الحوار المتمدن - موبايل


الأمن المجتمعي في مجتمعات الرأسمالية الناجزة بين دولة الرعاية وجائحة كورونا

علي عبد الرحيم العبودي
باحث عراقي مختص في الاقتصاد السياسي

2020 / 5 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


"يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي
في كتابة الدولة الفاشلة: هي تلك الدولة
التي لا تحمي مواطنيها من الخطر"

يعدّ الأمن المجتمعي الغاية الاساسية التي تسعى لها جاهدة جميع المجتمعات البشرية، كما تطمح هذه المجتمعات إلى ان يكون الأمن المجتمعي في النظام السياسي والاقتصادي بالمرتبة الأولى من قوانين وتشريعات الدولة، وبالتالي دولتهم هي دولة رعاية. ويقصد بدولة الرعاية، هي تلك الدولة التي تهدف إلى تامين مستوى مناسب من الحياة لجميع افراد المجتمع، عبر برامج الأمان الاقتصادي، والخدمات الاجتماعية، والتامين الصحي، وغيرها .
إلا أن ليس كل ما يطمح لهُ الفرد يحققه، ففي الوقت الذي تحتاج دولة الرعاية إلى ان يكون الانسان معيار عملها ونشاطها، فهناك مجتمعات مغلفة تماما بالنظام الرأسمالي الناجز، الذي يتخذ من المصلحة والمنفعة والربح الاعلى معيارا اساسيا لعمله ونشاطه، وان كانت تدعي رياءً بحقوق الانسان والضمان الاجتماعي، لذا كشف لنا مشكورا فايروس كورونا بشكل عملي عن التناقضات التي تعيشها الانظمة الرأسمالية البحته وزيف ادعائها حول مجتمع الرفاهية وحقوق الانسان .
أدت المراحل الأولى لتطبيق التجربة الرأسمالية والليبرالية الاقتصادية في المجتمعات الغربية التي كانت متوحشة وغير منضبطة بأي ضابط اجتماعي، إلى العديد من الاضطرابات الاجتماعية والتي قادتها فئة العمال والفئات المعوزة اقتصاديا، مما ساعد على بروز تيار من المفكرين الرافضين لليبرالية الاقتصادية، كما كانت مصدر الهام للأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي استطاعت كسب ارضية جماهيرية كبيرة استمدتها من الفئات المظلومة .
بعد هذه التحولات المهمة استطاعت الدول الرأسمالية، وخاصة ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، ان تتدارك الموقف عبر تلميع النظام الرأسمالي بمجموعة من المصطلحات والأفكار الدخيلة على اسس النظام الليبرالي، فأقرت بالرأسمالية الاجتماعية، وأصبحت سياسات الرعاية الاجتماعية والرفاه الاجتماعي وحقوق الانسان ضمن الاساليب الديماغوجية للأحزاب والحكومات ذات النظام الليبرالي الرأسمالي .
أما اليوم وبعد جائحة فايروس كورونا العالمي الذي فتك بأغلب الدول ذات النظام الرأسمالي الجائز، اتضح جليا ان هذه الدول لم يكن معيارها وغايتها الانسان، بل كانت توظف جميع الطرق للحصول على مكاسبها، متبعه مقولة المفكر الايطالي مكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة). لذا فأن عالم ما بعد كورونا سوف لن يكن مثلما كان قبله . كما أن النظام العالمي سوف لن يبقى تحت مظلة وسيطرة الدول الرأسمالية الليبرالية .
