الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أسباب إنتفاء الصفة غير المشروعة للفعل وفقًا لنظرية الإباحة - استعمال الحق الشخصي إنموذجًا -

يعرب فجر السرحان

2020 / 5 / 25
دراسات وابحاث قانونية


مقدمة :
أولى أساسيات تكوين الجريمة أن يكون الفعل أو الأمتناع خاضعًا لنص قانوني يجرمه طبقًا لمبدأ من مبادىء التشريع الجنائي إلا وهو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المعبر عنه " لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص أو قانون، وأن يكون سارٍ من حيث الزمان (إقليمية قانون العقوبات)، والمكان(عدم رجعية النصوص الأشد) والأشخاص ( جانٍ مسؤول ذو إرادة حرة واعية مؤثمة )، إلا أن ذلك ليس بكاف، أي لا يكفي لقيام الجريمة خضوع الفعل أو الامتناع المكون لها لنص تجريمي سارٍ من حيث المكان و الزمان و الأشخاص ، فلابد من توافر القطب الأخر من النموذج القانوني اللازم لقيامها وهو عدم خضوع ذلك الفعل أو الامتناع لنص أو قاعدة من قواعد الإباحة ، سواء في ذلك استعمال الحق الشخصي لارتكاب الفعل المجرم أو إداء الواجب واستعمال السلطة ، أو الدفاع الشرعي.ولقد تخيرنا نموذج استعمال الحق الشخصي لوضع نبذة متواضعة عن نظرية الإباحة ، حتى تكون بوعي القارىء في الظروف الراهنة ، وعليه نتناول المحاور الآتية :

