الحوار المتمدن - موبايل


أزمة الاتجاه التطوري في السوسيولوجيا، والاتجاهات المعادية للوضعية في السوسيولوجيا على أبواب القرن العشرين

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 6 / 1
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


المقالة للفيلسوف الماركسي السوفييتي ايغور سيميونوفيتش كون، الباحث في علم الجنس والسوسيولوجيا وعلم الأخلاق.

ترجمة مالك ابوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم.

1- الوضع المنهجي في العلوم الاجتماعية على ابواب القرن العشرين
تميزت نهاية القرن التاسع عشر بأنها نهاية فترة (الاستقرار) في تطور الرأسمالية، وبداية مرحلة الامبريالية فيها. ان ازدياد حدة التناقضات التناحرية للاقتصاد الرأسمالي، وتعزز الصراع الطبقي واستبدال المنافسة (الحرة) بهيمنة رأس المال الاحتكاري (وبعد ذلك تحولها الى رأسمالية دولة احتكارية)، كلها تسببت في تحول خطير في الايديولوجيا. بدأت التعبيرات الايديولوجية البرجوازية-النموذجية لليبرالية في منتصف القرن التاسع عشر، التي تُمجّد عالمهم كأفضل الأنظمة الممكنة، تبدو ساذجة للغاية.
كانت نظرية التطورية الوضعية، على الرغم من كل انتقاداتها لمجتمع المستقبل، تبريريةً في الأساس. كما كتب ماركس في (مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي) "فما ندعوه التطور التاريخي يرتكز على حقيقة أن آخر شكل يظهر يعتبر الأشكال السابقة عليه درجات مؤدية اليه، وهو يحكم عليها دائماً من جانبه فقط، ذلك أنه نادراً وفي ظل ظروف معينة فقط، يكون قادراً على أن يُنقذ نفسه، وبطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر هنا بالفترات التاريخية التي تعتبر نفسها تسير في طريق الانحلال"(1).
بدأ التفاؤل التاريخي للمفاهيم البرجوازية بالتلاشي شيئاً فشيئاً بعد عام 1848. وتكثف التشاؤم بعد عام 1870. لم يعد أكثر ايديولوجيي الطبقة السائدة بُعداً للنظر، يرسمون المستقبل بألوانٍ زاهية كما في السابق. على سبيل المثال، كتب المؤرخ السويسري جيكوب بوركهارت Jacob Burckhardt، عام 1872 أنه "كان لديه شعور قد يبدو مجنوناً تماماً لكنه لا يستطيع التخلص منه. ستصبح الدولة العسكرية مصنعاً قوياً على نطاقٍ واسع. ولا يمكن ترك حشود الناس المتركزين في ورش العمل الكبيرة لاحتياجاتهم وجشعهم الى الأبد، وستبدأ كتلة خاضعة للاشراف، من البؤس ترتدي زي العمل، يومها وتنهيه على قرع الطبول، هذا ما يجب أن يحدث منطقياً(2). لم يكن عالم الحرية هو ما ينتظر البشر، بل استبداد السلطة العسكرية المطلقة، متنكراً بزي الجمهورية ومُخضعاً الجماهير للقادة والمُغتصبين.
لقد عبّر نيتشه بوضوح عن الشعور بالأزمة الاجتماعية الشاملة التي يمر بها المجتمع الرأسمالي: ان السقوط، وبالتالي عدم اليقين هما شيئان نموذجيان في هذا العصر: لا يوجد شيء يمكن أن يقف بثبات على قدميه بثقة: يعيش البشر للغد، لأن بعد غدٍ فاتم. كل شيءٍ امامنا زلقٌ وخطير، وقشرة الجليد التي تحملنا أصبحت رقيقةً جداً، نحن جميعاً نشعر بالأنفاس الدافئة المهددة بذوبانه حيث نخطو، لن يستطيع أحد قريباً ان يتقدم خطوةً واحدةً الى الأمام!"(3).
تم دمج انهيار التفاؤل الليبرالي ومبدأ عدم تدخل الدولة "دعه يعمل دعه يمر" Laissez Faire، بانهيار الثقة في المخططات البنيوية العضوية. وقد لاحظ السوسيولوجيين المزيد والمزيد من تدمير الرأسمالية للهياكل المجتمعية التقليدية مثل العائلة والحي ونقابات الحرفيين، وقد أنذرتهم هذه العملية، على عكس أنصار الليبرالية السابقة.
