الحوار المتمدن - موبايل


النيوليبرالية والتّطْبيعُ مع العنف

بوناب كمال

2020 / 5 / 12
ملف 1 ايار-ماي يوم العمال العالمي 2020: العمال والكادحين بين وباء -الكورونا- و وباء -الرأسمالية- ودور الحركة العمالية والنقابية


تتبنّى النيوليبرالية هجوما راديكاليًا على مجتمع العمل المنظّم، وتنطوي أيديولوجيًا على مجموعة من السياسات المؤيّدة للسوق التي من شأنها أن تعزّز العنف بنيويًا وثقافيًا؛ فعلى سبيل المثال، سيتمّ تشجيع الفقراء على العمل بجدٍّ أكبر، وسيُدفع العاطلون عن العمل إلى اكتساب مهاراتٍ تجعلهم أكثر قابلية لولوج السّوق، أمّا العمّال المسرّحون أو المعرّضون لانخفاضٍ في الأجور فسيتمّ توجيههم للبحث عن عملٍ بديل؛ إذًا،عِوض تعزيز العقد الاجتماعي وتسخير السلطة السياسية لمعالجة الشّواغل العامة، يسعى النيوليبراليون إلى تقليص أدوار الحكومة، وإعطاء الأفراد هامشَ حريةٍ واسع لحلّ مشاكلهم الخاصة، وأولئك الذين سيخفقون سيُوصفون ،عادة، بأنهم غير أكفاء، كسالى، غير مسؤولين، ويستحقون مواقفهم غير المريحة (يستحقون العنف الذي لحق بهم).
وسطَ هذا المجتمع الدّارويني، تتداخلُ مساعي المصلحة الذّاتية وتحقيق الرّبح مع جوهر فلسفة الحرية والديمقراطية، والمفارقة أن غالبية الناس لن يتاح لها قدرٌ وافٍ من السلطة والثروة، هم غير مستهلكين، وبالتالي يمكن التخلّص منهم، بل، وبالكاد يُعترفُ بهم كبشر.
تُدارُ عجلة الاقتصاد العالمي النيوليبرالي بفصْلٍ واضح بين عملية الإنتاج والاعتبارات غير التسويقية المتعلّقة بالاستدامة والعدالة وحقوق الإنسان، وما ينتجُ في النهاية هو تطبيعٌ مع أشكال العنف ضدّ العمال، والتي تمّت شرعنتها باسم المؤسسات الحرة.
إنّ أحد المؤشرات الواضحة على استفحال هذا العنف البنيوي هو سواد القوانين والسياسات والممارسات المؤسسية التي تحرم الناس بشكل منهجي ،وغير مبرر، من احتياجاتهم الخاصة، حيث تكشف كثيرٌ من التقارير الحديثة على أنّ ملايين العمال الأمريكيين يجدون صعوبات جمّة في تحصيل الاحتياجات الأساسية، والتي تشمل السّكن والغذاء والرعاية الصحية والدراسة في الجامعات الحكومية، وبالتالي أصبح الحلم الأمريكي المزعوم غير قابلٍ للتحقيق؛ وبحسبِ معطيات نشرها مركز الإحصاء الأمريكي سنة 2013، فإن العمال الذكور الذين يعملون بدوامٍ كامل في الولايات المتحدة أصبحوا يكسبون أقل مما كان عليه الحال قبل 40 عامًا، ففي سنة 1973 كان متوسط الدخل بدوامٍ كامل للعمال الذكور 51670 دولار مقابل 49398 دولار في سنة 2012، أي بانخفاض 4 %، وقد قابل هذا ارتفاعًا في دخل طبقة النّخبة (التي تشكّل 1 % فقط)، ففي عام 1980 كان يُحصّل الرئيس التنفيذي للمؤسسة على 42 ضعف ما يكسبه العامل العادي، أما اليوم فهو يحقّق دخلًا مضاعفا بأكثر من 300 مرة؛ وفي أعقاب ما سُمّي بالركود الكبير بين 2009 و 2012، ذهبت 95 % من المكاسب الاقتصادية إلى فئة الـ 1% ؛ وعلى الرغم من أنّ عديد الدول ،في السنوات الأخيرة، عمدت إلى زيادة الحدّ الأدنى من الأجور، فإنّ مجلس الشيوخ الأمريكي حجبَ اقتراح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 10,10 دولار للساعة الواحدة، وقد زاد هذا من مخاطر انعدام الأمن الوظيفي في الولايات المتحدة، حيث أنّ ما يقرب من 30%من الأمريكيين يعملون بدوامٍ جزئي أو وظائف عَرَضية.
أدّت هذه الظروف إلى نشوء طبقة "البريكاريا Precariat"، وهي فئة هشّة تعيش بشكل غير مستقر، وتعاني من ثِقل الديون وانعدام أمنٍ مالي، وتناضل بصفة دائمة لتجنب الوقوع من على الحافّة، وهو ما من شأنه أن يؤثّر على رفاهيتهم العقلية والجسدية، رغم ذلك، فإن النيوليبرالية تتعاطى مع أنماط عدم المساواة والحرمان والعنف الرمزي الذي يلحق بالملايين على أنه "طبيعي" وهو من تحديد السّوق.
أحد الأهداف الرئيسية للأجندة النيوليبرالية هو تقويض النقابات العمالية، ففي عام 2012 أفادت وزارة العمل الأمريكية أنّ نسبة العمال الأمريكيين الذين هم أعضاء في النقابات قد بلغ أدنى مستوياته في 97 عاما، أي بنسبة 11,3 % مقارنة بـ 35 % في منتصف الخمسينات و 20,1 % في سنة 1983؛ وقد أقرّت ولاية ويسكونسن مجموعة قوانين تُقيّدُ حقوق المفاوضة الجماعية للموظّفين العموميين، ووصل الأمر إلى حدّ الخصم من الرواتب، كما تمّ فرض قوانين مشابهة في ميشيغان وإنديانا، بل أنّ ميشيغان اعتمدت سنة 2011 على مشروع قانون يسعى إلى تقليص لوائح السلامة في مكان العمل، وفي 2012 صوّت مجلس النواب في نيوهامبشير على إلغاء مطلبٍ يسمح للعمال باستراحة لمدة 30 دقيقة بعد خمس ساعات متتالية من العمل، لقد علّق النواب على هذه الاستراحة بأنها تنظيمٌ غير ضروري.
أشار لويك واكوانت (Loic Wacquant ) إلى مصطلح "الدولة العقابية"، ومفاده أنّ الاعتداء النيوليبرالي على دولة الرفاهية وما تبعه من ركود للأجور وقطع إعانات العمال لم يؤدّ فقط لزيادة انعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي لملايين الناس، بل أوْجدَ حالةً أكثر عقابية تستهدف تأديب الطبقة الهشة ما بعد الصناعية؛ لقد تراجعت الدولة عن وظيفتها التقليدية كضامنٍ للرفاه الاجتماعي وأصبحت قمعية بشكل متزايد؛ حتّى أنّ بعض النّقاد اعتبروا أنّ 70 % من المسجونين اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية عُوقبُوا بسبب وحشية الاقتصاد النيوليبرالي السائد.
بتصرّف عن:
Neoliberalism, Economic Radicalism, and the Normalization of Violence, Vicente Berdayes & John W. Murphy (Editors), Springer, 2016.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق