الحوار المتمدن - موبايل


إسرائيل تحث الخطى نحو -تحرير-إيرتس يسرائيل كلها

ناجح شاهين

2020 / 5 / 6
القضية الفلسطينية


إسرائيل تحث الخطى نحو "تحرير إيرتس يسرائيل" من النهر إلى البحر
"انطلاقاً من لوحة الواقع السوداء يجدر بنا إسلاميين ويساريين وفتحاويين...الخ، مثلما يجدر بما تبقى من عرب ليسوا من نسل "أم هارون" أن نرتقي إلى مستوى اجتراح المعجزات فيما يتصل بالشجاعة والتخطيط والإبداع الثوري والقدرة على تقديم التضحيات"
أنا شخص "سوداوي" أتوقع المصائب دائماً. لذلك لم أستطع خلال الربع القرن الأخير أن أشاهد أي بصيص للنور يخرج من قبرنا الجماعي على الرغم من باقات الحب والأمل التي كانت تنهال على فلسطين والوطن العربي من كل حدب وصوب.
بالطبع هناك من يتمكن من المحافظة على نبرة صوته المرتفعة المجلجلة مهما حصل. هناك بين ظهرانينا فرسان شجعان لا يغيرون خطابهم المنتصر المستند إلى قوة أخلاق المجتمع الدولي (=الأمريكي والأوروبي) مهما تغير قلب ذلك المجتمع العتيد. هكذا نسف ترامب وعود سلفه أوباما الزائفة بأن يرعى الحمل بجانب الذئب، معلناً أن من حق الذئب الإسرائيلي أن يأكل الخروف الفلسطيني ولا يبقي منه شيئاً. على الرغم من ذلك فإن طريقة "الحياة مفاوضات" لم تفقد ألقها ولا صلاحيتها. ستظل إلى آخر مضغة من لحم الخروف الفلسطيني هي الأساس والمنطلق والمنهج والعقيدة التي تسمح لنا –أو على الأقل لبعضنا- بتحقيق بعض الأرباح المتحققة من تمويل المجتمع الدولي ذاته.
هناك بالطبع نظريات التفاؤل المطلقة التي لا يردعها أي شيء يحدث باعتبار أن الحياة ممكنة من حيث المبدأ مهما جرى وحصل. وهذا النوع من التفاؤل كما لا يخفى على البصيرين بالأمور يستند إلى حدس أنطولوجي عميق، ولا علاقة له بالتاريخ أو السياسة. إنه يشبه الحزن في مواجهة النهايات الفاجعة: هم أنطولوجي بشري لا يرتكز على معطيات الواقع المعاش في خضم المجتمع. هكذا يبدو أن ما فعله ترامب وما يفعله نتانياهو وباقي الجوقة في النخبة الحالية في إسرائيل لا يؤثر في النهاية على إرادة "التاريخ" أو "القدر" أو أية قوة فوق-واقعية تسحب السياسة في النهاية على الرغم من أي شيء باتجاه إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس "الشريف".
نخشى أن هذا بالضبط هو منبع حكاية التفاؤل الفلسطينية الصامدة منذ غرة أوسلو حتى الساعة. بعض الناس لم يعد يفت في عضدهم أية انهيارات تأخذ مكانها في حياتنا المستلبة بنزع الأراضي والاعتقال والقتل والإذلال على الحواجز...الخ ذلك كله لا يهم، إذ لا بد أن نهاية النفق تحتوي وعداً غامضاً وجميلاً من قوى ميتافيزيقية مرهونة بإرادة حكام البيت الأبيض، أو قوى بيولوجية أو سحرية سترفعنا فجأة إلى مصاف المشاركين في النهائيات لنربح السباق على الرغم من ضعفنا البادي للعيان.
