الحوار المتمدن - موبايل


لا تحدث العاقل بما لا يليق

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 5 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


من أداب الحديث , وبخاصة أحاديث علية القوم وكبارهم , التحدث بأدب ولياقة وصدق وموضوعية وواقعية دون مبالغة , وإحترام ممن يتحدثون معهم . لذا جاء في مأثورنا الشعبي المتداول بأن لا تحدث العاقل بما لا يليق , فإن صدق فلا عقل له. أن ما دعاني لإستحضار هذا القول المأثور هو ما نشرته وزارة التعليم العالي العراقية في موقعها الألكتروني , وتناقلته بعض وسائل الإعلام العراقية وقنوات التواصل الإجتماعي , دخول (18) جامعة عراقية ضمن تصنيف التايمز لمعاملات تأثير الجامعة في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2020. وقبل الخوض بتفصيلات هذا الموضوع وبحث صحته من عدمها , ندرج في أدناه أبرز معاملات التأثير في أهداف التنمية :
1.معامل القضاء على الفقر.
2.معامل القضاء على الجوع.
3. معامل الصحة العامة .
4.معامل تكافؤ فرص التعليم.
5. معامل المساواة بين الجنسين.
6. معامل الحصول على المياه النظيفة .
7. معامل الحصول على الطاقة النظيفة .
8. معامل فرص العمل اللائق والتنمية الإقتصادية .
9. معامل الإبتكار الصناعي.
10. معامل التنمية المجتمعية المستدامة.
11. معامل مسؤولية الإستهلاك والإنتاج.
12. معامل الحفاظ على البيئة.
13. معامل ترشيد الثروة المائية .
14. معامل الحفاظ على الحياة البرية.
15.معامل العدل والسلام والمؤسسات القوية .
16.معامل التأزر لتحقيق هذه الأهداف .
ذكرت الوزارة ان الجامعات العراقية نالت مراحل متقدمة في هذا التصنيف , حيث جاءت
جامعة بابل وجامعة الكوفة ضمن الفئة (401 – 600 ) , تلتها الجامعات التكنولوجية وبغداد وأهل البيت والفراهيدي والفرات الأوسط التقنية والكفيل وكلية الكنوز الجامعة وكلية الكوت الجامعة وكلية المستقبل الجامعة وجامعة الأنبار وجامعة البصرة وديالى والفلوجة وكركوك والجامعة المستنصرية وصلاح الدين ضمن الفئة (601 +). اعتمدت نتائج التصنيف على جمع البيانات بطريقة مباشرة من خلال الجامعات التي تم تصنيفها بحسب مساهمتها في تحقيق (11) مؤشرا من مؤشرات التنمية المستدامة المشار إليها في أعلاه.
يلاحظ هنا أن هذه النتائج على فرض صحة المعلومات التي قدمتها الجامعات , أنها لا تنسجم مع واقع حال الجامعات العراقية الراهن , حيث أنها تضمنت كليات وجامعات أهلية مستحدثة حديثة, تفتقر إلى أبسط مستلزمات العملية التربوية والتعليمية المادية منها والبشرية , وخضوعها لهمينة تجمعات سياسية طائفية وتسخيرها لخدمة مصالحها التي لا تمت لمصلحة العملية التعليمية الجامعية بأية صلة , فضلا عن عدم معرفتها بالبيئة التعليمية وأعرافها وتقاليدها , ولا تعير إهتماما لأي من معايير جودة التعليم ورصانته وتلبية حاجات المجتمع , إذ أن جلّ إهتمامها بيع الشهادات العلمية لمن يطلبها وبخاصة من السياسيين وطالبي الوظائف العليا, ناهيك عن الفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة ومن ضمنها الكليات والجامعات الرسمية والأهلية على حد سواء. فهل يعقل أن كلية الكنوز وكلية واسط وسواهما يتقدمان على جامعتي البصرة والمستنصرية العريقتين مثلا بأية معايير تقيمية .
أن أقل ما يمكن قوله هنا أن هذه النتائج لا تعبر عن واقع حال الجامعات بوضعها الراهن بأي حال من الأحوال , فكيف يمكن لأحد تصديقها وكل المؤشرات تشير إلى تردي المؤسسات التعليمية في قطاعي التربية والتعليم العالي في العراق بسبب الفساد والأوضاع المزرية التي يعيشها الناس من حرمان ومرض وفقر مدقع وفقدان الأمن والأمان . فعن أي جودة يتحدثون وها هو وزير الصحة الحالي الدكتور جعفر علاوي يعلن في لقاء تلفزيوني بإحدى المحطات الفضائية العراقية : أن مستوى خريجي كليات الطب العراقية حاليا لا يرقى لمستوى ممرض, بينما يعرف القاصي والداني أن كليات الطب العراقية التي يمتد عمر بعضها لنحو قرن من الزمان, كانت تعد الأفضل على صعيد كليات الطب العربية.
