليست ردة فعل على العنف الفلسطيني، وايضا لاهمية توظيفها لخدمة أهداف استيطانية استعمارية لاحقة.

بدأت عمليات الارهاب من قبل قوات منظمة الهجانا، ثم تبعتها عمليات ارهابية قامت بها منظمتي "الاتسل" و"الليحي". تنوعت العمليات من اطلاق نار عشوائي على المدنيين المارة وسكان البيوت، والمسافرين في الحافلات والقطارات. كما واستخدمت القنابل اليدوية التي القيت على التجمعات وداخل المقاهي والمطاعم ودور السينما. واستخدم الارهابيون الصهاينة المتفجرات المؤقتة، الالغام، السيارات المفخخة، والبراميل المفخخة.

ومن اجل اعطاء امثلة اخرى على الارهاب الصهيوني نورد العمليات التالية التي ذكرها الكاتب الاسرائيلي دان ياهف في كتابه "طهارة السلاح – الاسطورة والواقع". وتظهر هذه العمليات ان ضحايا الارهاب الصهيوني هم ليسوا فقط من العرب.

في بداية الاضراب العام في العام 1936، قام ثلاثة من اعضاء منظمة "الهاجنا" بالقاء قنبلتين داخل مقهى عربي يقع في حي روميما في مدينة القدس. وأدى انفجارهما الى مقتل ثلاثة فلسطينيين وجرح ستة اخرين من المدنيين رواد المقهى. وفي تشرين الثاني من العام 1940 قدمت لميناء حيفا ثلاثة سفن تحمل داخلها 3642 مستوطن غير قانوني وتم تنظيم هذه المحاولة بموافقة الجستابو. وتم ظبطهم من قبل السلطات البريطانية التي منعت دخولهم وقررت ابعادهم لجزيرة موريشيوس. ونقل عدد من المهاجرين غير القانونيين الى سفينة فرنسية تدعى باتريا. وقررت قيادتي الوكالة اليهودية والهجانا توجيه ضربة لسفينة الطرد لمنعها من السفر. وفي 25 تشرين الثاني تم تهريب لغم للسفينة باتريا وتم تفجيره. واحدث الانفجار ثقبا كبيرا في جسم السفينة ادى لدخول المياه للسفينة والتي سرعان ما مالت على جانبها فقذفت للماء بعدد كبير من المهاجرين وغرق منهم 267 مهاجرا.

لم تكن حملة الارهاب مقتصرة على اعضاء الهجانا، بل شارك فيها اعضاء من منظمتي الاتسل والليحي. مثلا قام تنظيم الليحي بتفخيخ شاحنة وادخالها الى مدينة يافا لتنفجر امام مبنى السرايا وتقتل 70 عاملا فلسطينيا. كما وأدخلوا سيارة مفخخة اخرى الى نابلس لتنفجر وتقتل عددا كبيرا أخر.

كانت الاهداف الرئيسية وراء هذه الحملة الارهابية التي تزامنت مع ثورة 1936، هي: (1) كسر شوكة المقاومة الوطنية الفلسطينية ودحرها، (2) تفكيك الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تبلورت في الاضراب العام والمقاومة السياسية-العسكرية، (3) مساعدة السلطة الاستعمارية البريطانية في اعادة السيطرة على البلاد والتي بدأت تضعف في بعض المناطق الريفية. ورأى الصهاينة ان استمرار الثورة وتوسعها وتعميق امتدادها الشعبي سوف يجلب مخاطر جدية للمشروع الاستيطاني-الاستعماري الصهيوني ذاته وسيضعف السلطة الاستعمارية، ولذلك تحرك الصهاينة فنظموا ونفذوا حملة ارهاب وبطش، استعمارية وبشعة، بدأت في شهر نيسان من العام 1936 وتواصلت حتى العام 1949.