لا نرغب في مراجعة التاريخ. فالأمريكيون عمليون ونفعيون وبراغماتيون نظرياً وواقعياً وقلباً وقالباً، ولا وقت عندهم للذكريات وجلسات "كوانين" النار الشتوية. إنهم يشتعلون بالسرعة القصوى التي لا تبقي فرصة لممارسة ترف التأمل أو التدقيق أو التحرير أو القيام بالمراجعات. يريدون استغلال الوقت ونهبه حتى آخر ثانية وثالثة، بل حتى كل جزء من المليار من الثانية. لذلك لا نرغب في إضاعة الوقت، فالتاريخ مضى وانقضى، وما فات مات، وعفا الله والأمريكيون عما سلف. لكننا فقط نفكر في "مكان تحت الشمس" إن كان يحق لنا ذلك، أما إن كان هذا الحق كله ينتمي للماضي فلا داعي له. ومن هذا الباب نتساءل: هل يوجد بقية باقية من الأرض يقال لنا خذوها ونحن نضمن لكم نهائياً أن أحداً منا أو من أولادنا أو أحفادنا لن يمارس لعبة "قد مساحة الجلد قد"؟ فأخذ يقد الجلد حتى ابتلع "حبرون" كلها. هذا أبونا إبراهيم المقدس، أو هكذا هو إبراهيم كما يقدمه إرث التوراة ليتغذى عليه الغزاة الطامعون بالخيرات والانتصارات في سورية والعراق واليمن وأفغانستان وليبيا، والسودان الذي ازداد عدداً وعدة في السنوات الأخيرة وأصبح له صولات وجولات في حروب خارجية على الرغم من أنه لا يقوى على تأمين حدود العاصمة أم درمان بالذات، إلا أنه عزز قوتها الداخلية والخارجية بالتحالف مع إسرائيل بعد سقوط حكم البشير الذي كان مكتفياً بالتحالف مع السعودية والإمارات.
لا بد أنني خلطت الحابل بالنابل، ولا بد أن أنصار السلام لا يحبون ذكر العراق ولا سورية، لأن نظرية السلام الفلسطينية تقوم فيما نحسب على أساس النوايا الأمريكية في إعطاء الفلسطينيين دولة ما في نهاية المطاف. وقد وعد بذلك كلينتون وبوش وأوباما ومسك الختام دونالد ترامب بالذات. وهو رجل " إيده طايله"، ولو أراد أن يملأ لنا البحر مقاثي ولوز وسكر وطحينة لفعل، ما أعجزه عن ذلك معجز. لكن الرجل للأسف يغير نوياه طوال الوقت. مرة يعشق بوتين ومرة يغلق سفاراته في شمال أمريكا وجنوبها. وكذا يقول الشيء وضده فيما يخص فلسطين وأهلها، وهو ما يجعل الفلسطينيين التعساء يلهثون وراء الوعود المتتالية على الرغم من أن بعض الأقارب في السعودية قد كشفوا أن ما بقي لنا من أيام أصبح معدوداً بالفعل.
كان المطلب الإسرائيلي المعلن أن ينتقل العرب من مستوى الموافقة الرسمية على وجود إسرائيل إلى مستوى قبول الجماهير العربية سراً وعلناً، قلباً وقالباً بالدولة العبرية، بمعنى الانتقال من حالة الاتفاقيات مع الدول إلى حالة الود والرحمة والصداقات العميقة بين رعايا مع تلك الدول. هكذا أطل علينا شهر رمضان الحالي ونحن نشاهد الأنظمة الشجاعة ذاتها وهي تقاتل الجبان كورونا، ونرى تردي النفط حتى أصبح البرميل أرخص من علبة مالبورو الشهيرة. في هذا السياق وصلت دول النفط بالذات إلى مرحلة التطبيع الذي لا يكتفي بالسياسة ويدخل البيوت كلها من أبوابها أو فضائياتها عن طريق مسلسلات "متعوب عليها" من قبيل "أم هارون" و"مخرج 7".
على الرغم من ذلك كله، سيظل أنصار التسوية مؤمنين أن لكل أمر نهاية، وبالتالي فإن الوعود الأمريكية لا بد أن تنتهي في النهاية إلى شيء. والمطلوب فقط هو أن يقدم الفلسطيني ما يثبت أنه أهل للتعايش مع دولة إسرائيل المحبة للسلام.
