الحوار المتمدن - موبايل


هل بات العراق دوامة أزمات ؟

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 5 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


عاش العراق على مدى قرن من الزمان منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921 وحتى يومنا هذا,دوامة أزمات وحروب وصراعات دامية وفتن لا يبدو أن لها نهاية , وهو بهذه الحال يبدو منفردا ليس بين دول المنطقة فحسب بل ودول العالم أجمع , إذ يندر أن تجد بلدا ينعم بالثروات الهائلة التي حباه الله بها , وشعبه يعاني العوز والفقروالجهل والحرمان وفقدان الأمن والآمان. عاش العراق حروبا عبثية لا معنى لها كان بالإمكان تجاوزها لو مورس قدربسيط من التعقل والحكمة لتجنبت البلاد والعباد شرورها. كانت بدياتها الحرب العراقية الإيرانية التي إندلعت في شهر أيلول عام 1980 لتنتهي في شهر آب عام 1988, دون أن تحقق أية نتيجة تذكرسوى تعميق روح الحقد والكراهية بين الشعبين الجارين , وإستنزاف طاقات وقدرات البلدين وتعطيل جهود التنمية فيهما , وتكبدهما خسائر بشرية ومادية هائلة.
وما أن وضعت هذه الحرب أوزارها وظن الناس أنهم تنفسوا الصعداء , لتندلع بعدها حربا ألعن من سابقتها وبطريقة أكثر عبثية وجنونا , حيث قيام العراق في آب عام 1990 بغزو دولة الكويت وإحتلالها , وهي التي كانت بالأمس ظهيرا قويا لحكومته وداعما لها بحربها على إيران , وهي الحكومة العراقية نفسها التي رفع قادتها في عقد الستينيات الفيتو المفروض على حصول الكويت عضوية الأمم المتحدة عشية منحها الإستقلال من بريطانيا.كانت نتيجة هذا الغزو قيام الولايات المتحدة وما عرف بقوات التحالف الدولي , بغطاء شرعي من الأمم المتحدة بشن أشرس حرب ضد العراق وإخراج قواته من الكويت مطلع عام 1991 . ولم تكتف بذلك بل أنها قامت بتدمير البنية التحتية للعراق وهدم مرتكزاتها الأساسية , وفرض حصار إقتصادي شامل لأكثر من عقد من الزمان , طال كل مفردات الحياة وأسهم بتجويع شعبه وحرمانه من أبسط مستلزمات حياته من غذاء ودواء وتعليم , بل فقد العراق حريته وإستقلاله بمنعه من تحليق طائراته في أجوائه في شمال وجنوب العراق , وإخراج منطقة الحكم الذاتي من سيطرته وتسليمها للأحزاب الكردية المعارضة لحكمه, فأي هوان أكثر من هذا الهوان. كما حرم العراق من التمتع بثرواته إلاّ بعد إقراره بما عرف بمذكرة التفاهم المعروفة بالنفط مقابل الغذاء والدواء بشروط مجحفة بحق العراق , تمثلت بإستقطاع ما نسبته ( 30 % ) من مبيعات صادرات النفط وإيداعها في مصرف دولي تحت إشراف لجنة دولية لدفع ما وصف بتعويضات حرب لخسائر الكويت ولجميع المؤسسات التي قيل أنها تضررت من غزو الكويت وكذلك للأفراد الذين قيل أنهم فقدوا وظائفهم أو تضرروا بصورة أو بأخرى من هذا الغزو , دون أن يكون للعراق ممثل في هذه اللجنة أو حتى إبداء رأي بقرارتها . وترك للعراق حرية شراء حاجاته الأساسية من غذاء ودواء ومستلزمات ضرورية من الأموال المتبقية من عائداته النفطية تحت إشراف اللجنة الدولية وموافقتها .والأدهى من كل ذلك قيام الأمم المتحدة بفرض قرارا, يقضي بترسيم الحدود العراقية الكويتية البرية والبحرية دون أن يكون هناك للعراق حق الإعتراض , الأمر الذي نجم عنه قضم مساحات واسعة من الأراضي العراقية لصالح الكويت وضم بعض اباره النفطية إليها دون وجه حق , وحرمانه من بعض قنواته البحرية, وهذه بادرة لم يسبق لها مثيل في العلاقات الدولية. وما زال العراق يدفع هذه التعويضات الظالمة حتى يومنا هذا على الرغم من كل ما لحق بالعراق من دمار شامل من قبل القوات الأمريكية الغازية دون وجه حق.
