الحوار المتمدن - موبايل


دينا سليم حَنحَن.. هجرة أسترالية فجّرت ينابيع الأدب

دينا سليم حنحن

2020 / 5 / 13
الادب والفن


حاورها: ناصر السهلي
المرأة مثل جُنحة
تعترف دينا بأنها تشعر بحنين إلى البلاد، زارتها أربعة مرّات في غضون خمسة عشر سنة، أثناء الحوار خطرَ أن تكتب هي بنفسها عن نفسهاالتالي:
عندما تكون الكتابة في عين البعض جنحة
والمرأة مجرد صورة وشكل
والمرض لعنة
على القَدَر أن يتبدّل والدّفة بيد المرأة وحدها.
سعيتُ خلف الأمل، وثقتُ بنفسي وتحققت أحلامي، كانت أحلامي بسيطة:
الكتابة.
أحلام صعبة من وجهة نظر الآخرين
الكتابة طقس مختلف
لزاما التفرغ والعزلة وتهذيب النفس والقراءة والمثابرة
لم أتمتع بكل ما ذكرته، لذلك قلبتُ الطاولة وهربتُ من القيود
سخّرتُ نفسي لهذا الطريق ولُـقّبِتُ (بالجّنون)
رضيتُ أن أحيا الجّنون، وعشتهُ
وما زلتُ مغرمة بهذا الجنون وأتمنى الاستمرار فيه
تدربتُ على التحليق جيدا وحلّقت مثل الطّيور
كنف الحياة أرواح متمردة.
لم أستطع غض النظر عن الأخطاء التي لم تتماشَ روحي معها، فجنحتُ بعيدا عن السرب.
حرّرتُ نفسي من القيود بالابتعاد عن الوطن
لم أملك خيارا آخر، رغم أنني حاولت كثيرا
هاجرتُ وتركت كل شيء خلفي
أكيدة أنا، لا أستطيع تغيير نظرة المجتمع الذي تربى على ضرورة تدجين المرأة وحصرها في مواقع لا تشبه ذاتها.
ما أُخِذ مني بالقوة استعدتهُ بالقوة
حريتي والكتابة وإخراج التراكمات من داخلي
لقد تحررتُ بقوة القلم وأصبحتُ أُشبه ذاتي.
في مدينة اللد الفلسطينية ولدت دينا سليم حنحن. وإلى يافا رحلت لاستكمال ثانويتها، قالت: "لم يكن في اللد ثانوية لكي ألتحق بها، ورفضتُ الالتحاق في مدرسة داخلية في الناصرة لأني لم أحب يوما التحكم بي". وبصوت واثق ذكرت دينا لـ"جاليات" عشقها للغتها العربية، وكيف تحولت في سن الثالثة عشر إلى كتابة الرواية، خطت أول قصيدة عندما كانت في الصف الثالث الابتدائي.
لم تكن مسيرتها سهلة وهي تقاوم الكبت الاجتماعي، وتخبئ ليلا تحت وسادتها ما كتبته نهارا.
لوالدها الراحل في الولايات المتحدة الأميركية أثر سيلازمها بقية حياتها، ويصنع منها ما هي عليه اليوم، أديبة روائية في حوزتها 9 روايات، أنتجت معظم أعمالها في المهجر الأسترالي، بعد ما تسميه: "تحمّلتُ عشرون سنة من القهر الصمت وكبت رغباتي في الأدب".
حياة مليئة بالألم والتصميم، ومتشعبة إلى الحد الذي يجعل من الصعوبة تناول كل مسيرتها مختصرة، لكنها تملك الفسحة الأكبر بالتعبير عن نفسها ومن تكون في أعمالها التي تصدر تباعا في المهجر منذ 15 سنة.
البدايات:
قبل أن نكون أمام أديبة في المهجر الأسترالي ثمة ماض مؤثر في بواكير حياة دينا التي تتحدث عن نفسها لـ"جاليات": "ولدت وترعرت بين النكبة والنكسة، كانت طفولتي سعيدة، وتربيت في بيت متواضع ودافئ، في كنف أب مكافح، عاصر النكبة، ونقل الجثث إلى مقابر جماعية، كانت له أحلامه التي لم تتحقق، حثني على الكتابة منذ الصغر، قام بتغليف رواياتي بورق ملوّن وسميك، وكتب اسمه بجانب اسمي، كانت وصيته أن أستمر في رحلة الكتابة وأصبح مثل نجيب محفوظ".
