الحوار المتمدن - موبايل


ملامح وأقنعة عشوائيات في الحب العشوائية 28

سمير محمد ايوب

2020 / 4 / 23
الادب والفن


كتب الدكتور سميرمحمد ايوب
ملامح وأقنعة
عشوائيات في الحب ـ العشوائية 28
مع تفشي أقنعة الوجوه والعقول ، ومكيَجةُ المشاعر والعواطف والسلوكيات ، والتوسع في النفخ والشد والتشذيب والتهذيب ، وانتشار الوشم والمضافات ، وسرقة الألقاب والمناصب ، والكثير من اللحى والأثواب والشوارب ، والسياحات في المناسك ، والسَّفَهِ في التقاط الصور مع صناديق المعونات ، مع كلِّ هذه الارتطامات البصرية والسمعية ، هلْ يا شيخنا ، ما زال ممكنا التعرف بثقة مُطمئنة ، على الملامح الداخلية والخارجية للناس ؟
سؤال ألقاه بالأمس عليَّ ، بعد عصف فكري في الحياة ، ثلة من الأحفاد في أوائل العشرينيات من أعمارهم ، لم يتخرجوا من جامعاتهم بعد .
قلت موافقا قبل أن أجيب : صحيح يا شباب ، أنه عصر انتفاخ الأنا ، وزمنُ غياب الملامح الحقيقية ، وغيبوبة المشاعر الصادقة . إنه عصر القامات الرمادية ، والأنفس الباهتة .عصر العلاقات القصيرة المارقة ، والابتسامات الرقمية ، والقبلات المثلجة ، والعناق الافتراضي .
صَمَتُّ قليلا قبل أن أتابع : أُدْرِكُ نضج تجربة جيلكم . وأعرف جيدا ضوابطكم التي تفاوضون بها الحياة ، ومع هذا أسألكم مُعجَبا ، من أين أتتكم فكرة هذا السؤال ، وانتم ما زلتم في مقتبل العمر ؟
قال اكبرهم سنا ، وأنا أظنه مستهجنا لسؤالي : حِرْصُ من ربونا ومن تأثرنا بهم ، على استلام شبابنا بإتقان من بداياته يا جدنا . وكانت شرارة البداية ، لحظةَ حاول أحدنا قراءةَ التضاريس الظاهرة والمخفية ، لمن أحبها . اقترب من بعضها ، وتلمس بعضها الآخرعن بعد . بعد ان عرفها قلبه ، حاول التعرف بعقله أكثر على ما ارتطم به بصره منها . فتعثر كثيرا . فهل من سبيل للابتعاد عن شراك البصرالواهم ، وخدع السمع الحالم ؟
قلت مبتسما وانا انقل بصري بينهم : تحرروا بداية من الظن ، بأنَّ بحورالاقنعة قد تهدأ يوما ما . ومن ثم إتقنوا الابحاروسط امواجها العاتية . واعلموا أنَّ الحياة تخلو من مكان آمن ، من تخبيص الأقنعة ، إلا الحبَّ الذي يعانق فيه قلب سليم عقلا ناضجا . فإن عناقهما إنْ صدَق ، كاشفٌ لسراب الاقنعة . مع العلم أنَّ الكثير من معتقدات الناس عن الحب ، ما هي إلا انطباعات مبنية على ما يجدونه جذابا في الشريك .
قال الناطق باسم ثلة الأحفاد بصوت مثقل : كبرنا يا جدي ، ونحن نثق أنَّ طُرُقَ الحبِّ في سماوات الحياة أطول مما نشتهي . ولكن ماذا نفعل ، وقلوبُنا مُشرعةَ الأبواب كبيوتِنا ! تأتي عليها لحظاتٌ أثقل من الجبال ، تَحارُ بين الياسمين والاكتئاب ، فلا تَضُمُّ ولا تَشُمُّ، ولا تنطلق راحلة بهدوء .
قلت وأنا أتناول فنجال قهوتي من اصغرهم سنا: إذا انتشرت احداهن بداخل أي منكم ، كقطرالندى وامتلأ بها ، ولم يفلح في إخفائها ، تبتسم له في كل معارجه ، وكل الطرق تحتضن خطاه ألى غيطانها ، ويأخذه الحنين مشاويرا إليها ، لا يمعن في الهرب ، ولا يقتفي أثر ماضيها كقصاص أثر عتيق . فليخرج عن السياق قليلا دون أن يعتزله . وليعانق مشاعره ويمتزج بواقعه ، ويشارك بشجاعة وحماس وصدق ، في صياغة تجربته المشتركة معها .
قال بجدية وهم يتفرسون بوجوه بعض : صحيح يا جدنا ، أننا نتبدل تماما بحضور من نحب . نكون متجهمين فنصير أكثر ثرثرة وصخبا مفعما بالحياة حين يجئن . ولكن خبز بعضهن كاذب وفكر بعضهن اكذب ، ومؤذٍ بأكثر مما يحتمل الواحد منا .وبعضنا من الشباب مثلهن بل وأسوأ .
قلت مقاطعا : لا ورب الكعبة ، لا يجتمع حب وأذيَّة في قلب واحد . وإن حصل ما يقتل اللحظة لا ما يقتل الحب ، مارسوا كلَّ فنونِ التجاهل باحتراف حسَنِ النيَّة . أو فليعد بعضكم النظر في رجولته .
قال وأصابع يده اليمنى تتخلل شعره المنساب باناقة على جبهته : المقاربة البصرية بالتأكيد أسلس من التبصر بالقلب ، أو التأمُّل بالعقل . ولكل منها ، البصر والقلب والعقل ، قراءاته الخاصة للشخصية . ولكن نود منك أن تخبرنا عن الخيط الذي يجمع بين هذه العتبات والبوابات ؟
قلت مبتسما : المهارة ، الاخلاص والإتقان الموضوعي يا شباب . نعم لكل منها ملكاتها ومهاراتها ، وكلُّها حاضرة في مجالها . تستحيل الشخصية مع الحواس ألوانا وروائح وتضاريس ، ومع القلب تتحول الألوان والتضاريس إلى مشاعر وأحاسيس وكلمات ، ولكن من يُتقِن لغةَ العقل ، يعرف كيف يقرأ البشر بعيدا عن اوهام الوصف والرسم .غير أن الشراكة التي تزدري الوهم ، نبعٌ يُقاسُ كَمُّه وصفاء تدفقه ، بمدى إيمانكم بالشريك ، وبما رزقكم الله به من عقل وقلب ومهارات إتقان.
تذكروا يا شباب ، أننا كلنا شيبا وشبانا ، ندعي المعرفة بالحب . ولكن ثقوا أنَّ جُلَّ المدعون ، لا يعرف كيف يعيشونه ، ولا كيف يدوم . واحفظوا عني : إذا ما أراد أحدكم اسعاد احداهن ، فليعطها أذنيه قبل قلبه ، فنصف السعادة اهتمام .
الاردن – 20/4/2020








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الناقد الفني طارق الشناوي يتحدث عن دور صلاح ذو


.. اللغة والتفكير - واقعنا بين الأسئلة والأجوبة


.. المسنة التي تدعي أنها الأم الحقيقية للفنانتين صفاء وهناء تقل




.. أدب الطفل: ما جدوى الكتابة إن غابت ثقافة القراءة؟


.. كيف عمل نظام أسد على تهميش شعراء سوريا على مدى أكثر من 50 عا