وعلى صعيد الفتن والصراعات الداخلية , فقد تعرض العراق لأكثر من صراع دامي راح ضحيته آلاف العراقيين , أبرزها : ثورة محمود البرزنجي الأولى خلال السنوات ( 1919- 1922 ) , وثورة محمود البرزنجي الثانية ( 1922 – 1924 ) , وثورة أحمد البرزاني ( 1931 - 1932 ) , التمرد الكردي ( 1961 – 1970 ) , التمرد الكردي ( 1974 – 1975 ), التمرد الكردي ( 1976 – 1978 ) , التمرد الكردي ( 1983 – 1985 ) , التمرد الكردي عام 1991 الذي أفضى إلى خضوع منطقة الحكم الذاتي لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني وحزب الإتحاد الوطني الكردستاني بزعام جلال الطالباني حتى يومنا هذا .
وتستمر فصول المأساة العراقية لتشن الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003 حربا ضروسا ضد العراق بدعاوى إمتلاكه لأسلحة دمار شامل , ثبت للقاصي والداني زيفها وبطلانها. لتنتهي به هذه المرة لتميره تدميرا شاملا , لم يقتصر على مرتكزاته الإقتصادية فحسب , بل تفتيت نسيجه الإجتماعي وهدم منظومته القيمية والأخلاقية , وإفتعال الفتن بين أبناء الشعب الواحد , وإعادة العراق إلى عصر ما قبل الحضارة , ومحاولة تقسيمه إلى كيانات وكانتونات طائفية وأثنية هزيلة بدعاوى تأمين حقوق الأقليات والطوائف , وهي جميعها مدعاة للفتن والصراعات التي سيكون لها أول ولن يكون لها آخر. وما يشهده العراق حاليا من مآسي إلاّ خير شاهد ودليل.
ومن ذلك يتضح أن العراق قد إنفرد ليس بين دول المنطقة فحسب بل ودول العالم أجمع بكثرة الحروب العبثية الداخلية والخارجية على حد سواء , التي تعرض لها خلال فترة وجيزة لا تتجاوز أربعة عقود إحترق فيها الأخضر واليابس, وما زال العراق يعاني من تبعاتها حتى يومنا هذا.
وثمة مسألة أخرى إنفرد بها العراق هي كثرة الإنقلابات العسكرية الدامية التي تعرض إليها في هذه الحقبة . كان أولها إنقلاب بكر صدقي عام 1936 , تلاها إنقلاب رشيد عالي الكيلاني عام 1941 , وبعدها إنقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958 , ومن ثمة إنقلاب عبد السلام عارف عام 1963, وأخيرا إنقلاب أحمد حسن البكر عام 1968, فضلا عن العديد من الإنقلابات العسكرية الأخرى الفاشلة. نحن هنا لا ننقاش شرعية هذه الإنقلابات من عدمها أو الأسباب الموجبة لها , بل أردنا بذلك إستعراض بعض جوانب العنف والإستبداد التي تعرض لها المجتمع العراقي جراء هذه الإنقلابات.
كان العراق مسرحا وحقل تجارب لمشاريع سياسية دون سواه من الدول العربية ودول المنطقة, ألحقت جميعها خسائر فادحة بمصلحة العراق , إذ لم يجن منها سوى الدمار والهلاك وهدر الثروات . ففي عقد الستينيات من القرن المنصرم شهد العراق صراعات سياسية حادة ودامية في معظم الأحيان , بسبب تبني القوى والأحزاب السياسية القومية وفي طليعتها حزب البعث العربي الإشتراكي , مشروع الوحدة الفورية الإندماجية مع ما كان يعرف بالجمهورية العربية المتحدة التي كانت تضم