قرار التقسيم

تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة، وفي 29 تشرين الثاني العام 1947 ، القرار رقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين واحدة دولة يهودية وتشكل 54 بالمائة من مساحة فلسطين الكلية والثانية دولة عربية وتشكل 46 بالمائة من مساحة فلسطين. وشملت الدولة اليهودية غالبية الاراضي الزراعية الاكثر خصوبة. واعلنت منطقة القدس "كيانا منفصلا" يتم ادارته من قبل حكومة عالمية تابعة للامم المتحدة. ويربط بين الدولتين اتحاد اقتصادي. وجاء في حينه توزيع سكان المناطق الثلاثة على الوجه التالي :



توزبع السكان في الدولتين العربية واليهودية ومنطقة القدس في العام 1947
المجموعة القومية
مجموع السكان % الدولة اليهودية % الدولة العربية % منطقة القدس %
العرب 1،337،000 69 497،000 50 735،000 99 105،000 51
اليهود 608،000 31 498،000 50 10،000 1 100،000 49

تم اجراء بعض التعديلات على مشروع التقسيم المقترح حيث الحقت مدينتي يافا وبئر السبع بالدولة العربية وأدى هذا الالحاق الى تخفيض حجم الاقلية العربية داخل الدولة اليهودية المقترحة من 407،000 الى 325،000 فلسطيني ، حيث شكلوا 40 بالمائة من سكان الدولة اليهودية المقترحة. بالاضافة لذلك، كان الفلسطينيون يملكون 90 بالمائة من أراضي الدولة اليهودية المقترحة.

وبالرغم من القبول الرسمي لقرار التقسيم، فان القادة الصهاينة عبروا عن عدم رضاهم بحدود الدولة وبحجم الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون المنطقة التي خصصت للدولة اليهودية المقترحة. فبعد اربعة ايام من تبني الامم المتحدة لقرار التقسيم، خاطب بن جوريون اعضاء اللجنة التنفيذية للهستدروت، حيث صرح قائلا: "بان الحدود سيئة من وجهة النظر العسكرية والسياسية" ومن أجل توضيح ذلك، اشار بن جوريون الى انه:

يوجد في المنطقة التي خصصت للدولة اليهودية ما لا يقل عن 520،000 يهودي وحوالي 350،000 من غير اليهود، معظمهم من العرب (هذا بالاضافة الى يهود القدس الذين سيصبحون مواطني الدولة). وسيصبح الحجم الكلي لسكان الدولة اليهودية، بالاضافة الى يهود القدس، وعند تأسيس الدولة، ما يقارب مليون انسان، ويشكل غير اليهود 40 بالمائة منهم. ان تركيبة مثل هذه لا تعطي قاعدة ثابتة لدولة يهودية، وهذه الحقيقة يجب رؤيتها بحدتها وبوضوحها. لا تعطينا هذه التركيبة الضمان المطلق بان السيطرة ستبقى في ايدي الغالبية اليهودية.

اعتمادا على احصاءات مختلفة عن احصاءات بن جوريون، اكد القائد الصهيوني موشيه شاريت للجمعية العامة للامم المتحدة انه "مع التقسيم سيمكث في الدولة اليهودية ما بين 400،000 –500،000 عربي". واضاف انهم بهذه الطريقة فسوف يستفيد هؤلاء العرب من الاحتكاك مع الغالبية اليهودية التقدمية."

في الحقيقة فان الفلسطينيين الذين سكنوا داخل حدود الدولة اليهودية المقترحة "استفادوا" من الاحتكاك مع المجتمع اليهودي الاستيطاني الاستعماري ولكن لمدة اربعة اشهر فقط. ففي منتصف شهر شباط من العام 1948 وبينما كانت فلسطين لا زالت تحت الحكم الاستعماري البريطاني، شرعت القوات العسكرية الصهيونية بتنفيذ مشروع التطهير العرقي الذي اعتمد على "الخطة دالت". لم يقم العسكريين الصهاينة بتطهير المناطق التي اعطيت لهم بموجب قرار التقسيم فقط ، بل ايضا نصف المناطق التي خصصت للدولة الفلسطينية المقترحة والتي احتلتها قواتهم العسكرية في الفترة الممتدة بين منتصف العام 1948 وخلال حرب 1948-1949.

كان السبب الرئيسي وراء غزو منطقة الدولة العربية المقترحة هو القرار الصهيوني بضم ال 10000 مستوطن الذين يسكنون منطقة الدولة العربية المقترحة. من اجل الوصول الى هؤلاء المستوطنين، قامت القوات العسكرية الصهيونية باحتلال ممر جغرافي داخل منطقة الدولة العربية المقترحة يصل بين المستوطنين اليهود والدولة اليهودية المقترحة، وبعدها قامت بطرد المدنيين الفلسطينيين خارج منطقة السيطرة العسكرية الصهيونية.

استخدمت القوات الصهيونية عدة اساليب لطرد المدنيين الفلسطينيين مثل: العنف الوحشي، الارهاب، المجازر، الترهيب، والحرب النفسية. وتم اجبار مئات الالاف من المدنيين الفلسطينيين على ترك مدنهم وقراهم وبيوتهم والهجرة الى الدول العربية المجاورة لبنان، سوريا، الاردن ومصر. وهكذا استطاع المستعمرون الصهاينة ان يجدوا حلا عرقيا "للمشكلة العربية" من خلال تخفيض عدد المدنيين الفلسطينيين ليصبحوا اقلية صغيرة داخل وطنهم.

بداية التطهير العرقي الصهيوني

بعد ان اعلنت الامبريالية البريطانية عن نيتها الانسحاب من فلسطين في 15 ايار 1948، بدأت القوات الصهيونية في التحضير لتنفيذ مشروع التطهير العرقي. وكان العسكريون الصهاينة قد وضعوا خطة عسكرية، سميت "بالخطة دالت". وصرح القادة الصهاينة ان اهداف "الخطة دالت" جائت "للسيطرة على المنطقة التي اعطيت لنا من الامم المتحدة، بالاضافة الى المناطق التي احتلت من قبلنا خارج هذه الحدود، وانشاء القوات للرد على غزو محتمل من الجيوش العربية بعد 15 ايار."

قرر القادة الصهاينة، وقبل شهر من التصويت في الامم المتحدة على مشروع التقسيم، ابقاء كافة المستوطنات الصهيونية ال33 والتي تقع داخل الدولة العربية المقترحة، لتصبح جزءا من منطقة نفوذهم العسكري وبدأت منظمتي ألارجون والشتيرن، في شهر شباط 1948، بمهاجمة المدن والقرى العربية وطرد سكانها وارتكاب المجازر ضد من بقوا في بيوتهم وحقولهم وكانت هذه حملة منهجية ومخططة. وبعد ذلك، بدأت قوات الهاجانا الصهيونية بهجوم كبير ومنظم، تخلله القيام بحملة من الارهاب المنظم ضد سكان المدن الفلسطينيين. وفي تقييمها لهذه الهجمة الصهيونية الكبيرة، تؤكد الكاتبة اليهودية الامريكية تابيثا بتران على الحقائق التالية:

ارتكزت الاستراتيجية الصهيونية على اللائحة الزمنية للانسحاب البريطاني. كما ان القرار البريطاني بالابقاء على السلطة الشرعية على فلسطين ولكن سحب قواتهم من مناطق متلاحقة وعلى مراحل، قد سمح للصهاينة بطرد السكان العرب واحتلال مناطق استراتيجية داخل الدولة العربية المقترحة. وشكلت السلطة الشرعية البريطانية درعا واقيا للقوات الصهيونية بحيت منعت أي تدخل من القوات النظامية العربية.

لا شك أن الهجمة الصهيونية تناغمت مع سياسة بريطانيا في فلسطين والتي ساندت الهجمة الصهيونية بشكل عملي. وتابعت بتران تحليلها فكتبت: "تم تحقيق الهجمة الصهيونية بقيام البريطانيين بتسليم متصاعد لمناطق يهودية بينما تخلفت عن ذلك في المناطق العربية حيث اعاقت التحضيرات الدفاعية العربية ولم تفعل شيئا لايقاف الهجمات الصهيونية على العرب."

استطاعت القوات الصهيونية من القيام بحملة كبيرة من التطهير العرقي، والتي استمرت دون توقف في الفترة شباط – ايار 1948،وتمت هذه الحملة اثناء الوجود العسكري البريطاني وقبل دخول الجيوش العربية للدولة الفلسطينية المقترحة. ووصل عدد المدنيين الفلسطينيين الذين تم طردهم بالقوة من مدنهم وقراهم، وفي هذه الفترة بالذات، الى 300،000 مدني. وحدث ذلك قبل دخول أي جندي عربي الى فلسطين وقبل بداية حرب 1948. واستخدم الصهاينة كافة الوسائل من: عمليات عسكرية، ارهاب منظم، ارتكاب المجازر، وحرب نفسية. ووصل عدد المجازر التي ارتكبت الى 110 مجزرة، منها عشرين مجزرة كبيرة (اكثر من 50 شخص) ومئها 90 مجزرة صغيرة (اقل من 50 شخص).