نلحظ أن الدول الرأسمالية استطاعت منذ نشؤها ان تروض كل الاحداث والأزمات لصالحا، وان تقنع العالم بان النظام الرأسمالي هو نظام قائم على الاهتمام بالإنسان وبالتالي قائم على تأسيس دولة رعاية، عبر تسخير كل المزامير والطبول لبيان دورها، ففي حادثة 11 من سبتمبر 2001 نرى ان جميع الدول الرأسمالية قدمت التضامن مع الولايات المتحدة، كما تضامنت جميع الانظمة السياسية الرأسمالية مع العراق في حادثة سقوط الموصل بأيدي التنظيم الارهابي داعش.
أما الآن وبفضل اجتياح فايروس كورونا الذي لا يرى بالعين، ما هو حال دولة الرعاية في مجتمعات الرأسمالية الناجزة؟. سنرى ذلك في أكثر الدول رأسمالية ، وسنبدأ في أكبر تكتل اقتصادي رأسمالي عالمي، إلا وهو الاتحاد الأوروبي .
لقد طمست كل دول الاتحاد الأوروبي رأسها داخل حدودها الجغرافية، وباتت لا ترى غير اسواقها القومية الذي يهددها فايروس كورونا، إذ اظهر تفشي الوباء (كورونا) داخل دول الاتحاد الأوروبي، ضعفا في مبدأ التضامن الذي يعد من اساسيات الاتحاد، كما اظهر عدم فاعلية مؤسسات الاتحاد في التعامل مع المخاطر الكبيرة التي تهدد حياة الانسان، حيث رجحت دول الاتحاد المنافع القومية على مصالح الاتحاد والمواطن الواحد للاتحاد. ويتجلى ذلك، بقيام دول الاتحاد الأوروبي بالتحرك منفردة في مواجهة فايروس كورونا، وغلقت كل دولة منفردة حدودها دون التنسيق مع الاعضاء الاخرين، فضلاً عن رفض دول الاتحاد تقديم المساعدات والعون لايطاليا التي تعد المتضرر الاكبر من فايروس كورونا بعدد اصابات (115242) وعدد وفيات (13915)، ولم تصحح هذه الفعل إلا بعد مبادرة الصين وروسيا في تلبية مناشدات الحكومة الايطالية .
ولم تكن بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الاوروبي افضل حالاً من دول الاتحاد، حيث انتشر وباء كورونا كالنار في الهشيم، ليصل عدد المصابين داخل بريطانيا لنحو (108692) مصاب، وعدد الوفيات (14576)، هذا تحت انظار الحكومة الرأسمالية التي كانت في حال التخبط في القرارات الوقائية وحماية ارواح المواطنين .
كما ترجمت الدولة الحاكمة للنظام الرأسمالي إلا وهي الولايات المتحدة التناقضات ووحشية الرأسمالية التي كانت تخفيها قبل فايروس كورونا، وما كانت تدعيه بخصوص حقوق الانسان والتضامن مع العالم في سبيل حياة الرفاه، ففي الوقت الذي ينتشر وباء كورونا بين مواطني الولايات المتحدة، نرى ان الحكومة تقلل من مخاطر الوباء، وفي المقابل تولي اهمية كبرى لقضية انخفاض وارتفاع اسعار النفط .
واخيرا، ان حقيقة انشار وباء كورونا بين الدول الرأسمالية الكبرى يعود لسببين رئيسين: اولهما_عدم اكتراث هذه الدول إلى صحة الانسان والتغاضي منذ البدء عن انتشار الوباء خوفا من ايقاف دواليب الاقتصاد، والثاني_ هو ان الانظمة الرأسمالية لا تولي أهمية للنظام الصحي، وتفضل استثمار اموالها في القطاعات ذات المردود الربحي الاكبر . لذا أماط فايروس كورونا النقاب عن وحشية وبربرية النظام الرأسمالي في القرن الحادي والعشرين .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان: إعلان البرهان، انقلاب أم تصحيح للثورة ولماذا؟


.. ما الذي أثار دهشة مراسلي CNN بأجنحة إكسبو 2020؟


.. السودان.. أبرز أطراف الأزمة




.. السودان.. ردود فعل دولية تدعم حكومة حمدوك وتدعو للإفراج عنه


.. ماكرون يدين «محاولة الانقلاب» في السودان ويدعو للإفراج عن حم