الحوار المتمدن - موبايل


إبداع القصيدة بين اللغتين المعيارية والفنيةفي التراث النقدي

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2020 / 5 / 12
الادب والفن


لقد أحدث التمايز الذي أرساه دي سوسير بين اللغة والكلام تغيرا في كيفية النظر إلى عملية الإبداع الشعري ، مما أسهم بشكل فاعل في تغيرات جوهرية تتصل بالمناهج النقدية والنظريات الأدبية ، وكان النظر إلى اللغتين المعيارية والفنية أحد أبرز هذه القضايا التي ساهم في تجليتها وبلورتها انجازات دي سوسير اللغوية .
وتمثل اللغة عند دي سوسير القواعد الذهنية الثابتة التي تصالحت عليها الجماعة البشرية، أو بالتعبير التراثي ما تواضعت عليه الجماعة ،أو هي« نظام من علاقات وصيغ وقواعد ، ينتقل من جيل إلى جيل وليس له تحقق فعلي ، لأن الناس لا يتكلمون القواعد وإنما يتكلمون وفقاً لها » اما الكلام فهو الاستخدام الفردي الذي يمارسه الإنسان العادي ، أو هو «كل ما يلفظه أفراد المجتمع المعيّن ، أي ما يختارونه من مفردات أو تراكيب ، ناتجة عما تقوم به أعضاء النطق من حركات مطلوبة » .
وما يؤديه الإنسان ـ عالما أو أديبا ـ إنما هو الكلام وليس اللغة ، لأن اللغة وجود جماعي مستقر في لا وعي أهل اللغة ، ومن ثم يهدف المرسل إلى توصيل الدلالة إلى المتلقي ، ولا يخترع المرسل ـ في كل مرة يتكلم بها ـ كلمات جديدة ، أو قواعد صرفية ونحوية جديدة ، بل على العكس من ذلك يلتزم التزاما صارما بها جميعا ، ولكنه لا يكرر جملا محفوظة ، وإنما يستخدم إمكانات اللغة ليعبر عن تصوراته الخاصة .
إن التعبير عن التصورات الخاصة يتم بطريقتين ، تتحدد كل واحدة منها من حيث وظيفتها وخصائصها الذاتية ، فالأولى : معيارية ، يراد منها مجرد التوصيل ، وبذلك يتم انتقاء المفردات الدالة لتدل على المعاني التي يروم المتكلم التعبير عنها ، وهذا ما يتحقق غالبا في الدراسات المنهجية علمية وانسانية ، او حتى مجرد الكلام العادي الذي يهدف لمجرد التوصيل فحسب . والثانية :فنية ، لا يقصد منها التوصيل المباشر ، وإن كان الأداء يتضمن توصيلا بطريقة معينة ، بمعنى أن الهدف الأساسي هو التأثير ، ومن ثم ينعكس ذلك على طبيعة الأداء الذي يختلف هو الآخر ، في كيفية اختيار الكلمات ، وكيفية تضامها .
إن كلاً من الأداءين يصدر عن جهد فردي خاص يؤديه المرسل ،ويتوافق مع أنساق اللغة ،وتتداخل اللغتان الفنية والمعيارية في الأداة والوظيفة، ولا تعد اللغة الفنية نوعا من المعيارية ، لأن لكل منهما أدواتها ، وتراكيبها ، ومعجمها الخاص ، فضلاً عن اختلاف وظيفتيهما ، وبقدر ما تستقل اللغة الفنية عن اللغة المعيارية ، وتتمايز عنها ، فإنها تتداخل معها ، وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً ، إذ لا يمكن أن يتحقق المستوى الفني للغة دون أصل موجود أو مفترض تنحرف عنه
وهذا ما يفسر حرص النقاد على تبيين أصل الكلام أو أصل المعنى ، لأن أصل الكلام ـ فيما يقول موركافسكي ـ هو « الخلفيّة التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل ، أو - بعبارة أخرى -الانتهاك المتعمد لقانون اللغة المعيارية » .
وقد ميّز النقاد اللغة الفنية عن اللغة المعيارية وأدركوا طبيعة العلاقة بينهما ، من حيث الماهية ، والأداة ، والوظيفة ،وفي هذا السياق يعرض الشريف المرتضى موقفه النقدي ، مستخدماً في ذلك الوسائل العقلية التي ورثها عن المعتزلة في مواجهة النص ، ويناقش الحكم النقدي الذي أصدره الآمدي على قول أبي تمام ، وهو يًعزّي نفسه برحيل الشباب ومجيء الشيب :
عَمَّرَتْ مَجْلِسيِ مِنَ الْعُوَّادِ
حيث يعلق الآمدي على هذا النص بقوله : « لا حقيقة لذلك ولا معنى ، لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من المشيب ، ولا أن أحداً أمرضه الشيب ، ولا عزّاه المعزّون عن الشباب » ، وواضح من كلام الآمدي أنه يغفل المستوى الفني للنص ويعامله معاملة النص العلمي ، ويعارض الشريف المرتضى هذا الفهم السطحي، ويتجاوزه إلى فهم الأبعاد الجمالية ، كما يهاجم الآمدي بسبب عدم فهمه لأبي تمام ، لأن تعليقه السابق يدل على « قلة نقد للشعر ، وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء » ، وقد حاول الشريف المرتضى أن يقترب من النص ، عندما أدرك أن أبا تمام لا يقصد العيادة الحقيقية ، « وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفية ... وهذا من أبي تمام كلام في نهاية البلاغة والحسن ، وما العيب إلا من عابه وطعن
