الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صح النوم: صرخة فيروز لإيقاظ الضمير الوطني

جوزيف بشارة

2006 / 6 / 19
الادب والفن


الفن رسالة سامية وعظيمة يدرك ويفهم معناها الفنانون الأصلاء. الغناء فرع مهم من فروع الفن فهو يترفع بالوجدان ويترجم بروعة الأحاسيس الفياضة والمشاعر الراقية. ليس هناك من هو أفضل من الفنانة القديرة فيروز للتعبير عن جمال الغناء فهي سيدته الأولى بلا منازع منذ خطت خطواتها الأولى في عالم الفن قبل ما يزيد عن نصف قرن من الزمان. فيروز تربعت بشموخ فنها وعبقرية صوتها على قلوب محبي فن الغناء الجميل، ووهبت نفسها للفن، ولم تزايد يوماً على رسالتها، ولم تتاجر أبداً بموهبتها لتحقيق فرقعات إعلامية زائفة، ولم تؤدي يوماً أغنية هابطة أو مثيرة للغرائز، فيروز هي التي جعلت من الوطن حباً ومن الحب وطناً.

السيدة فيروز، كإنما أرادت بحسها الوطني المرهف أن توقظنا من غيبوبتنا الطويلة، قررت مؤخراً إعادة عرض مسرحية "صح النوم" التي سبق وأن قدمتها مع الأخوين رحباني في بداية سبعينيات القرن الماضي. عودة السيدة فيروز إلى المسرح، بعد توقف طويل دام نحو الثلاثين عاماً، ستكون من خلال الاحتفالات التي تنظم بمناسبة اليوبيل الذهبي لمهرجانات بعلبك التي تبدأ في يوليو المقبل. عودة فيروز بمسرحية "صح النوم" تحمل معان وطنية وقومية كثيرة، فهي ستخاطب لبنان المحتقن بالانقسامات الطائفية المرة، وهي ستتحدث إلى المنطقة العربية الملتهبة بظلم الدكتاتورية وتطرف المتدينين وإرهاب الحمقى. هي تدرك أن لازال هناك أمل في إعادة الحياة إلى الجسد الوطني الغائب عن الوعي والقابع في سبات عميق منذ سنوات طويلة.

لا شك في أن الإحساس الوطني العميق الذي تعرف به جارة القمر السيدة فيروز كان الوازع الحقيقي وراء اختيارها لـ"صح النوم" دون غيرها من المسرحيات، فهي تعي أن هذه المرحلة المهمة من تاريخ لبنان والمنطقة تتطلب استيقاظاً كاملاً من جانب القوى الوطنية المختلفة للنهوض بمجتمعاتنا المريضة. لقد حملت مسرحية "صح النوم" عند تقديمها للمرة الأولى منذ نحو خمس وثلاثين سنة رسالة بالغة الحساسية والأهمية حول انغماس الحكام في لذاتهم، وإغفالهم لمصالح شعوبهم. المثير أنه رغم مرور كل هذا السنوات الطويلة على كتابة وتقديم المسرحية، إلا أن أحداثها تبقى معاصرة وتنطق بأحوال عدد غير قليل من البلدان العربية في وقتنا الراهن.

فلبنان الذي عشقته فيروز وتغنت به وله في جميع أعمالها لا يزال يئن من توابع الحرب الأهلية التي مزقته طيلة نحو خمسة عشر عاماً، دون أن تبدو في الأفق أية بوادر لتجاوز الحساسيات الطائفية، رغم المحاولات المضنية التي يبذلها وطنيون شرفاء. أما المنطقة العربية فهي تشتعل بنيران الإرهاب الأحمق، وتئن من آلام التفرقة و الحقد والكراهية الذين يتسبب بهم الهوس الديني المتطرف، فضلاً عن أن عدد من دول المنطقة تعاني الأمرين من جراء خضوعها لحكم نظم دكتاتورية وشمولية تكتم على أنفاس شعوبها، وتمنع عن مجتمعاتها نسمات الحرية، وتستنزف طاقاتها القومية لخدمة أغراض شخصية.

تدور أحداث المسرحية التي عرضت على مسرح البكاديللي عام 9071 في إطار سياسي كوميدي حول الفتاة الفقيرة قرنفل التي تتقدم بطلب إلى الوالي لإصلاح منزلها الذي تهدم سقفه، وتضطر للعيش تحت المظلة لمدة ستة أشهر بانتظار ختم الوالي لطلبها. مشكلة قرنفل، كغيرها من أهالي بلدتها، تتمحور في أن الوالي ينام شهراً كاملاً ويستيقظ لبضع ساعات ليوقع فقط ثلاثة طلبات للمواطنين قبل أن يستغرق في نومه مرة أخرى. نوم الوالي لا يتسبب فقط في تعطل مصالح المواطنين، ولكن في إصابة البلدة بالشلل التام، إذ أن مركزية نظام حكمه تتطلب ختمه شخصياً لكل طلب بإجراء تغيير في مظاهر الحياة بالبلدة. وحتى الطلبات الثلاثة التي يقبل الوالي توقيعها شهرياً غالباً ما لا تراعي مصالح وطنه، بل قد تكون لمشروعات يسعى للاستفادة والانتفاع منها بصورة شخصية.