كانت اعادة تقييم القيم الايديولوجية للمجتمع الرأسمالي أكثر ايلاماً وعسراً لانها كانت متشابكة مع أزمة نظرية ومنهجية في التطورية والطبيعانية. استوعبت الدراسات الاجتماعية البرجوازية في القرن التاسع عشر فكرة التطور Development بشكلٍ مبسطٍ للغاية. تم فهم التطور Evolution في كثيرٍ من الأحيان على أنه أحادي الخط Orthogenesis، اي يتحرك الى هدف مُحدد مسبقاً. خضعت احادية الخطية هذه سواءاً في شكل النظرية الوضعية او بالشكل التيوديسي التاريخي الهيغيلي (على الرغم من من اختلافاتها، كانت قريبة من بعضها في هذه النقطة بالتحديد)- لانتقاداتٍ أكثر حدة بشكلٍ متزايد، خصوصاً عندما ظهرت التناقضات الاجتماعية على السطح. أثبتت التاريخانية Historicism بشكل عام أنها تتعرض لنيران النقد باعتبارها فكرة تتمحور حول غائية أو اتجاهية مُسبقة في العمليات الاجتماعية. تعرضت التطورية الوضعية لنقدٍ لاذعٍ بسبب طابعها الميكانيكي والطبيعاني وتقليلها من أهمية "العامل الانساني". ظهر هذا الاتجاه المعادي للتطورية لأول مرة في فلسفة التاريخ في أعمال آرثر شوبنهاور وجيكوب بوركهارت ونيكولاي دانيليفسكي وفريدريك نيتشه. لكن سرعان ما تغلغلت الأمزجة المعادية للتطورية في الانثروبولوجيا والاثنولوجيا التي كانت السوسيولوجيا مرتبطةً بهما بشكلٍ وثيق في القرن التاسع عشر. افترض الوضعيين، انطلاقاً من فكرة الخط التطوري المستقيم، أن جميع الشعوب مرت بنفس المراحل، وأن الثقافة والمؤسسات السياسية وما الى ذلك كانت دائماً هي نفسها في ظروفٍ اجتماعيةٍ وطبيعيةٍ متطابقة. كان هذا، في ذلك الوقت، نهجاً مُثمراً الى حدٍ ما لانه مكّن من تمييز الخطوط الرئيسية للتطور، ولكنه استند الى أحادية جانب خطيرة، وهي عدم فهم تنوع أشكال ومتغيرات التطور Development الاجتماعي، والميل الى ملائمة الحقائق وحشوها في مخططٍ بسيطٍ للغاية. وهكذا تحوّلت المنهجية التاريخية المُقارنة الى وسيلة لجمع غير نقدي للحقائق فقط لتعزيز المخطط الموضوع مُسبقاً، ومن هنا نبعت الخلافات المستمرة بلا نهاية بين السوسيولوجيين والمؤرخين. اتهم السوسيولوجيين المؤرخين بأن لديهم "شغف الأطفال" لوصف التسلسل الزمني وجمع الحقائق المُفردة والمبالغة في دور "الرجال العظماء" وعدم فهم قوانين وأنماط التطور الاجتماعي. من جانبهم، انتقد المؤرخين السوسيولوجيين، وليس من دون اسباب وجيهة، بأنهم ميكانيكيون ويميلون الى التعميمات التعسفية والتفسيرات المُصطنعة والنزعة التخطيطية Schematism.
دحض تطور الانثروبولوجيا والاثنوغرافيا التخطيطات التطورية المُفرطة في التبسيط وكشف عن عدم كفاية المنهجية المُقارنة. أظهرت المواد الاثنوغرافية بوضوح أن الصلة بين الحياة المادية للمجتمع، وثقافته، لم تكن بأي حالٍ واضحة أو لا لُبس فها، وأظهرت أن الأساس نفسه يمكن أن يؤدي، وفقاً للظروف الملموسة، الى تنوع اشكال البناء الفوقي، وأنه من كان من المستحيل، عند الحديث عن مجتمعاتٍ محددة التغاضي عن حقائق التفاعل والتأثير المتبادل بين الشعوب.
بالطبع، تم الاعتراف بمسألة انتشار الثقافة في وقتٍ سابق. حتى أن عالم الاثنوغرافيا التطوري البارز ادوارد تايلور Edward Tylor كتب عدداً من المقالات حول أنماط انتشار السمات الثقافية. لكن التفاعلات الثقافية كان قد تم تفسيرها ايضاً بروح التطورية. تغير الموقف في مطلع القرن. اصبحت الانتشارية Diffusionism تدريجياً الاتجاه الرئيسي في الاثنوغرافيا وكان ليو فروبينيوس Leo Frobenius 1873-1938 وفريتز غريبنر Fritz Graebner 1877-1934 وغرافتون اليوت سميث 1871-1938 وآخرين من أهم أنصاره حيث جعلوا الانتشار، وليس النشوء، حجر الأساس.
أسفر الاتجاه الانتشاري في الاثنوغرافيا ودراسة الثقافة عن نتائج بحثية قيّمة للغاية. ولكن لسبب كونها رد فعل طبيعي على التطرف التطوري، فقد انطوت الانتشارية على خطر اهمال الخط الرئيسي للتطور Development. استبعدت فكرة أن الثقافة انتشرت بشكلٍ رئيسي من خلال التبادل والاستعارة، استبعدت بروز نظرية نشوئية عامة للثقافة. حاولت المدرسة الثقافية-التاريخية في الاثنوغرافيا ان تُميز بين "الدوائر او المناطق الثقافية" المستقلة. في وقتٍ لاحق، تطوّر المبدأ الوظيفي كمبدأ مُرشد، في مُعارضة كلاً من التطورية والانتشارية، والذي بموجبه يجب تفسير كل ثقافة من خلال اندماجها الداخلي وترابط العناصر الوظيفية لثقافة المجتمع نفسها، وليس من خلال التأثيرات الخارجية أو مراحل التطور Evolution.
