الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفيدرالية في العراق.....هل هي فهم خاطيء لمفهوم ديموقراطي...ام انها طريق لشرعنة الانا على حساب المصلحة الوطنية

عباس عبود سالم
كاتب وإعلامي

2006 / 6 / 18
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


تنشأ الدولة الفيدرالية باحدى الطريقتين اما نتيجة اتفاق دول مستقلة كما حدث بالنسبة لنشأة الولايات المتحدة الامريكية وسويسرا والمانيا وهذه كانت دولا تعاهدية انقلبت الى دول اتحادية.
والطريقة الثانية هي ان تنشأ الدول الفيدرالية نتيجة انفصال الولايات عن دولة موحدة بسيطة مع رغبتها في ان تستمر مرتبطة ببعضها في ظل النظام الاتحادي فالبرازيل كانت دولة بسيطة ثم ما لبثت ان تحولت الى دولة اتحادية سنة 1857م وروسيا كان دولة بسيطة قبل عام 1917 ثم تحولت الى دولة اتحادية بعد قيام الثورة البلشفية.
وفي العراق اخذ مفهوم الفدرالية حيزا هاما من البحث والتفكير وشغل اهتمامات السياسيين وعامة الشعب الحريصين على وحدة بلادهم وبنائها الرصين واصبحت الفدرالية في نظر اكثر ابناء الشعب مشروعا لتقسيم العراق واضعافه.
وفي الحقيقة ان ما يثير القلق هو فدرالية الاكراد كونهم قد حصلوا على اسباب الانفصال عن العراق وكون قضيتهم معقدة نتجت عن صراع طويل بين النخب السياسية الكردية وبينها وبين السلطة في بغداد.
وربما يعلم الكثيرون ان القضية الكردية نشأت مع نشأة الدولة العراقية عام 1921 وان فريقا من الاكراد هم سكان السليمانية وما جاورها لم يكونوا راغبين في الانضمام الى الحكومة العراقية التي انشئت حديثا حسبما ذكر الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق الاسبق.
ويؤكد المؤرخ الدكتور عبد الرزاق الحسني ان البريطانيين استخدموا القضية الكردية كورقة لابتزاز واضعاف الحكومة العراقية دائما دون الالتفات الى معاناة الشعب الكردي، ثم استخدمتها بعدهم قوى اقليمية ودولية عدة لنفس الغرض.
الا ان التاريخ يؤكد ان سليمان القانوني عندما دخل العراق عام 1534م جعل بغداد مركز ادارة كبرى بسم (إيالة بغداد) وكانت تضم منطقة العراق الحالي تقريبا اذ تتبعها البصرة والموصل وشهرزور التي تضم السليمانية وكركوك.
وفي عام 1638م احتل مراد الرابع العراق وقسمه الى ثلاث دولايات هي الموصل وبغداد وشهرزور وبعد سنوات قلائل ضمت البصرة الى العراق تحت السيطرة العثمانية ومنذ عام 1726 صارت الموصل والاراضي المحيطة بها يحكمها والٍ عربي من اسرة الجليلي وفي عام 1835م وضعت الموصل تحت ادارة والي بغداد واصبحت سنجقا (لواء) وكانت ولاية بغداد تضم العراق الحالي كله تقريبا ولم تعد الموصل ولاية الا في عام 1879م بما فيها سنجقا كركوك والسليمانية أي ان شمال العراق في عهد مدحت باشا الذي حكم العراق عام 1866 كان جزءا من ولاية بغداد.
وهذا مفاده ان تقسيم العراق اواخر الحكم العثماني اداريا الى ثلاث ولايات لم يكن يتطابق تماما مع الخريطة القومية او المذهبية فيه، فولاية الموصل ذات الاغلبية الكردية كان مركزها مدينة الموصل العربية وكانت ولاية الموصل تضم المناطق الكردية الحالية.
لكن المشاعر القومية للاكراد لم تكن تتألف مع قيام دولة وطنية في العراق عاصمتها بغداد لانها ستقوم حسب رأيهم على تهميش الاكراد الطامحين الى لعب دور يتناسب مع حجمهم في المنطقة لذلك فاعتقد فصيل كبير من الاكراد ان اقامة دولة كردية تضم اكراد ايران وسوريا والعراق وتركيا هي الحل الامثل من خلال الاستفادة من التغيرات السياسية الكبرى عقب الحرب العالمية الثانية لكن نموذجا مثل جمهورية (ماهاباد) لم يدم طويلا ولم يصمد امام عدم توفر مقومات الدولة الحديثة فراح الكرد حينذاك يبحثون عن اساليب اخرى لاثبات الوجود وعندما قرر ملا مصطفى البارزاني تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني تحولت رغبة الاكراد في اثبات الوجود الى قضية سياسية تتبناها قوى اقليمية ودولية اخرى واستمرت الحال في العراق بين حكومة بغداد والقيادات الكردية مبنية على الشك المتبادل والصراع الدائم.
وبعد مجيء البعث الى السلطة في 17 تموز1968 حاولت قيادة البكر وصدام احتواء الموضوع وحسمه نهائيا من خلال شن حملات عسكرية على الجبال الكردستانية الشاهقة وحملات اخرى لتصفية واغتيال رموز وقيادات الاكراد.
لكن صدام حسين توصل في عام 1975م مع شاه ايران في الجزائر الى ما يعرف باتفاقية الجزائر ووقع ميثاق الحكم الذاتي الذي يمنح الحقوق القومية للاكراد.