وفي الوقت الذي يرفض فيه الوالي الاستماع لمطالب الأهالي، لا تجد قرنفل وسيلة لختم طلبها وإنقاذ أهل بلدتها من النوم المستمر للوالي سوى سرقة الختم. بالفعل تنجح قرنفل في سرقة الختم من الملك أثناء نومه، وعلى أثر ذلك تقوم بختم طلبات ومعاملات كل أهالي البلدة، عدا الإسكافي شاكر القندرجي الذي يقوم بغش وسرقة أهالي البلدة وضرب الصناعة الوطنية. ولأن قرنفل لا تستطيع إعادة الختم إلى موقعه، فإنها تتخلص منه بالقائه في بئر عميق. يلاحظ الوالي عند استيقاظه من نومه أن البلدة قد تم تعميرها بالكامل حتى أنه يكاد لا يعرف أين هو. يدرك الوالي أنه قد تمت سرقة الختم، مما يجعله يشعر بعدم الأمان والخوف على حياته. تعترف قرنفل بسرقتها للختم، ويقرر الوالي معاقبتها. تنجح قرنفل في إعادة الختم للوالي بعدما تم إنزالها إلى البئر لالتقاطه. تنتهي المسرحية بعفو الوالي عن قرنفل بعد توحد أهل بلدتها خلفها للمطالبة بحريتها، وهو ما يدفع الوالي للاعتراف بها والتخلي لها عن الختم للالتفات إلى معاملات الأهالي.

السيدة فيروز تطرح من خلال مسرحيتها رؤيتها الواضحة للأزمة العميقة التي تعاني منها شعوبنا وشعوب العالم الثالث. الختم في مسرحية "صح النوم" يرمز إلى العمل السياسي وإلى السلطة المركزية المطلقة التي يستخدمها الحكام في إدارة شئون بلادهم. ولأن الدول الشمولية والنظم الحكم المركزية تعتمد على رؤسائها اعتماداً كلياً في الكبيرة والصغيرة، فإن مصالح الشعوب تكاد تتوقف وتتعطل لانشغال الحكام برعاية مسائلهم الشخصية. لذا فإن الأخوين رحباني يطرحان في المسرحية فكرة سرقة الختم أو السلطة من الوالي لضمان سير أحوال الدولة. ولعل التعمير الذي أشارت المسرحية إلى أن بلدة قرنفل شهدته بعد سرقتها للختم يشير إلى مدى النجاح الذي يمكن أن تشهده بلداننا في حال تنحي النظم الحاكمة الحالية عن السلطة وتسليمها إلى الشعوب. وربما أرادت فيروز أن تنقل رسالة واضحة للشعوب المقهورة مفادها أن مصالحهم تتعطل بسبب فساد حكامهم، وأن بإمكانهم الحصول على حرياتهم من خلال "سرقة الختم" للتخلص من تسلط ومركزية حكامهم.

تحية صادقة لسفيرة النجوم إلى عالمنا المضطرب بمناسبة عودتها للمسرح التي طال انتظارها. وتحية لها لمحاولتها إيقاظنا من غفلتنا العميقة التي جعلت منا في شعوباً متأخرة وفقيرة وبلا حقوق أو حريات. وتحية لها لحسها الوطني الذي تنفرد به، والذي تتمتع وتستمتع وتمتعنا به. من المؤكد أن "صح النوم" 2006 ستختلف في معالجتها السياسية عن "صح النوم" 1971، فالإدارة المسرحية الجديدة لـ"صح النوم" ستتضمن بالتأكيد رؤية المبدع زياد الرحباني المميزة والمتمردة للأمراض السياسية والاجتماعية التي استجدت على الساحات اللبنانية والعربية والدولية في السنوات الأخيرة، فضلاً عن بصمته الموسيقية المتجددة.

لا شك أن مسرحية السيدة العظيمة فيروز توجه رسائل عديدة عنوانها "صح النوم" إلى القوى السياسية والشعبية وغيرها، أكتفي هنا بذكر ثلاث رسائل منها؛ الأولى موجهة إلى الحكام الذين يتجاهلون حقوق ومطالب شعوبهم، والثانية مرسلة إلى الشعوب الغافلة الصامتة عن المطالبة بحرياتها وحقوقها، والثالثة يقصد بها المتطفلين على الفن أو الذين يتاجرون به أو الذين يحرمونه أوالذين ينكرون رسالته السامية. فهل يستيقظ الحكام على صوت الصباح الصافي القادم من بيروت لإيقاظهم من نومهم الطويل؟ وهل تفيق الشعوب المقهورة من غيبوبتها على صوت الحرية الذي سيأتي من بعلبك في يوليو القادم فتلحق بركب الحضارة والتقدم والحرية والتسامح والاعتدال؟ وهل يتعلم مدعيو الفن من سيدة الغناء العائدة إلى جمهورها كيف تستخدم رسالة الفن السامية في إيقاظ الضمير الوطني للشعوب؟ صح النوم يا حكامنا ويا شعوبنا ويا فنانينا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المراجعة النهائية لطلاب الثانوية العامة خلاصة منهج اللغة الإ


.. غياب ظافر العابدين.. 7 تونسيين بقائمة الأكثر تأثيرا في السين




.. عظة الأحد - القس حبيب جرجس: كلمة تذكار في اللغة اليونانية يخ


.. روبي ونجوم الغناء يتألقون في حفل افتتاح Boom Room اول مركز ت




.. تفاصيل اللحظات الحرجة للحالة الصحية للفنان جلال الزكى.. وتصر