وتجدر الإشارة هنا أن أيا من هذه الجامعات لم تحصل على أي موقع ضمن تصنيف التايمز لأفضل (1000) جامعة في العالم لعام 2020 عدا جامعة بغداد التي جاءت في المرتبة ( 819 ) عالميا من إجمالي ( 1396 ) جامعة, والمرتبة ( 25 ) عربيا من إجمالي ( 33 ) جامعة عربية ضمن قائمة أفضل ( 1000) جامعة عالمية . يعد تصنيف التايمز للجامعات أحد أفضل التصنيفات المتداولة عالميا , يعتمد هذا التصنيف ( 13 ) مؤشرا موزعة على خمسة مجالات رئيسية وفق تعريفات إجرائية محددة , وتتمثل هذه الإجراءات بالآتي : التعليم والبحث العلمي ودور الجامعات في نشر المعرفة والأفكار الجديدة والإنفتاح الدولي وخدمة المجتمع.
وبالعودة لأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2020 , لا نفهم كيف أسهمت الجامعات بالقضاء على الفقر , بينما عجزت الحكومات المتعاقبة التي أمسكت زمام السلطة منذ غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , وكان تحت تصرفها مليارات الدولارات من عائدات النفط , عن تقديم أية خدمات تذكر في كل شيئ وأي شيئ , بل أنها زادت الناس فقرا وشقاءا , إذ يشير تقرير البنك الدولي عام 2018 إلى هشاشة الإقتصاد العراقي بعد أن تجاوز خط الفقر ما نسبته ( 22 % ) , كما تشير وزارة العمل العراقية إلى أن أكثر من مليون أسرة عراقية تعبش تحت خط الفقر. ولا يختلف الحال عن فرص العمل , إذ يشير تقريرصندوق النقد الدولي لعام 2018 إلى أن معدل بطالة الشباب أكثر من ( 40 % ) , كما يتخرج سنويا من الجامعات الاف الطلاب دون ان يجدوا وظائف لهم في الدولة مما يجعل نسبة البطالة بارتفاع مستمر وسط غياب حلول والمعالجات . فأين هي فرص العمل اللائق التي أسهمت هذه الجامعات بتوفيرها ؟ بينما هي في الحقيقة تسهم بتخريج آلاف الخريجين الذين يصعب إيجاد فرص عمل مناسبة لهم بسب توقف عجلة الإقتصاد بشقيه الصناعي والزراعي , فضلا عن عدم إمكانية الإفادة من خريجي هذه الجامعات لضعف مؤهلاتهم من جهة , ولعدم مواؤمتها لحاجات سوق العمل من جهة أخرى.
وفي مجال البيئة صدر قبل مدة قصيرة تقرير دولي خاص بالبيئة العراقية، أعده فريق من الباحثين الأميركيين في "مركز دراسات الحرب" في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. أشار التقرير إلى أن الغبار في العراق يحتوي على( 37 ) نوعاً من المعادن ذات التأثير الخطير على الصحة العامة، إضافة إلى( 147 ) نوعاً مختلفاً من البكتيريا والفطريات التي تساعد على نشر الأمراض. كما وجد أن التلوث الإشعاعي يبلغ عشرة أضعاف المستوى الطبيعي. كما ترتفع مستويات التلوث البيئي في العراق بشكل غير مسبوق بسبب عوادم المولدات الكهربائية التي تعمل بالبنزين وزيت الغاز المنصوبة في الأحياء السكنية في مراكز المدن المكتضة بالسكان ، دون الإلتزام بالمعايير البيئية حيث لا تزود هذه المولدات بعوادم في أكثر الأحيان, باعثة مواد سامة مثل الرصاص الذي يستنشقه الإنسان مباشرة مما يهدد صحته بعواقب وخيمة. لا تخضع معظم المواد الغذائية والأدوية التي تدخل إلى العراق من مختلف المنافذ والمناشئ إلى السيطرة النوعية، مما يعرّض صحة المواطنيين إلى الإصابة بأمراض مختلفة أبرزها مرض السرطان بشكل كبير حيث لوحظ تزايد نسبة المرضى المصابين بسرطان القولون والثدي في أغلب المدن العراقية. فأين دور هذه الجامعات بمعالجة المشكلات البيئية الحادة التي يعاني منها العراق ؟.
ولا نريد الإسترسال في سوء أحوال العراق بمختلف مجالات الحياة التي بات يعرفها القاصي والداني والتي جمعها تؤشر سوء الإدارة وتفشي الفساد في جميع مرافق الدولة ومنها الجامعات والمؤسسات التعليمية المختلفة التي يقتضي إصلاحها أولا تمهيدا لإصلاح العراق برمتها , فعندما تنهض الجامعات بمهامها الفكرية والبحثية والتعليمية , يمكن أن ينهض العراق ويزدهر . وما يشاع عن تقدم وتحقيق مكانة مرموقة بين جامعات العالم إستنادا إلى معلومات باطلةتقدم لهذه الجهة الدولية أو تلك , ما هو إلاّ سراب لا يجدي نفعا . وهنا نقول ان فاقد الشيئ لا يمكن أن يعطيه , فلا إصلاح بدون مصلحين. وأخيرا نقول لا تحدث العاقل بما لا يليق . والله من وراء القصد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رمضان في لبنان في ظل الأزمة الإقتصادية


.. أوكرانيا: بايدن يتصل ببوتين للتهدئة وروسيا تنذر السفن الأمري


.. آية بورويلة: هناك العديد من التحديات أمام البلدين أهمها الجل




.. ct محكمة أمن الدولة تباشر التحقيق في قضية -الفتنة-


.. خططوا لاغتيال السيسي.. لمحة عن الشخصيات الإرهابية في الاختيا