نتذكر في هذا السياق مسلسلات الأيام والأسابيع التي كان يطلب من الفلسطينيين فيها أن يمارسوا الهدوء مهما كانت أفعال إسرائيل الدفاعية مؤلمة لهم في بعض الأحيان. كثيراً ما يحدث في بعض الأحيان أن الفلسطينيين ينفد صبرهم ويرمون حجرا يثبت أن الإرهاب متأصل في طبيعتهم، ولذلك فلا بد من مزيد من الاختبارات حتى نتيقن من شفائهم النهائي من علل الهمجية والبداوة والغدر والميل إلى العنف. وهنا علينا أن نسجل مآثر البيض جميعاً في تمويل آلاف المشاريع الهادفة إلى معالجة الفلسطينيين من أدران الشرور الإرهابية ذات الألوان والطعوم المختلفة.
المحزن في ملحمة التاريخ أنه درامي تماماً، وهكذا يؤدي تطور الحدث/الحبكة إلى تغير النيات الأصلية مهما كانت مخلصة. وغني عن البيان أن المرء مهما أخلص في أيمانه المغلظة بخصوص المستقبل فإن مسيرة الواقع هي وحدها التي تحدد في النهاية ما سيفعله تبعا للقوة التي يكتسبها أثناء تسارعه في صيرورة الحدث. لذلك لا يركن العقلاء كثيراً إلى النوايا والوعود ويعملون على بناء الوقائع باتجاه يخدم تحقيق ما يريدون إن خيراً فخيراً، أو شراً فشراً. ومن لا يفعل ذلك لن ينال شيئاً على الإطلاق حتى لو قدم خديه للصفع في اليوم عشر مرات متتالية. يبدو أنه لا فائدة أبداً من أن تكون مسيحيا طيباً في هذا الزمن. لكن الغريب هو أن أحدا من الناس لا يجهل هذه البدهيات في حياته العملية، وخصوصا في الحالة الفلسطينية. فمن هو المستعد يا ترى للتنازل عن شيكل واحد من أرباحه لقاء مصلحة الجماعة أو البلاد أو ما أشبه؟ ومن هو الجاهز للتنازل عن نفوذه أو منصبه من أجل الإصلاح أو التنمية أو ما شئتم من أسماء سميناها نحن وآباؤنا؟ لماذا يا ترى يتوهم كثير منا أن "من واجب" إسرائيل وقادتها أن يشذوا عن "الطبيعة" الإنسانية الأنانية والجشعة التي تدفع الأخ ليقتل أخاه طمعاً بأن يكون الميراث من نصيبه منفرداً؟
للأسف لم يتمكن الفلسطيني من فعل الكثير دفاعا عن حياته ووجوده على أرضه. وبغض النظر عن الأرقام المطلقة، فإن الارتفاع إلى مستوى الحدث لم يتحقق أبداً. بل لقد كان الفلسطيني أحياناً بعيداًعن الوعي في الحد الأدنى المعقول بشروط ما يجري. ذلك ما وصفه محمود درويش بقسوة شديدة في أبياته عن ماجد أبو شرار:
"صباح الخير يا ماجد
قم اقرأ سورة العائد
وحث السير
على وطن فقدناه بحادث سير"
لا داعي في الواقع إلى المبالغة. الشيء الأساس الذي فعلناه هو أن نموت وأن نسجن وأن نشرد، وأن نتحول إلى "دياسبورا" لا تقل عن مثيلتها اليهودية. وذلك كله معروف الأسباب من ناحية مبدئية: فنحن خرجنا من الحرب الكونية الأولى من عباءة تركيا القرون الوسطى لا نعرف من أمر الناس ولا من أمرنا شيئاً، فكنا لقمة سائغة للضواري ولمفترسات، أكلتها هنيئاً مريئاً، والذي كان لا بد من كينونته، كان.
الآن، نحن ما زلنا ضعافاً، أو ربما نكون قد ازددنا ضعفاً. على الأقل بالمقارنة مع العقود التي تمتد من 1950-1990. وهذا الضعف بالذات هو ما يجب أن يدفعنا للإقلاع عن محاولات التوصل إلى "تسوية سياسية" لمشكلتنا عبر "استراتيجة" أن نتنازل عن أجزاء كبيرة من أرضنا بغرض أن نستبقي جزءاً يسيرا منها. لا نقول ذلك استهانة بالجزء الذي يأمل بعضنا في الاحتفاظ به، إنما بالعكس لأن ذلك الجزء الأخير بالذات سوف يطير في السنوات إن لم يكن الأشهر القليلة المقبلة.