وصية أخرى ستقع على عاتقها، بنقل رفات أبيها من أميركا إلى مدينته اللد، موطن رأسه في فلسطين. تفجع برحيله، لكنها تستمد قوة تشجيعه ووصيته للاستمرار بالكتابة، فتكتب أول قصة قصيرة "عندما يسكن الحنين"، لتهديها لروح والد فهمها أكثر من كل محيطها الاجتماعي في مرحلة شبابها وزواجها اللاحق.
تواصل الشابة دراستها للغات، ومنها الإنكليزية في جامعة تل أبيب، والتربية في دار المعلمين، لتصبح في عام 1976 معلمة متخصصة في "تعليم الصمّ والبكم"، الثانية عربيا بعد خالتها، قلة يملكون مواهبها في أساليب التدريس. ترتبط في جيل مبكرة وتنتقل من المدينة للعيش في كفر ياسيف، في الجليل الغربي بفلسطين المحتلة. بيد أنه ورغم الزواج وتأسيس أُسْرة لم تتوقف عن الدراسة، فالتحقت بجامعة حيفا لدراسة "علم النفس والتربية"، لتتخصص في موضوع "العسر التعليمي" عند الأطفال.
تصاب بصدمة كبيرة، فابنها البكر، باسم، الصبي الوحيد بين 4 أخوات، سيقلب حياتها رأسا على عقب، وسيكون منذ السادسة من عمره ملازما لمصير سيدة ستكافح 30 سنة لانتزاع اللوكيميا من دمه، قبل أن يرحل عن 36 عاما في أستراليا.
سمعت بدواء شاف في أستراليا فقررت الذهاب للعلاج، وقفت ضد تيار العادات لتنفصل عن زوج لم يتفهم رغبتها، خسرت كل ما لديها، مالها ووظيفتها، صمّمت على الهجرة أملا في علاج باسم.
حياتها قبل الهجرة، ورغم النجاحات المهنية، لم تكن سهلة ولا بسيطة في كبت وممارسة الأدب سرا، لظروف اجتماعية عديدة، فالمرأة في مجتمع شرقي سقفها بيت الزوجية، أو على الأقل لا "تتمادى" في اقتحام عالم الأدب والشهرة. لكنها، ورغم كتابتها قبل الرحيل بأسماء مستعارة، عملت بوصية والدها الراحل، ليصبح بحوزتها روايتان قبل الهجرة، تحررت من قيود زواج تجاهل موهبتها وكبت من رغباتها استمر حوالي ثلاثة عقود بتشجيع الأب.
هجرة وأدب:
"الهجرة إلى أستراليا لم تكن سهلة، ولم تكن عبثا، فقد كانت هجرة أمل لإنقاذ ابني البكر من آلامه، وبعد 27 سنة من حياة المشافي رحل في المهجر هنا، لكنه أيضا لم يكن مستسلما، فقد أصبح، رغم سرطان الدم، مهندسا في علوم الكومبيوتر".
توفي باسم في المهجر قبل 6 سنوات، بعد صراع مع اللوكيميا منذ كان في السادسة من عمره، حيث لم تنفع كل العلاجات في فلسطين. ولم يكن الأمر سهلا على سيدة كافحت طويلا من أجل إنقاذ حياة ابنها، وتربية بناتها الأربع وحيدة في المهجر، إلى جانب تفكيرها ورغبتها بمواصلة رحلتها الأدبية، فالإرهاق النفسي والمالي، والتنقل بين الفنادق، جعلها وبناتها ينطلقن في "الحياة من الصّفر مجددا".
كن، هذا الصفر الذي بدأت منه بعد خسارة كل المال الذي كان بحوزتها، ونظام تعديل الشهادات الخاصة بها، رغم إتقانها الإنكليزية، جعل من ابنتها سوار محامية، وزيزي طبيبة نفسية، وريهام محامية هجرة، ومارلين طبيبة توليد.
البدء من الصفر بالحياة دفع دينا للتدقيق في مرآة ذاتها، لتستعيد تاريخا طويلا، انشغلت فيه نهارا في العمل واستكمال الدراسة وتنشئة الأولاد، ومتابعة رحلة علاج الابن، ومواجهة نمطية اجتماعية، وهي التي كانت تدرجت في عملها الوظيفي متنقلة بين الناصرة والرينة وحيفا ومدارس الجليل كمسؤولة عن "الفحص الذهني" للطلاب الذين يتحضرون لدخول الجامعات. ورغم ذلك، كانت تعيش صراعا بين كتابتها بأسماء مستعارة، لكنها رغم ذلك خرجت سرا بأولى رواياتها "الحلم المزدوج".
