الحوار المتمدن - موبايل


في قطار ياباني عابر

منير المجيد
(Monir Almajid)

2020 / 4 / 24
السياحة والرحلات


السفر بالقطار كان شاغلي منذ أيام «الأوتومتريس». تلك العربة الحمراء بين خط القامشلي وحلب، والمفصل المعدني على خط برلين-بغداد العجوز، غير آبه لخطط السيّدين سايكس وبيكو في رسم خطوط الدول شرق المتوسطية.
كنّا سرعان ما ندخل الحدود التركية بعد إنطلاقنا من محطة القامشلي، وهكذا قبل أن نصل إلى حلب، خلالها كان يُسمح لنا أن نشتري، من نوافذ لا يُسمح فيها أكثر من مدّ الأيدي، من أطفال كرد حُفاة، فواكه مجففة محشوة بالجوز وسندويشات كباب فيها، بالإضافة إلى لحم خرفان مشوي، بقدونس وبيواز (بصل مُثخن بالسماق نبيذي اللون)، بينما كان الذباب يطنّ في كل مكان حولنا.
هكذا كنت، ومازلت. حين أرتحل في أرجاء المعمورة، أجرّب قطاراتها.

وقطارات اليابان، تتميّز عن غيرها، بسبب الخدمات. وكما في كل القطاعات، فاليابانيون يمكن هزيمتهم بالقنابل النووية، لكن ليس، مطلقاً، في قطاع الخدمات والإنحناءات.
مشوار البارحة بدأ الساعة الرابعة صباحاً، بالتوقيت المحلي، من محطة Matsuyama.
إنه يوم الأحد، ويفترض على هؤلاء اليابانيين، أن يحظوا بيوم راحة، لكن، لا. المحطة كانت مكتظة بالمسافرين وموظفات الجي آر (السكك الحديدية اليابانية)، بأزيائهن الكحلية والشرائط الحمراء.
كنّ يساعدن المسافرين والإبتسامة لا تفارق وجوههن.
أنا، وجهي لم يكن في مزاج الإبتسامات، لأنني لم أنم سوى أربع ساعات، بينما وجهتي كانت إلى Himeji-jō 姫路城، وهي قلعة مهيبة من العصور الوسطى.

مظهر القطار من الخارج لا يشي إلا بالتواضع، لكن، حينما تدخل إلى العربة، تجد كل ما يلزم لراحتك ورفاهيتك. المقاعد المصفوفة مثل صالة سينما، يمكن أن تديرها بـ ١٨٠ درجة، إن كنت بصحبة عدة أصدقاء، وإلا هناك متسع لساقيك ودورتك الدموية وشحن هاتفك، أو الإكتفاء بالتمتع بالمشهد خارج نوافذ العربة الممسوحة والمغسولة بعناية.
موظفو الجي آر وقفوا صفاً بطريقة العسكر، وانحنوا جميعاً، كما عند إنتهاء مسرحية، حالما طقطق القطار مفاصله. بعد خمس دقائق، كنّا في عتمة أول نفق.
الشمس كانت تصعد بهدوء ربّاني نحو فتحة السماء الزرقاء الرحبة لتتيح لنا، المسافرين ذوي المزاج المتعكّر، مراقبة ما يجري في الطبيعة، بين نفق وآخر.

الشريط الساحلي الضيق من جزيرة Shikoku، نقطة إنطلاقي نحو الشمال، وحتى مدينة Marugame، لا تتغيّر، تقريباً، تضاريسه. الطريق القديم الأسفلتي الملاصق لبحر الداخل الياباني، والسواحل المليئة بإسطوانات إسمنتية ثقيلة لحماية البر، تحسباً لتسوماني ما، لا يعلن عن مجيئه إلا بعد فوات الأوان، ومن ثمة خط السكة الحديد، لا يفصلها إلا بعض البيوت تقليدية البناء، والتي كانت سكنى لصيادي الأسماك، الذين تحوّل معظمهم إلى الزراعة، مدفوعين بالجوع، في سنوات الحرب الثانية، ومربعات ومستطيلات أراض تُزرع بالقمح والخضار والأرز، وفي الأرض كلها، دوماً، جداول ومسارات مائية، منها ابتدعته الطبيعة واخرى الإنسان، تطبيقاً للمقولة الثورية الخالدة: لا حياة دون ماء.
من جهة الشرق طريق الحافلات السريع. إن جاء جبل أو تلة ما فلا بد من التغلب عليه بحفر نفق.
وعلى ذكر الجبال، فإن مشهدها بديع، فهي تغيّر ألوانها بتعاقب الفصول، وفصل الربيع هو المُثير، لأن الأشجار في حالة ولادة شيّقة.
دوماً أتذكر سجادات «الموكيت» الملونة بعدة درجات من ذات اللون، التي كانت موضة وبدعة السبعينات. كلما كانت أسمك وأثخن كلما كانت مرغوبة أكثر. مشهد الجبال من نافذة القطار يشبه تماماً أرضية مكتب مدير وزاري بدين في دمشق.

في هذه الأيام، سنابل القمح على وشك الإمتلاء، مرسلةٌ لوناً من درجات الأخضر يبعث على الفرح، بعكس أخضر البصل المزرق بحزن. وإن انعكست مرآة السماء على الأرض ولمعت كسراب حقيقي، فأنت متأكد أن أولى شتلات الأرز قد وُضعت في مكانها. حقول الأرز يجب أن تُغمر بالماء دوماً، فهذه النبتة المقدسة في عموم شرق آسيا عطشى أربع وعشرون ساعة في اليوم.
قريباً سيكبر في مياهها السمك الذي جاء منحدراً من سواقي الماء المنتشرة في كل الأرجاء، وهكذا بالنسبة للضفادع التي ستبدأ قريباً طقوس تزاوجها. وحينما تتواجد الضفادع والأسماك، تتواجد اللقالق الآتية دوماً من إتجاهات الجنوب. الثعابين أيضاً تجد في المكان وليمة مجانية، ومن الجو تشن العقبان غارات دقيقة على هذه المخلوقات أيضاً، كي تكتمل دورة الحياة والموت والطبيعة.