المحور الأول : الأساس القانوني للإباحة
إن أسباب الإباحة ظروف محددة يقع فيها الفعل المكون للجريمة على نحو ينتفي معه المساس بالمصلحة المحمية جنائيًا ، وتنزع على أثر ذلك الصفة غير المشروعة للفعل ، فيعود الفعل من دائرة التجريم إلى دائرة الإباحة ، كأن لم يسبق تجريمه ، فالفعل يبدو للوهلة الأولى مستجمعًا لمقومات النموذج القانوني للجريمة ، إلا أنه تم تحييده من دائرة التجريم هذه إلى دائرة الإباحة لظروف واقعية إحاطت به جعلته خاضعًا لقاعدة أخرى تبيحه . فيحدث صدامًا مشروعًا بين قاعدتين شرعيتين؛ الأولى هي القاعدة التي تجرم وتطبق إذا توافرت علة التجريم ، والثانية هي التي تبيح وتطبق إذا انتفت علة التجريم ، ومن البديهي أن فض النزاع هذا إنما يكون بطريق واحد وهو تغليب قاعدة الإباحة على قاعدة التجريم ، تطبيقًا لقاعدة قانونية أن الأصل في الأشياء الإباحة .
المحور الثاني : استعمال الحق الشخصي وشروطه
تتقتضي اعتبارات المنظق القانوني ، وتحقيق الاتساق بين القواعد التي يتكون منه النظام القانوني لأي دولة ، وتنزيه المشرع فيها من التناقض ، أنه إذا ما قرر القانون أو الشريعة الإسلامية لشخص ما من حق أو رخصة له بعمل ما، فأن الأخير يستفاد ضمنًا إباحة كافة الأفعال التي من شأنها ممارسة ذلك الحق أو التي يقوم عليها ذلك الترخيص، على أن هذه الإباحة لهذا السبب " استعمال الحق " ليست مطلقة ، بل لابد لها من شروط لتطبيقها ، وأولى هذه الشروط أن يكون الحق الذي يبيح الفعل موجودًا ، ومقررًا بمقتضى قاعدة قانونية ، لأجل مصلحة يلبسها المشرع ثبوب الحماية القانونية ، سواء إكانت مصلحة عامة أم خاصة ، وسواء مقررة لمصلحة المستفيد من الإباحة أو لغيره كما في الإباحة استعمالًا للحق في التأديب أو الحق في العلاج ، وسواء كان مصدر هذه القاعدة القانونية المقررة للحق في تشريع مكتوب أو في مبادىء قانونية عامة أو في عرف أو في بعض أحكام الشريعة الإسلامية . كما يشترط في الإباحة استعمال للحق أن يكون مرتكب الفعل قد راعى الحدود القانونية للحق ، أي باشره صاحبه في الحدود التي رسمها القانون ، وهذه الحدود هي أن يكون صاحب الحق ذو صفة قانونية تبيح له استعمال هذا الحق ، فالحق في علاج المرضى لا يكون إلا لطبيب ، وأن يكون الفعل المباشر من قبله من مقتضيات استعمال الحق ، فلا يعد التعذيب أو الضرب المبرح من مقتضيات استعمال احق اللجوء في ممارسة حق التأديب للصغار ، وأن يكون حسن النية .
المحور الثالث : رضاء المجني ومدى تأثيره على إباحة الجريمة استعمالًا للحق .
مما لا شك فيه أن الأفعال المجرمة تحدث مساسًا بالجانب الاجتماعي الذي تمثله المصلحة الاجتماعية المحمية جنائيًا، وتحدث اضطرابًا في النظام الاجتماعي ، وهذا المساس أو الاضطراب لا يمكن رفعه برضاء المجني عليه بالواقعة أو سعيه إلى ذلك ، أو تخليه عن المطالبة بالتعويض عما أصابه من ضرر من جرائها ، فالمشرع الجنائي وأن كان يتدخل لتحقيق وظائف متعلقة بالصالح العام ، فلا يمكن تعليق تلك الوظائف على إرادة الأشخاص ، إن شاءوا سمحوا بتحقيقها أو أبوا فعطلوها ، وبناء عليه يستخلص أن رضاء المجني عليه لا يعد - من حيث المبدأ - سببًا لإباحة الجرائم ، باستثناء بعض الحالات التي يكون أساس الإباحة ترخيصًا ضمنيًا من القانون بمباشرة النشاط ، كما في حالة رضاء اللاعب في ممارسة الألعاب الرياضية، مادام أن هذا الرضاء صادرًا عن فهم وإدراك وإرادة سليمة خالية من العيوب التي تجردها من قميتها القانونية، وأن يكون سابقًا على الجريمة وممتدًا حتى تنفيذها أي معاصرًا لذلك التنفيذ .
الخلاصة في الموضوع :
انطلاقًا من أن الأصل في الإفعال الإباحة، وأن الاستنثاء على هذا الأصل هو نقلها من دائرة الإباحة إلى دائرة التجريم حينما تتعارض تلك الأفعال من القيم والمبادىء التي استقر على الطابع الإنساني ، لاسيما حينما تهدر تلك الأفعال المصالح العامة منها أو الخاصة ، أو تمثل اعتداء على حق من حقوق الإنسان فيتدخل المشرع ويدخل تلك الأفعال دائرة التجريم ، ولا وتكون لها عودة إلى دائرتها الأصلية " دائرة الإباحة " سوى بظروف واقعية يكون من شأنها إنتفاء علة ذلك الخروج ، أي انتفاء علة التجريم أو بعبارة أدق انتفاء المساس بالمصلحة التي كانت ضمن حماية المشرع الجنائية ، وهذا بالطبع ما يحدث حينما تتوافر إحدى حالات هذه الإباحة، ومن ضمنها استعمال الحق الشخصي، على النحو الذي بيناها، وما بقي من حديث في هذا المقال سوى الإشارة إلى ضرورة التقنين الدقيق والمعالج لكافة صور استعمال الحق كسبب من أسباب الإباحة ، وتحديًدا صورة الحق في ممارسة الأعمال الطبية بحسبانها أكثر الصور خطورة على على حقوق الإنسان ( الحق في الحياة وسلامة جسده ) .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شهادة محرر بعد تعرضه للتعذيب خلال 60 يوم في سجون الاحتلال


.. تنامي الغضب من وجود اللاجئين السوريين في لبنان | الأخبار




.. بقيمة مليار يورو... «الأوروبي» يعتزم إبرام اتفاق مع لبنان لم


.. توطين اللاجئين السوريين في لبنان .. المال الأوروبي يتدفق | #




.. الحكومة البريطانية تلاحق طالبي اللجوء لترحيلهم إلى رواندا