في الرحلة إلى أستراليا حملت معها مسودة روايتها الثانية "تراتيل عزاء البحر"، التي ستعتبرها "جواز سفري الأول نحو حياة من اختياري هذه المرة".
الأبناء في المهجر "كانوا سندي ومصدر قوتي"، لتعود وتسجل معهم "كطلاب أجانب" في الجامعات الأسترالية، "وقد كلفنا ذلك كثيرا عبر المحامين، ولكننا كنا سعداء ولم نتذمر".
فحياة هذه الأسرة ليست كحياة اللاجئين الذين يؤمَن لهم مسكن ودخل، فقد كان عليهم الاعتماد على أنفسهم، وهو ما حدث فعليا في بريزبن. وفي هذا المهجر، تعتبر الأديبة والكاتبة دينا حياتها الجديدة "ولادة جديدة رغم صعوبتها"، حيث روايتها الثالثة "سادينا" دونتها في سيدني وفازت بجائزة.
صدرت روايتها الرابعة "ربيع المسافات" أثناء ملازمة ابنها في المستشفى، لتخطط للخامسة "الحافيات"، وصدر لها رواية "قلوب لمدن قلقة"، لكن بعد وفاة الابن، دونت تصدر رائعتها "جدار الصمت"، كسيرة ذاتية حين كانت ترى ابنها "يذبل أمام عينيّ بصمت وألم"، ولاحقا صدرت "نارة". والرواية القادمة ستكون عن "النكبة الفلسطينية".
وعن انفجار الكتابة عندها، تذكر دينا سليم حنحن لـ"جاليات" أن "أزرار الكومبيوتر أطفأت الألم داخلي، فمن شيمي الهرب من أجل النجاة، هربتُ من الواقع المرير إلى عالم الكتابة، أنتجت أكثر من مئتي قصة قصيرة وعشرات المقالات، ومسرحيتان، زيادة على الروايات".
نشاط متعدد:
خلال السنوات العشر الأخيرة، احتلت الأديبة دينا سليم حنحن منصب مديرة قسم اللغات السامية في إذاعة بريزبن لمختلف الاثنيات (إذاعة فور إي بي، تبث منذ 40 سنة)، وتقدم بنفسها برنامجا أسبوعيا مباشرا على الهواء. تكتب في صحف ومجلات في أستراليا، منها التلغراف، وهي عضو في هيئة تحرير مجلة النجوم، ومستمرة بالنشر في صحافة فلسطين.
شاركت حنحن في عدة مؤتمرات دولية منها: المرأة المبدعة في فرنسا، والجامعة الأهلية في الأردن، وجمعية المترجمين الدوليين في الأردن وفي المغرب، ومؤتمر الثقافة في رام الله وغيرها. تحصلت على عدة جوائز أدبية كجائزة ناجي النعمان - لبنان، وجائزة أدب الرحلات -أبو ظبي.
لم تتوقف في أستراليا عن عملها على إحياء الحياة الثقافية في بريزبن، حيث يشهد لها معارفها أنها "دينامو" للثقافة العربية في المدينة. فقد شكلت مع بعض الأصدقاء فرقة "روزانا" للموسيقى العربية، وأسست "منتدى شموس الثقافي"، الذي يستقبل شعراء وأدباء ومثقفين ليتحدثوا أمام جمهور عربي وأسترالي، بالإضافة إلى تقديم برنامج ثقافي "تبر وحبر" لاستضافة كتاب ومسرحيين وشعراء مهاجرين من سورية وغيرها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاء الخميسى.. هكمل فى الغناء وهعمل حفلات لكنى مش أنغام ولا


.. السينما الإيرانية.. عودة للواجهة | #فكر_وفن


.. سحر اللغة العربية | #فكر_وفن




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. لو ناوي تنزل السينما أو تتفرج في البيت.. دليلك الكامل لأفضل