الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفنان الفرنسي مارسيل مارسو: إنقاذ الأيتام ومقاومة النازية في فيلم جديد

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 25
الادب والفن


في فيلم الهولوكوست الجديد "المقاومة" Resistance، يجسد جيسي آيزنبيرغ دور فنان التقليد الصامت الفرنسي مارسيل مارسو. الفيلم من إخراج جوناثان جاكوبوفيتش وأطلق في دور السينما في الولايات المتحدة في 27 آذار 2020. حصل الفيلم على تقييم 56 في المائة بحسب موقع روتين توميتو و6 من 10 بحسب موقع قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت IMDb. يتحدث الفيلم عن جهود إنقاذ أيتام يهود من فرنسا الخاضعة للإحتلال النازي أبان الحرب العالمية الثانية.

يبدأ الفيلم بمشهد في ميونخ في تشرين الثاني عام 1938 تسأل فيه طفلة يهودية والدها فجأة عن سبب كراهية النازيين لهم، لكن الوالد المسكين يحاول طمأنة الطفلة بأن ذلك بسبب الفشل الاقتصادي وبحث النازيين عن كبش فداء لتعليق أخطائهم عليه وأن كل شيء سيتغير بتحسّن الاقتصاد. لكن ذلك يتلاشى سريعا وفي ذات الليلة بهجوم النازيين على منزل الأسرة ومقتل الوالدين أمام أنظار الطفلة المذعورة. في مشهد آخر، نلاحظ إصرار والد مارسيل على رفض فكرة ترك فرنسا لأنه هرب من بولندا سابقا بسبب معاداة السامية ويرى أن كلام هتلر شعبوية فارغة بهدف أن يبتهج الحمقى وأنه لن يدخل فرنسا ولكن تلك الأماني تتلاشى هي الأخرى بعد أن يحتل هتلر فرنسا وهولندا وبلجيكا في ستة أسابيع.

بعد ذلك ينتقل الفيلم ليقصّ علينا حياة مارسيل مارسو، المهرج وممثل التقليد الفرنسي الشهير، ودوره في إنقاذ أيتام اليهود في ستراسبورغ رغم رفض أسرته لممارسته للتهريج ولوم شقيقه له بأنه أناني لا يفكر إلا بنفسه. يتطرق الفيلم لتجربة مارسيل في إسعاد 123 طفل يتيم يتم انقاذهم من النازيين مقابل ثروة طائلة تدفعها منظمات يهودية وتقوم بوضعهم في قلعة في ستراسبروغ قبيل الغزو النازي لفرنسا.

تتكرّر نقاشات الفن بشكل ملحوظ في الفيلم في عدّة مواضع. في البداية، يسخر والد مارسيل من التهريج والرسم ويحزن لرؤيته في الكباريهات، وكذلك تسخر منه إيما، الفتاة التي يحبها والتي تقوم برعاية الأطفال، فضلاً عن شقيقه الذي يرى أن الأطفال هم الوحيدين الذين لا يرون في فنه سخافة. في حوار آخر بين مارسيل ووالده، يتساءل الأب عن سبب تعلقه بالرسم مع اعترافه بأنه يتحسّن، ليجيب مارسيل بسؤال الوالد عن سبب الذهاب إلى الحمّام. يقول الأب أن الطبيعة تفترض ذلك، فيجيبه مارسيل بأن الفن ايضًا حاجة ضرورية للإنسان أيضًا. يتكرر نقاش الفن عند إنضمام مارسيل إلى المقاومة الفرنسية في ليون واستخدام فنه لتزوير جوازات السفر للجنود البريطانيين المنضمين لمقاومة النازيين، إذ تعرب امرأة من المقاومة عن استغرابها من فكرة وجود رسّام يهودي. يخبرها مارسيل أن هناك الكثير من الرسامين اليهود، لكنها تصرّ على أن اليهود بارعون في الكتابة والتفكير، ولكن الفن ليس مجالهم الأصيل لأن دينهم يحرّم تصوير الرب، وتضيف أن الناس تخشاهم لأنهم يصلون لإله غير مرئي ولهذا السبب يكرهونهم. يصحّح لها مارسيل قائلاً أن الكراهية سببها اتهام الشعب اليهودي بقتل المسيح قبل قرونٍ طوال. تعترف السيدة حينها أنهم يخشون صراع اليهود من أجل البقاء، وأنه لا يوجد رمز أكثر خطورة للمضطهدين من اليهود، لأنهم تجسيد لتحرر العبيد من الطغاة. في مواقف أخرى، يدور النقاش بين مارسيل ووالده عن الغناء – إذ يعمل الأب في الغناء الأوبرالي في المسرح بعد سيطرة النازيين على كامل فرنسا – ويسأله "لماذا كنت تحارب شغفي في الفن مع أنك تغني الآن؟" فيقول له بأنه كان يريد أن يصبح مغنيا ولكنه ابن جزّار ويجب أن يصبح جزارًا وأنه يخشى عليه من أن يجوع لأن الفنانين فقراء. قال الأب، "على الأقل الجزار يعرف أنه سيجوع". من العبارات القوية أيضًا قول والد مارسيل أن النازيين "أخذوا كل شيء ما عدا صوتي". يصوّر الفيلم أيضًا دور الفن وغناء ترنيمة السلام عليك يا مريم Ave Maria لشوبيرت من قبل جوقة الأطفال اليهود بهدف الهرب من النازيين ومداهمة الحاكم النازي كلاوس باربي لهم. في تلك اللحظات المشدودة، يدور حوار آخر عن الفن عندما يسأل باربي "مارسيل" عن طريقة لجعل طفلته الرضيعة تهتم بالفن، يقول له مارسيل، "لا تفرضه عليها، لأن ما يُفرض يتم مواجهته. قل لها أن الفن للضعفاء وستحاول هي اثبات عكس ذلك. دعها تتبع شغفها بنفسها".