علينا أن نستعيد اللحظة الراهنة: إن اتفاقية أوسلو ذاتها إنما جاءت لتدارك ما يمكن تداركه ومنع الاحتلال من قضم الأرض شيئاً فشيئاً حتى لا يبقي لنا عند التسوية ما نأخذ نتيجة تغييره الأوضاع على أرض الواقع...الخ ترى هل نجحت أوسلو في إنجاز ما وعدت به؟ الإجابة دون لبس هي بالنفي. لأن ما جرى هو أن إسرائيل قد استغلت الظروف المواتية الجديدة لابتلاع ما تبقى لدينا، مع فقداننا الكثير من التعاطف "الدولي" بعد أن أصبح لدينا دولة وجيش وعلم ورئيس ينبغي أن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ أبناء شعبه. ترى هل يمكن أن نتخيل وضعاً أسوأ لو أننا بقينا "عراة" من غير حماية الدولة العتيدة؟ أعني لو تحزمنا بضعفنا كوننا مجموعات مدنية تحت الاحتلال وتغطينا بلحاف السماء، ألم يكن الحال أفضل؟ اليوم ما هي الحلول على وجه الاحتمال الأرجح؟ أن نواصل لعبة الدولة التي لا وجود لها على أمل أن نصحو يوما لنجد أن إسرائيل قد أعطتنا أرضاً ما، وسيادة ما، تكفي لإقامة دولة ما؟ قد يكون ذلك معقولا. لكن إسرائيل "بطت الدمامل" كلها، وأعلنت منذ بعض الوقت أنها ستأخذ الأرض والموارد والسيادة عن بكرة أبيها، بينما تبقي لنا المراكز والوظائف والوزارات وشارات الدولة على مستوى القول لا الفعل. لكن سيداتي، سادتي من صاحبات المعالي، وأصحاب الرتب والشارات، هل تظنون حقاً أن "تحمل" إسرائيل لوجودكم، مهما كان خفيف الظل، سيستمر أزيد من عقد آخر؟
من ناحية أخرى نرغب أن نقول لإخوتنا الذين يحبون المفاوضات والاتفاقيات أن التاريخ الذي لا يحبه الأمريكان أبداً يثبت أن المواثيق التي أبرمت مع السكان الأصليين لم تكن تساوي ثمن الحبر الذي تكتب به، لذلك قام البيض في المناسبات المختلفة بنقضها والانقضاض على "الهنود" الذين وقعوها معهم، وقتلهم دون رحمة حتى تم تطهير أمريكا نهائياً. ولا بد أن إسرائيل لا تتوانى عن استلهام تلك التجربة "الخالدة" وفعل ذلك كلما تتاح لها الفرصة.
انطلاقاً من اللوحة السوداء أعلاه المشتقة من سواد الواقع ذاته، ربما يجدر بنا في فلسطين، إسلاميين ويساريين وفتحاويين...الخ مثلما يجدر بمن تبقى من عرب ليسوا من نسل "أم هارون" أن نرتقي إلى مستوى اجتراح المعجزات فيما يتصل بالشجاعة والتخطيط والإبداع الثوري والقدرة على التضحية التي تقترب من مستوى الأساطير.
هذا فيما نظن ما تبقى لنا من أمل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -فرنسا نشرت الأمية في الجزائر-.. توتر جديد في العلاقات الفرن


.. بسبب جرأة مشاهده.. تحقيق عاجل مع صناع مسلسل الطاووس | #منصات


.. طهران: مفاوضات فيينا تمضي في الطريق الصحيح | #رادار




.. الاتحاد الأوروبي: نحمل روسيا مسؤولية السلامة الجسدية للمعارض


.. هبوط اضطراري لطائرة على سطح البحر أثناء عرض جوي في فلوريدا