الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في # سرديات الجسد والإيروتيكيا #

صلاح زنكنه

2020 / 4 / 17
الادب والفن


تكمن فضيلة الصديق الناقد اسامة غانم كونه ليس ناقد أكاديميا بطرا, بل هو ناقد ثقافي فذ يعتمد على ذائقته القرائية وخزينه المعرفي والثقافي في استجلاء النصوص وتحليلها وتفكيكها والغوص في ثناياها, عبر قراءة سوسيو ثقافية عميقة تحيط بالمتن الكتابي وصاحبه ليصل الى مديات الخطاب واستراتيجياته وعناصر مكوناته وفق رؤية نقدية تسلط الضوء ساطعا على خفايا الاشتغال الفني والأبعاد الدلالية والتأويلية في تلك النصوص قيد الدراسة الفحص, وهذا ما نراه جليا في كتابه (سرديات الجسد والإيروتيكيا) الصادر عن دار الحوار 2019 الذي يتناول فيه عددا من الروايات لروائيات عربيات من شتى البلدان العربية.
يشير الناقد في مقدمة كتابه إلى مصطلح (الايروتيكية) التي تهتم بالجنس كبوح وسلوك وثقافة و(الأيروسية) التي تخوض في الحب والرغبة والشهوة الجنسية والتي تبتعد عن (البورنوغرافيا) كأدب اباحي وفن مجوني فاحش علما أن المصطلحات الثلاثة لها أرضية مشتركة واحدة إلا وهو الجسد بكل اغوائه واغرائه وافتنانه.
من هذا المدخل تناول اسامة غانم نصوصا سردية غاية في الجرأة والمشاكسة لكاتبات عربيات كسرن حاجز الخوف والمسكوت عنه وغامرن في البوح الأنثوي الصادم للذائقة الذكورية المتزمتة والمتلفعة بعباءة العفة والحشمة والمتمنطقة بالعرف والشرع عبر قراءة نقدية واعية لهذه المتون السردية التي شكلت علامة فارقة في الجنوسة العربية والأدب النسوي الذي تحرش بالتابوهات المجتمعية الرافضة لصوت الأنثى وتجلياتها الانسانية ومتحديا الثقافة البطريركية القضيبية المهيمنة على الذاكرة الذكورية في الثقافة العربية الإسلامية عبر مئات السنين لتكشف عن كل ما هو مستور ومكبوت ومغطى ومطمور من تموجات الروح المعذبة والجسد المنتهك للمرأة بوصفها أنثى مستلبة وذات مسحوقة كوسيلة للدفاع عن النفس وتطلعاتها وفضح آليات القمع الرجولي ازاء النصف الآخر النسوي المغيب من المشهد والممنوع من التعبير والشكوى والتظلم بوصفه الضلع المعوج غير الصالح سوى للخدمة والمتعة والانجاب.
ومن غرائبية الجسد عند الكاتبة المصرية سهير المصادفة في روايتها (لهو الأبالسة) إلى صوفية الجسد عند السعودية رجاء عالم في (خاتم) الى وجع الجسد عند اللبنانية حنان الشيخ في (حكاية زهرة ) الى جرأة الجسد وعنفوانه عند السورية سلوى النعيمي في (برهان العسل) الى استباحة الجسد وادانته عند العراقية عالية ممدوح في (التشهي) الى الشعرية الحالمة للجسد عند التونسية فضيلة الشابي في (الاسم والحضيض) الى انعتاق الجسد وتمرده عند الجزائرية فضيلة فاروق في روايتها (اكتشاف الشهوة) .. يتمعن الناقد بمقاربة نقدية دؤوبة في عوالم شخوص نسائية متمردة مأزومة شغلن مساحة واسعة من اشتغال مخيال الروائيات اللواتي تطرقن الى سوسيولوجية الجسد وغوايته وسحره وقهره وعهره ابتداءً من عتبة العنوان مرورا بالفصول والأحداث والوقائع والمضامين والمدلولات وانتهاء بمصائر الشخصيات الضاجة بالأحلام والصراعات والمتناقضات والأزمات والمنغمسة في الحياة بحلوها ومرها, مستخلصا جل الأسباب والتداعيات والنتائج والعبر التي تمخضت ورافقت هذه الكينونات والحيوات الحكائية الشهرزادية.
إن الأدب العربي لا يخلو من النزعة الايروتيكية التي كان العرب يطلقون عليها تسمية (الباه) كما نتلمسها جليا في مدونات الجاحظ والتوحيدي والقزويني والنفراوي والسيوطي, وقصائد امرؤ القيس وأبو نواس وفضلا عن كتاب ألف ليلة ولية الذي يعج ويضج بالجنس والنكاح والمضاجعة والفحش أيضا, لكن اقدام كاتبات عربيات في القرن العشرين الملتهب وعيا وتحررا مثل نوال السعداوي المصرية وغادة السمان السورية وأحلام مستغانمي الجزائرية اللواتي مهدن وعبدن الطريق لنخبة مبدعة من الكاتبات والشاعرات بالخوض في مضمار الكتابة الجادة والجريئة عن الجسد وتجلياته, فضلا عن الأخريات اللواتي شخص ناقدنا غانم تمثيلاتهن الوجودية والوجدانية في هذا الكتاب الإيروتيكي الذي رصد التحول الخطابي الجريء لدى الروائيات اللاتي حطمن الأسوار الكونكريتية الصلبة التي دعم بنيانها الديناصور الديني والسلطان الدنيوي معا.
وهذا الكتاب النقدي الممتع والجدير بالقراءة والاشادة هو اطلالة على عدد من أهم الروايات في السردية النسوية التي قوبلت في بعض البلدان العربية بالرفض والمنع والردع والاستهجان من لدن دهاقنة حراس الشرف والذوق والأخلاق الذين أقاموا الدنيا على رؤوسنا ولم يقعدوها لحد الآن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان بورسعيدى عن دوره كمساعد وزير الداخلية فى -الاختيار2-: ش


.. شخصيات مستنيرة | أبو الفرج الأصفهاني.. أهم مراجع الموسيقى ال


.. أجور الفنانين في #رمضان تثير البلبلة.. و #محمد_رمضان الأغلى




.. نشرة الرابعة |شاهد.. أبرز الأسماء الفائزة بمسابقة الجوائز ال


.. نشرة الرابعة | مخرجة سعودية تفوز بإحدى جوائز وزارة الثقافة