عليه »، وإن اللغة الفنية فيما يقول الشريف المرتضى : مبنية « على التجوز ، والتوسع والإشارات الخفية ، والإيماء على المعاني تارة من بُعد ، وأخرى من قُرب » ، وعندما تغفل هذه الخصائص ، وتعامل اللغة الفنية معاملة اللغة المعيارية ، فإن ذلك يفضي إلى نتائج غاية في الخطورة ، تؤدي إلى الضلال والخروج من الشريعة على مستوى النص الشرعي ، وإلى بطلان الشعر كله على مستوى النص الأدبي ، و« إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد ، فإن ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه » وإذا كانت لغة الفيلسوف أو صاحب المنطق تهدف إلى إيصال المعرفة المجردة من الانفعالات ، وتقدم الجانب التوصيلي على الجانب الجمالي ، فإن لغة الشاعر تهدف إلى إيصال المعرفة الشعرية ، عن طريق إثارة الانفعالات ، وتقدم الجانب الجمالي على الجانب التوصيلي ، ومن ثم فهي تترفع عن لغة الفلسفة والمنطق والقياس ، ولا تحتكم إلى القواعد والمعايير النحوية ، ولذلك فإن اللغويين فيما يرى الحداثيون غير قادرين على نقد الشعر، «إنما يعلم ذلك من دُفِع في مسلك الشعر إلى مضايقه،وانتهى إلى ضروراته » .
وتتجلى الرؤية في وضوحها المنهجي عند قدامة بن جعفر ، لتبصّر اللغويين بضرورة مراعاة هذا المسلك ، وتجنُّبهم الخلط بين مستويات الكلام المختلفة ، وقد نظر قدامة بن جعفر إلى العلوم التي تختص بالشعر فوجدها أقساماً عديدةً ، « فقسم ينسب إلى علم عروضه ووزنه ، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه ، وقسم ينسب إلى علم غريبه ولغته ، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به ، وقسم ينسب إلى علم جيده ورديئه » ، فقد وضح قدامة من جملة ما وضح ، أن علم اللغة والغريب الذي عًنِيَ به أصحاب المذهب القديم ، وفرضوه على الشعر ، يختلف عن علم جيد الشعر ورديئه، الذي اعتنى به ، وألّف فيه . ويتفق أبو بكر الصولي مع قدامة بن جعفر في إدراك التمايز بين اللغة الفنية واللغة المعيارية ، وذلك في دفاعه عن أبي تمام ، وقد أصبح شعره يتعرّض للنقد الخاطئ من اللغويين ، حيث يقول : « أتًراهم يظنون أن من فسّر غريب قصيدةٍ ، أو أقام إعرابها ، أحسن أن يختار جيّدها ، ويعرف الوسط والدّون منها ، ويميّز ألفاظها ؟ » ويقف القاضي الجرجاني مع المتنبي الموقف نفسه ، لأن بعض المعترضين على شعره
« نحويٌّ لغويٌّ لا بصر له بصناعة الشعر » .
إن هذه التصورات الحداثية تدعو إلى التفريق بين مستويين من الكلام :
مستوى معياري : يعتمد على العقل ، ويُستخدم في العلوم القياسية كالفلسفة والمنطق والنحو ، وهذا المستوى يجب أن يُستبعد عن الفنون الكلامية .
ومستوى فني : يعتمد على الخيال والعاطفة ، ويُستخدم في اللغة الفنية ، وهذا المستوى ينبغي اعتماده في تقويم الفنون الكلامية ، لأن الشعر فيما يقول القاضي الجرجاني : « لا يًحبّب إلى النفوس بالنظر والمحاجة ، ولا يًحلَّى في الصدور بالجدال والمقايسة ؛ وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة ؛ وقد يكون الشيء متقناً محكماً ، ولا يكون حلواً مقبولاً ، ويكون جيداً وثيقاً ، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً ، وقد يجد الصورة الحسنة والخلقة التامة مقلّية ممقوتة ، وأخرى دونها مستحلاة موموقة ؛ ولكل صناعة أهلٌ يرجع إليهم في خصائصها ، ويستظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها » ، ويكشف القاضي الجرجاني في هذا النص عن الأسس النظرية للغة الفنية ، حيث يستبعد كل المعطيات العقلية عن ميدان اللغة الشعرية ، فالنظر والمحاجة والجدل والمقايسة جميعها أدوات عقلية بعيدة عن طبيعة الشعر ، والشعر لا يحبب إلى النفوس بمثل هذه المعطيات ، وإنما يحبب إليها بالإعجاب الشديد المتمثل في القبول والطلاوة والرونق والحلاوة ، التي تدعو إلى الإثارة وتولد الاستجابة للموضوع الشعري معه أو ضده . وعلى الرغم من أن القاضي الجرجاني لم يوضح سمات اللغة الفنية ، وكاد أن يجعلها مسألة ذوقية غير قابلة للتفسير ، فإن قيمة تصوره ترجع إلى إدراك التباين الشديد بين لغة تصدر عن العقل والمنطق ، وأخرى تصدر عن الخيال والانفعال والشعور.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانات بفساتين مثيرة وجريئة علي السجادة الحمراء في ختام مهرج


.. تغطية خاصة - لقاء مع أبطال أفلام الحاصلة على جوائز المهرجان


.. تغطية خاصة - لقاء خاص مع أبطال فيلم -ستاشر-16- الحاصل على




.. الفنان هانى عادل أحمد مالك أفضل ممثل.. و محمد جمعة كله رايح


.. في male - الشاعر نزار فرنسيس يتحول الى -معلم تلحيم- في -في m