تثبت هذه الحقائق زيف الدعاية الصهيونية التي كانت تكرر، ولا زالت تكرر، الكذبة التي تقول بان المدنيين الفلسطينيين هربوا من اماكن سكناهم بعد تلقيهم لاوامر من قيادتهم باخلاء بيوتهم وقراهم ومدنهم للسماح بدخول الجيوش العربية الغازية. وتشير الحقائق الى انه لا يوجد اي اثبات علمي رصين بدخول الجيوش العربية لمنطقة الدولة اليهودية المقترحة.

وفي 15 ايار 1948، وصل الحكم الاستعماري البريطاني الى نهايته، وغادر "المندوب السامي البريطاني" ميناء حيفا. وفي اليوم ذاته، "دخلت مجموعة من الجيوش العربية الى اراضي الدولة العربية المقترحة في محاولة لمنع الصهاينة من السيطرة على كل فلسطين ولايقاف طرد السكان العرب" الذي كان قد بدأ قبل دخول الجيوش العربية. والجدير بالذكر ان قائد الجيوش العربية كان العسكري البريطاني الاستعماري جلوب باشا والذي تساوق مع القيادة العسكرية الصهيونية واعطاها فرص عديدة للسيطرة على الارض الفلسطينية ولانجاح خطة التطهير العرقي.

و استمرت القوات الصهيونية في عمليات التطهير العرقي ووظفت من اجل ذلك اجواء حرب 1948 وضعف الجيوش العربية، وضعف ثم انهيار المقاومة الفلسطينية. ومع نهاية العام 1948، كانت القوات الصهيونية قد استطاعت طرد ما يقارب على المليون مدني فلسطيني. وبقي في المنطقة التي سيطرت عليها القوات الصهيونية ما يقارب 158،000 مدني فلسطيني.

هكذا نشأت النكبة وهكذا تشرد وتشتت غالبية الشعب الفلسطيني وذهبت موجات من اللاجئين الفلسطينيين الى الدول العربية المجاورة. ونجحت القوات العسكرية الصهيونية في الاستيلاء على 388 قرية ومدينة فلسطينية تحوي نصف الابنية في فلسطين. ولكي تمنع عودة اللاجئين، قامت القوات العسكرية الصهيونية بهدم كافة هذه المدن والقرى الفلسطينية. كما واتبعت، من خلال قوات "حرس الحدود"، سياسة اطلاق النار بهدف القتل على اللاجئين الذين اصروا على العودة الى بيوتهم ومدنهم وقراهم، فقتلت الالاف منهم.

وبالاضافة للتطهير العرقي، قامت القوات الصهيونية بالتوسع الاقليمي داخل منطقة الدولة العربية المقترحة، فاحتلت مناطق كبيرة منها، ولم يتوقف التوسع الاقليمي الا في العام 1955. ويعكس الجدول التالي ، مدى التوسع الاقليمي الصهيوني في سنوات معينة:

التوسع الاقليمي الصهيوني في الفترة 1948-1955
مساحة منطقة النفوذ اليهودي السنة
5500 ميل مربع 1948
7100 ميل مربع 1949
7800 ميل مربع 1952
7993 ميل مربع 1955

بالطبع فان التوسع الاكبر جرى في العام 1948، وقبل دخول الجيوش العربية الى منطقة الدولة العربية المقترحة. كما ان التوسع الاقليمي استمر حتى بعد انتهاء الحرب وتم ذلك من خلال التنازلات الاقليمية التي قام بها النظام الاردني للدولة الصهيونية.

مواصلة سياسة التطهير العرقي

واخيرا يجب التاكيد هنا على ان التطهير العرقي ضد المدنيين من الشعب العربي الفلسطيني لا زال سياسة وممارسة صهيونية استعمارية متبعة في الفترة التاريخية التي جائت بعد العام 1948. ففي العام 1967 وبعد انتهاء الحرب العدوانية التي شنتها القوات العسكرية الصهيونية على مصر وسوريا والاردن، قامت هذه القوات بطرد سكان عدة قرى سورية في هضبة الجولان السورية المحتلة. ومن ثم قامت بطرد سكان ثلاثة قرى فلسطينية هي يالو، عمواس وبيت نوبا التي تقع في الضفة الغربية، وبعدها قامت بهدمها. وانشأت السلطات الصهيونية منتزه كندا (كندا بارك) على انقاض قرية عمواس الفلسطينية.