ومنذ ذلك التاريخ تغيرت طبيعة التفاعلات التي تحكم المنطقة والتي اخذت حالة من الاستقرار النسبي لغاية اندلاع الحرب العراقية- الايرانية ثم حرب الخليج الثانية التي حصل الاكراد بعدها على وضع خاص يسمح لهم باقامة ادارتهم المستقلة ولكن بعدما عقدت الولايات المتحدة الامريكية العزم على اسقاط نظام صدام حسين كان على الاكراد في العراق ان يحسبوا مدى ارباحهم من هذا التغيير وماذا سيقدم لهم بعد ان حققوا جزءا مما كانوا يتطلعون اليه واصبح لزاما عليهم ان يحافظوا على مكسبهم التاريخي في ارساء اسس فيدرالية يحصلون وفقها ايضا على مدينة كركوك الغنية بالنفط في خطوة يحسبها الكثير من العرب في العراق انها تمهد الطريق لانفصالهم اي الاكراد عن العراق.
واسهمت حمى الفيدرالية في خلق صراعات عنيفة داخل الحكومة العراقية حول الموضوع الذي اخذ ينتشر في مناطق اخرى من العراق مثل جنوب العراق.
حيث اخذ عدد من سكان جنوب العراق لاسيما البصرة وميسان والناصرية يتطلعون الى اقامة اقليم الجنوب الذي سيكون غنيا بالنفط والثروات الطبيعية اضافة الى كونه يحتكم على المنفذ العراقي الوحيد على البحر مما يؤهله اي هذا الاقليم الى ان يتحول بسرعة قياسية الى مصاف دول الخليج العربي كالكويت وقطر والبحرين واكثر ما يدعو سكان الجنوب الى تعزيز فكرة الانفصال هو انهم لم يجنوا من حكومة بغداد سوى التهميش والاقصاء والقتل حيث عانوا اضعاف ما عاناه الاكراد حسب مايرون.
ويبدو ان النخب السياسية الكردية مصرة على استغلاف فرصة ذهبية لايمكن ان تتكرر بسهولة وهي ضعف حكومة بغداد واستغلال العامل الدولي الذي تعتقد النخب السياسية الكردية انه بصالحهم على الدوام.
ورغم ان اغلب العراقيين لم تضع خطا احمر على تولي جلال الطالباني رئاسة الجمهورية الا ان مخاوف كبيرة من ان يعمل طالباني على تغطية المشروع الكردي بانفصال اقليم كردستان العراق بعد نجاح الاكراد في ضم كركوك الى الاقليم، اضافة الى قيامه باعتباره رئيس جمهورية منتخب بدعم تمويل مشروعات اعمار كردستان وهي الاموال التي تدر ملايين الدولارات على النخب السياسية التي تغرق في فساد اداري حرم المواطن في كردستان من مقومات الحياة التي يستحقها بعد نظال مرير مع حكومات جائرة ونخب فاسدة.
ان الدفع باتجاه الانفصال وتكريس فكرة الفيدرالية لخلق كيانات قومية داخل عراق اطلقوا عليه عراق فيدارلي موحد هي اشبه بمن يلعب في النار اذا يمكن ان تتحقق الفيدرالية في العراق بشرط ان لاتؤثر على الانتماء والهوية العراقية وعلى العوامل الجغرافية والسكانية التي يتميز بها العراق كعوامل قوة، اي ان يعي الاكراد انهم جزء من العراق وان تتبلور ثقافة عراقية موحدة قائمة على متبنيات مشتركة لكل سكان العراق.
فليس من اللائق قيام فيدراليات على اساس قومي وطائفي وعرقي في بلاد يدعي ساستها انهم حققوا اقصى درجات الديموقراطية لان التعصب القومي والطائفي يتنافى تماما مع الديموقراطية القائمة اساسا على قبول الاخر واحتضانه، الا ان رجال السياسة يفضلون الديموقراطية التي تضعف السلطة المركزية تحقق امتيازات نخبوية خاصة وتلمع صورهم لدى العالم الغربي الذي يمنح الدعم المادي والمعوي والشرعية الدولية لرجال يبحثون على مزيد من الشرعية لمطالب مثيرة للجدل اقليميا وداخليا.
واننا هنا لانرفض مبدا الفيدرالية لكننا نرفض تصدع الدولة من اجل دويلات اصغر وتصدع الهوية من اجل انتماءات عشائرية وطائفية وقومية محدودة تتفهم العراق لاجل الحماية الامنية والتنعم بالثروات لكن ولائها سيكون ابدا مقتصر على الطائفة والعشيرة او القومية.
لذلك نحن نرى ان الخطر من ان تنتشر فكرة الفدرالية لتتحول الى كونفدراليات تؤدي الى تقسيم العراق الى سبعة او ثمانية اقاليم وهو ما يمكن ان يمزق البلاد التي واجهت الكثير من الكوارث والفوضى السياسية التي ادت الى تدني روح المواطنة والانتماء الى عراق تذوب فيه الولاءات السياسية المحددة وتنعم فيه الاقليات بحقوق ثقافية واجتماعية غير محدودة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روبوت يتحول من صلب إلى سائل لتجاوز العوائق • فرانس 24 / FRAN


.. هدف قاتل لبرايتون يطيح بليفربول من كأس إنكلترا




.. بوريس جونسون يروي تفاصيل مكالمة مع بوتين -هدده- فيها -بصاروخ


.. بوريطة: المغرب يؤكد دعمه لوحدة ليبيا وسيادتها في إطار حل للأ




.. المبعوث الدولي إلى ليبيا: يجب العمل على استعادة الأمن والاست