توقفنا في Imabari المدينة المشهورة بصنع أجود مناشف الحمامات في العالم، و Niihama و Kanonji و Tadotsu قبل أن نصل إلى محطة مدينة Marugame المعروفة ببناءٍ برجيّ عال جداً تقتله الوحدة، يبدو غريباً عجيباً في مدينة تخلو من أية أبنية برجية اخرى.
ثم نصل إلى جسر Seto-Ōhashi المهيب. هو أكبر جسر مزدوج في العالم (بطابقين، الجسر العلوي للحافلات والسفلي للقطارات) والذي يتجاوز طوله بقليل ١٣ كيلومتراً. إستغرق البناء عشر سنوات (١٩٧٨١٩٨٨) ، وهذه فترة طويلة جداً في ترمينولوجيا البلاد. إلاّ أن منظره وضخامته تقنع أي شخص بما وضعه البشر من جهود لإتمامه على هذه الصورة.
الجسر، من مجموع ثلاثة جسور اخرى، تربط جزيرة شيكوكو بالجزيرة الرئيسية هونشو.

في مدينة Okayama (عدد سكانها يقترب من المليون وفيها إحدى أشهر حدائق اليابان التقليدية Kōraku-en)، وبعد ساعتين ونصف غيّرت القطار إلى الـ Shinkansen، أو المعروف بإسم القطار الطلقة كما يحب العالم تدليله.
هذا القطار، الذي يشبه مشهداً في أفلام الخيال العلمي الهوليوودية، يسير، لا بل يطير، بسرعة لا تقل عن ٣٠٠ كليومتر في الساعة. لا صوت طقطقة مفاصل على السكة، بل إنسياب ناعم حالم، مختصراً المسافات بين مدن البلاد.
في الحقيقة، السفر بالشينكاسن أسرع من السفر بالطائرة بين طوكيو وأوساكا، على سبيل المثال، إذا أخذنا في الحسبان الذهاب إلى المطار في كلا الطريقين، وتسليم الأمتعة والبطاقات والتعرض للتفتيش وهكذا.

بغمزة عين وصل بنا القطار-الأعجوبة إلى مدينة Himeji، ومن هناك أكمل «سرعته» باتجاه أوساكا، كيوتو، ناغويا، ليرتاح، على الأرجح، قليلاً في طوكيو.

حالما تخرج من بناء محطة القطار يفتح لك شارع رحب واسع المجال لرؤية القلعة على مسافة تسعمائة متر.
السير بإتجاه القلعة، في الشارع الذي حظرّت السلطات فيه التدخين، يقابلك مشهد غير مألوف: أشجار قُطّعت أوصالها ولم يبق منها إلا الأصل، الذي جعل الربيع أولى الأوراق الخضراء تتكاثر حوله. وعلى كل شجرة ثُبّتت لائحة كُتب عليها: هذه الشجرة تٌعيد خلق نفسها. وتحت الشجرة ترى مقعداً صُنع من الشجرة إياها.

على مدخل القلعة وقف رجال، يعملون دون مقابل، وضعوا أنفسهم في أزياء حُماة القلعة، كما كانوا منذ سبعة قرون، مفتخرين بوضعها على لائحة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي.
إسمها Himeji-jō (قلعة هيميجي) التي يعود بناؤها إلى العام ١٣٣٣. وقد بنيت، بطريقة طقسية، من الخشب والتراب والأحجار، دون إستعمال المسامير، وهي تُشكلّ، بالإضافة إلى قلعتي Matsumoto على الطرف المغاير لطوكيو نحو الغرب، و Kumamoto التي مزقها الزلزال قبل سنتين (يقومون بإعادة بناءها الآن، وسوف يستغرق الأمر ثلاثين سنة)، أهم قلاع يابانية على مرّ االعصور.
ومن ثلاث جهات، بنى الأوائل حاجزاً مائياً عريضاً، تجوبه قوارب تقليدية فيها سواح يضعون قبعات القش على رؤوسهم.
على الطرف الأيسر من أبنية القلعة الكثيرة، تقع حديقة Nishi-Oyashiki-Ato التي كانت مكان راحة الشوغان للتنزه وشرب الشاي وممارسة المجون في أوقات السلم.
ولأنني أتواجد في مدينة هيميجي، كان لا بد أن أزور معبد Shoshazan Engyoji الواقع على أعالي الجبال الشمالية للمدينة. ولهذا المعبد أهمية خاصة لدي.
مشهد لقاء توم كروس وكن واتانابيه في فيلم The Last Samurai. ليس بسبب توم كروز أبداً، بل واتانابيه البديع، في مشهد، حينما يسيران على ممر البناء الملحق بالمعبد، والذي كان مخصصاً لإقامة الطلبة (مثل المدينة الجامعية)، وحولهما زهور أشجار الكرز التي تفتحت للتو. كان يجب أن أسير في ذلك الممر، حتى لو كلفني الأمر وقتاً، وتسلق جبل، واجتياز موانع على شكل تسعين درج (سلالم) حجري، مُنهكاً كل مليمتر من عظامي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل أعلنت حماس الحرب على إسرائيل؟ أسامة حمدان يجيب


.. مظاهرات ومواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية في عدد


.. المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية يتهم المواطنين العرب بإحداث




.. حريق يلتهم كنيسة تاريخية في فيلاديلفيا


.. جبال تشينلينغ -وريد التنين-