بالاضافة لذلك، قامت السلطات الصهيونية بمحاولات حثيثة لطرد السكان الفلسطينيين من القدس الشرقية بعد ان احتلتها في العام 1967، وتابعت ذلك فيما يسمى ب"الترانسفير الهاديء". كما وتقوم السلطات الصهيونية بممارسات عديدة ضد بدو النقب الهدف منها طرد السكان البدو، تدمير القرى البدوية غير المعترف بها، الاستيلاء على اراضيها، ومن ثم ممارسة التوطين القسري على السكان البدو داخل مجمعات بدوية تحيط بمدينة بئر السبع. وبموجب المعلومات المتوفرة عن هذه القرى فان:
عدد القرى البدوية غير المعترف بها في النقب يبلغ 45 قرية ويقطنها ما يقارب 75,000 ألف نسمة وحسب الإحصائيات تبلغ مساحة الأرض التي هي بحوزة هذه القرى أكثر من 180,000 دونم وتفتقر هذه القرى إلى الحد الأدنى من البنية التحتية، الكهرباء، خطوط الهواتف، الصرف الصحي، الشوارع، العيادات الصحية والنقص الكبير في المدارس ومياه الشرب وتعيش أكثرها في ضائقة وتعاني من البطالة والفقر بشكل مأساوي وبالرغم من هذا يصمد سكانها ويتمسكون بالأرض ويرفضون الإغراءات السلطوية والأساليب التي تحاصر هذه القرى اقتصاديا وإنسانيا حتى تجبر سكانها على الرحيل إلى تجمعات التوطين القسري.


خصوصية الاستيطان الصهيوني

تم تجسيد خصوصية الاستيطان الاستعماري الصهيوني خلال السياسة التي تطورت تجاه سكان فلسطين الاصليين. فأدت سياسة الاقصاء الاقتصادي للعمال الفلسطينيين الى انشاء اقتصاد صهيوني منفصل ونقي عرقيا وذلك منذ العام 1929. وباختلاف عن برجوازيات استعمارية اخرى، فان الصهيونية لم تسعى لاستغلال طاقة العمل لدى السكان الاصليين. وركز المستوطنون الصهاينة جهودهم ليس فقط على استبدال العمال الفلسطينيين بل على استبدال السكان الفلسطينيين برمتهم. "وباختلاف عن مجتمعات استيطانية-استعمارية أخرى والتي اصبح فيها المستوطنون الطبقة المستغلِة التي تعيش على فائض القيمة الذي تنتجه الطبقة العاملة للسكان الاصليين، فقد سعت الصهيونية الى استبدال السكان الاصليين. ... " ولذلك، فاننا نرى شبها كبيرا بين الاستيطان الاستعماري الصهيوني والاستيطان الاستعماري الاوروبي في البلاد التي اصبح اسمها الولايات المتحدة الامريكية. ولولا فارق الزمن وتغير الاحوال، وتطور الاعلام، لقام المستوطنون الاستعماريون الصهاينة بذبح جميع السكان الفلسطينيين الاصليين.

تعطي هذه السمات للصهيونية شكلا خاصا، بالمقارنة مع المشاريع الاستيطانية-الاستعمارية الاخرى التي تطورت في العالم الثالث. فالصهيونية قامت بتطوير نوع خاص من الاستيطان الاستعماري الذي من الممكن ان نطلق عليه استيطان استعماري احلالي او استبدالي لانها قامت باستبدال شعب المستعمَرة الاصلي لتحل مكانه مجتمعا من المهاجرين المستوطنين الاوروبيين.

وهكذا ترتبط النكبة الفلسطينية بشكل وطيد بعمليات التطهير العرقي المنهجي الذي قامت بها القوات العسكرية الصهيونية ضد المدنيين من السكان الاصليين لفلسطين. ولولا التطهير العرقي لما نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وهنا يجب التأكيد على ان فكرة التطهير العرقي والممارسة الوحشية للمستعمرين الصهاينة، والتمييز العنصري المنهجي، وممارسة الفصل العنصري، جميعها ليست الا افرازات سياسية ايديولوجية نشأت في بيئة حاضنة من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا تسمح باستئناف رحلاتها الجوية إلى المنتجعات المصرية


.. سفن حربية تشارك في استعدادات نهائية للعرض العسكري الكبير بمن


.. مشاهد القمع بالرصاص لاحتجاجات الأحواز تغزو مواقع التواصل




.. أميركا | سقوط سلك كهربائي يتسبب بشرارة كهربائية كبيرة


.. لهذه الأسباب هب عرب الأحواز للاحتجاج ضد نظام إيران