يصوّر الفيلم أيضًا أمرًا عصيبًا على أيتام اليهود بضرورة التخلي عن طقوسهم وقص زلوف الأولاد وتناول الطعام غير الكوشير بحكم الضرورة وترك بعضهم ليعيشوا في كنف أسر مسيحية وأديرة. تقرر المجموعة المشرفة على الأيتام تدريبهم على الاختباء في حال تعرضهم للخطر فضلاً عن محاولة الاحتفال برأس السنة "روش هاشانا" قبيل الوقت المحدد بنفخ الشوفاء قبل الموعد على أمل أن تبقى الأمة وتجتمع من جديد.

يصوّر الفيلم كراهية كلاوس باربي، المعروف باسم جزّار ليون، لليهود والغجر والمعاقين ذهنيا والشيوعيين والاشتراكيين والمثليين والروس وغيرهم وتظهر نقاشات بينه وبين زوجته التي تكتشف وجود قساوسة تحت التعذيب في منزله. يظهر الفيلم وحشية كلاوس وقتله للمعارضين الفرنسيين واليهود بطرق اعدام مخيفة منها سلخ الجلود واعدام الناس في حوض سباحة فارغ بينما يعزف البيانو ويشرب كأسًا من النبيذ. يذكرنا هذا بأن العنصرية تجعل شخصًا يُفترض أن تصرفاته الأخرى مدنية الطابع وتعامله لطيف مع أسرته قادر على ارتكاب فظائع ضد الإنسانية.

بعد تعذيب شقيقة إيما وقتلها، تدور حوارات بخصوص كون النجاة بالأطفال لبقاء الشعب هو الحل الأمثل وأن المقاومة لا طائل من ورائها. الحوارات بهذا الصدد عميقة واللحظات التي تعقب ذلك مخيفة ومليئة بالشد. سوف تذرفون الدموع وتتجمّدون من الخوف وأنتم تشاهدون مطاردة كلاوس للأطفال في غابات جبال الألب المنجمدة في سعيهم للوصول إلى بر الأمان في سويسرا.

الفيلم رائع بحق ويجسّد الكثير من الأفكار بخصوص الفن والبحث عن الذات والحياة والإصرار على البقاء والشجاعة والغيرية والحب الذي يغيّر الإنسان ويجعله يهتم بقضايا تتجاوز ذاته فضلاً عن بيان المواقف الجيدة لبعض الفرنسيين في حماية اليهود ووحشية النازيين الذين قتلوا الآلاف من أطفال الغجر ومليون طفل يهودي. ينتهي الحال بكلاوس باربي في السجن، بعد هروبه إلى بوليفيا، ويموت في سجنه في فرنسا عام 1991. يصبح مارسيل مارسو من مشاهير الفن الفرنسيين ويحصل على نيشان الاستحقاق الوطني من رتبة قائد لدوره في انقاذ مئات الأيتام بشكل مباشر والآلاف غيرهم بشكل غير مباشر، فضلاً عن دوره في صفوف المقاومة الفرنسية. أنصح بمشاهدة الفيلم رغم أجواءه المفرطة في الحزن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانون إيرانيون يتضامنون مع غضب شعبهم ولكن بطريقتهم


.. الفنانة فلة الجزائرية في ضيافة كافيه شو


.. محسن جابر: هانى شاكر دخل عش الدبابير وشيرين ممكن تبقى زى أم




.. التعليم العالى تعلن نتيجة تنسيق الدبلومات الفنية وفتح باب تق


.. صباح العربية | لقاء خاص مع أندرو محسن مدير المكتب الفني لمهر