الحوار المتمدن - موبايل


الشّعبويات غيْر الغربية: الفلبين نموذجًا

بوناب كمال

2020 / 4 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


تَركّزَ اهتمامُ العالم بشدّة على صعود الشّعبويات في الغرب؛ بدءًا من انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصولًا إلى سياسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وكذا نجاح اليمين المتطرّف في الانتخابات الأوروبية (لا سيّما في بولندا)؛ وفي ما بَدا أنه أزمة وجودٍ للدّيمقراطية الليبرالية، لم تُول الأدبيات المتراكمة اهتمامًا مماثلًا لصعود الشعبوية في الشرق، وعلى وجه الدّقة مدى قدرة الذّكورية والدين على حشد قاعدة الدّعم وصياغة روايات وطنية تستهدف استعادة أمجاد وعَظمة الماضي، عَقب عقود من الشعور بالإذلال والضعف في المسرح العالمي.
تشير التّوقعات إلى أنّ الفلبين ستكون بحلول عام 2050 في المرتبة التاسعة عالميا من حيث التعداد السكاني، ,وأن الدّولة ،التي تصنّف اليوم على أنها ثالث أكبر دولة كاثوليكية (وسادس أكبر دولة مسيحية)، ستتبوّأ المرتبة العاشرة عالميًا في النّمو الاقتصادي.
يتحدّث مركز بيو للأبحاث عن فشل الفلبين في تطوير طبقة وسطى، حيث لا تتجاوز 15 %، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قُورنتْ بدول مجاورة (30% في أندونيسيا، و 40% في ماليزيا و 36% في فييتنام)؛ وقد أدّى هذا الأمر إلى فقدانٍ كبير للثقة في المؤسسات العامة وانتشار آفات المحسوبية والفساد، وكشَف مؤشر الثقة الفلبيني عام 2014 على أنّ 11% فقط من المواطنين لديهم ثقةٌ في الحكومة، بينما صنّفت منظمة الشفافية الدولية الفلبين في المرتبة 59 من حيث الشفافية والمساءلة والحكومية؛ وكردٍّ عنيف على اقتصاد العولمة وعدم المساواة في الثروة التي أوْجدها، كان عُمدة مدينة دافاو في مينداناو "رودريغو دوتيرتي" مؤهّلا لركوب موجة الدّعم الشعبي ومن ثمّ الفوز في انتخابات 2016.
في إحدى خُطبه الانتخابية نبّه دوتيرتي إلى عزمه خوض حربٍ ضدّ المشاكل التي جعلت من الفلبين في حالة ارتباكٍ دائم، وتهدّد بانهيار النظام والقانون (مستويات الفساد العالية، الإجرام، تفشّي بيع المخدرات وغيرها من الأمراض الخبيثة التي تهدّد الألياف الأخلاقية للمجتمع الفلبيني). وفي خطابٍ ، شكّل صدمةً للكثير، صرّح دوتيرتي بأنه يودّ ذبح ثلاث ملايين من مدمني المخدرات، واعترف بأنه كان يقوم شخصيا بقتل المشبه فيهم حين كان عمدة لمدينة دافاو، ولقد كتبت جريدة "مانيلا تايمز" أنّ استخدام الكلمات المؤذية والمُهينة والحطّ من لغة الدّبلوماسية علاماتٌ مميزة في خطابات دوتيرتي، لذلك ليس غريبًا أن يَصف باراك أوباما بـ ابن عاهرة ، ويهاجم الاتحاد الأوروبي ويهدّد بطرد سفرائه إن استمر "حرجُهم" من الحرب على المخدرات؛ كما هدّد علنًا بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية.
يعتقد جوشوا روز (Joshua Roose) أن دوتيرتي يصطفّ مع مخيال الفحولة الفلبينية أو يسعى جاهدًا لإحيائها، فإضافة لإشادته بصانعي الفياجرا، يتباهى بذكائه كعلامة ملازمة لذكوريته، والأغرب أنه ذهب إلى حدّ عقلنة الاغتصاب "طالما هناك جميلات، فهناك اغتصاب".
وجدتْ الكنيسة الكاثوليكية ، التي تتمتّع بتأثير نافذٍ في سكان الفلبين، ذاتها أمام مسؤولٍ كلّه اندفاعٌ لمعاداة الكنيسة وانتقادها بقوة، حيث وصفها دوتيرتي بأنها كلها قذارة ومسيئة للأطفال ومختلسة للأموال، وعاد ليوظف عبارته المفضلة "ابن عاهرة" ليصف بها ،هذه المرة، البابا فرانسيس، رغم ذلك يكشف دوتيرتي عن وعيٍ بقوة الكنيسة وأنّ له كهنةً أصدقاء (في إشارة إلى الكاردينال تاغل الذي يُرشّحه الكثيرون ليكون البابا المستقبلي)؛ وفي مواجهة هذه الرسائل المتناقضة من دوتيرتي تبنّت الكنيسة إستراتيجية "التعاون الحَذرْ"، والتي تنصّ ، كما وردت على لسان رئيس الأساقفة سقراط فيليجاس، على حثّ الكنيسة للشعب على التعامل مع الحكومة وذلك من أجل المصلحة العامة، بمقابل التحلي باليقظة والتنبيه إلى الأخطاء والإرشاد إلى تصحيحها.
أثبتت الرّجولة المفرطة ،التي يعتنقها دوتيرتي، فعاليتها في بلدٍ يواجه تحدّيات اجتماعية واقتصادية ويسعى للتغلب على إرث الاستعمار السّام الذي قوّض التنمية وجعلها في حكم المؤجّل، كما أبانتْ الكنيسة الكاثوليكية ، التي تجسّد وجهة نظر أخلاقية معارضة لـ دوتيرتي، عن موقفٍ إستراتيجي متّزن يضمن لها حضورا في سباق النفوذ السياسي على القرارات في الفلبين.
بتصرّف عن:
Populism and the crisis of Democracy, Volume 3, Edited by Gregor Fitzi & others, Routledge, 2019.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي


.. تعليق محادثات فيينا بشأن الملف النووي الإيراني أسبوع للتشاور




.. وفد مصري برئاسة رئيس الوزراء يزور طرابلس


.. الحصاد - مقتل الرئيس التشادي وتفاؤل في محادثات فيينا