يومذاك كل من مصر وسورية بزعامة الرئيس المصري جمال عبد الناصر , وذلك في الأيام الأولى لإنبثاق الجمهورية العراقية في أعقاب سقوط النظام الملكي , دون مراعاة وضع العراق الخاص المتمثل بوجود قوميات أخرى في العراق ذات ثقل سكاني مهم وذات تطلعات قومية خاصة بها , أبرزها الكرد والتركمان , فضلا عن حداثة النظام السياسي الجديد الذي لم تتوطد أركانه بعد ,ومعارضة القوى الوطنية العراقية وفي طليعتها الحزب الشيوعي العراقي المشروع القومي العربي ,حيث طرحت بالمقابل مشروع الإتحاد الفيدرالي كحل وسط . أدى طرح مشروع إنضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة إلى شرخ كبير في صفوف القوى المساندة لثورة الرابع عشر من تموز, نجم عنه صراعات دامية بين مؤيديه ومعارضيه , ومحاولات إنقلابات عسكرية عديدة نجحت في الإستيلاء على السلطة . وهنا تحدث المفاجأة المرة , فدعاة الوحدة بصنوفهم وتوجهاتهم المختلفة لم يحركوا ساكنا بإتجاه الوحدة , بل حصل العكس تماما حيث أصبحوا أبعد ما يكونوا عنها إلى حد الجفاء والقطيعة وتآمر كل طرف للإيقاع بالطرف الآخر, ومنع سفر مواطنيهم إلى الدول التي كانوا يفترض توحدهم معها .
وشهد عقد السبعينيات مشروعا سياسيا من نوع آخر تبنته أحزاب الإسلام السياسي بالدعوة لتأسيس الدولة الإسلامية , متجاهلة واقع العراق الديني والمذهبي , ذلك أن العراق ينقسم مذهبيا بين الشيعة والسنة , بأرجحية عددية طفيفة لصالح الشيعة , بخلاف ما عليه الحال في دول الجوار ذات الأغلبية الواضحة لهذا المذهب أو ذاك , وبالتالي فإن قيام دولة دينية سياسية سيواجه عقبات جمة في حالة نجاحه في ضوء تعدد الإجتهادات المذهبية داخل الدين الواحد والطائفة الواحدة التي ستزيد الفرقة بين أبناء الشعب الواحد من مختلف الأديان والطوائف , ناهيك عن وجود أعداد لا يستهان بها من دعاة الدولة المدنية الحديثة , وهو أمر آخر سيدفع إلى المزيد من العنف وبخاصة وجود جماعات تكفيرية تسمح بهدر دماء كل من لا يتفق مع توجهاتها كما هو حاصل الآن في دول كثيرة , ولعل العراق أبرزها وأكثرها دموية ومأساوية. وفي جميع الأحوال لم تثبت دول التدين السياسي نجاحها بل العكس من ذلك تماما , إذ غالبا ما تنتهي هذه الدول بدول قمعية إستبدادية ينخرها الفساد , ولعل ما يحصل حاليا في العراق في ظل هيمنة أحزاب الإسلام السياسي بتصنيفاتها المختلفة من فساد مالي وإداري وأخلاقي وهدر في المال العام وإنتهاك الحرمات , بحيث باتت الدولة العراقية تصنف بالدولة الفاشلة , إلاّ خير شاهد ودليل.
وفي ضوء كل ما عاناه العراق وما يعانيه الآن وما تكبده من خسائر بشرية هائلة وما يزال يقدم المزيد من الضحايا , أما آن الآوان لوضع حد لهذه المآسي لينبثق النور في نهاية هذا النفق المظلم لينجلي ليل العراق صباحا مشرقا, ليعيش العراقيون في أمن وسلام كبقية خلق الله. إن الله على كل شيئ قدير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تتدارك أوروبا التأخر في حملة اللقاح؟


.. روسيا ستحظر الملاحة في أجزاء من البحر الأسود وتواصل نشر قوات


.. الانتشار العسكري الروسي قرب أوكرانيا.. للضغط أو تمهيدا لشن ا




.. شجاعة سائق مصري أصبحت حديث الأمريكيين


.. روسيا تحشد أكثر من 150 ألف جندي قرب أوكرانيا.. طبول الحرب؟