أكد عالم الانثروبولجيا الأمريكي فرانز بواس Franz Boas 1858-1942 انه من المستحيل دراسة تطور أو انتشار العناصر المختلفة للثقافة والفن بشكلٍ منفصل، لأن أهميتها تتحدد من خلال مكانها في نظام الثقافة باعتباره كلٌ كامل. يجب دراسة ثقافة وحياة اي مجتمع ليس كحالة جزئية أو مرحلة من عملية تطورية واحدة، وليس كنتاج للتأثيرات الخارجية الصدفية بشكلٍ أو بآخر، ولكن ككلٍ مستقلٍ ملموس يجب فهمه في وحدته الداخلية. ولكن في حين أخطأت التطورية القديمة في التقليل من القيمة المُحددة لـ"المجتمعات البدائية" مُعالجةً اياها كمرحلة في تطور الحضارة الأوروبية، فانه، الآن، وعلى العكس من ذلك، يتم الاعلان أن جميع الثقافات والأشكال الاجتماعية ذات قيمة تاريخية متساوية، وأن دراسة نشوئها هو أمرُ غير مُثمر.
كانت اعادة التوجيه المنهجي في الاثنوغرافيا مرتبطةً بشكلٍ مباشر بالسوسيولوجيا ايضاً. لم يتم ترسيم حدود كلا التخصصين بدقة على الاطلاق، خاصةً فيما يتعلق بالأنماط العامة للثقافة. بالاضافة الى ذلك، كان هناك دائماً توازٍ معين، اي بعيد عن التفاعل، في تطوير مناهجهما العامة. كان الاتجاه الانتشاري في الاثنوغرافيا متشابكاً بشكلٍ مباشر مع نظرية تارد في المحاكاة والتقليد. لقد كتب، على وجه الخصوص عن "انتشار الأفكار"، وليس بدون سبب استشهد به بواس. اعتُبِرَ دوركهايم عن حق، رائد الوظيفية في الاثنوغرافيا الانجليزية. ولم تكن أزمة التطورية ميلاً موضعياً، بل عاماً. لم تكن الثورة في الفيزياء في مطلع القرن العشرين، والتي هزت الأفكار الميتافيزيقية القديمة ليس فقط في الفيزياء بل في كل العلوم، والتي حللها لينين في كتابه (المادية ومذهب النقد التجريبي)، لم تكن أقل أهميةً في التأثير على العلوم الاجتماعية.
لقد قدّمت الفيزياء النيوتونية صورةً صحيحةً تماماً عن العالم بالنسبة لمعظم العلماء والفلاسفة في القرن التاسع عشر، حيث تم اختزال الواقع تماماً الى ترتيب وحركة الذرات. افترض العلماء انطلاقاً من اللابلاسية الحتمية الميكانيكية، انه اذا كان ترتيب وحركة جزيئات المواد معروفةً بدقة في أي لحظة مُعطاة، فسيكون من الممكن حساب كامل التطور السابق واللاحق للعالم حسب قوانين الميكانيك. تناثرت الميكانيكية البدائية بواسطة فيزياء القرن العشرين الى أشلاء. من الطبيعي أن الثورة التي بدأت في الفيزياء لم تتوقف عند هذا الحد. أدى ظهور الهندسة غير الاقليدية ونظرية المجموعات الى حدوث أزمة في الرياضيات حيث أصبح من الواضح أن أسس هذه العلوم الأكثر دقةً لم تكن بديهيةً على الاطلاق كما كان يُفترض في القرن التاسع عشر. كانت هناك تحولات خطيرة في الكيمياء والبيولوجيا وفروع المعرفة الأخرى. هزت الأزمة في الفيزياء علوم الانسان والتاريخ وعلم النفس والسيوسيولوجيا ايضاً. استندت طبيعانية وتطورية السوسيولوجيا الوضعية على وجه التحديد الى فيزياء نيوتن، على الرغم من أنه لم يكن جميع العلماء مدركين لهذا، وكانت الحتمية التي دافعوا عنها نموذجيةً لحتمية لابلاس. ضربت الثورة في الفيزياء التي اشارت الى الطبيعة المحدودة لهذه المفاهيم وعدم كفايتها، الميكانيكية في الدراسات الاجتماعية. تأثرت السوسيولوجيا بالتغيرات الحاصلة في العلوم الطبيعية، حتى عندما تم رفض استخدام مصطلحات الفيزياء والميكانيك والبيولوجيا عند دراسة الظواهر الاجتماعية. لفتت الثورة في العلوم الطبيعية الانتباه الى المقدمات الفلسفية للمعرفة العلمية، وأبرزت الحاجة الى التحقق من المفاهيم والمناهج الأساسية للعلم بعناية. كان وضعيو القرن التاسع عشر يعتقدون بسذاجة أن تطور العلوم الوضعية بحد ذاته سيحل جميع المشاكل الاجتماعية والفلسفية. في مطلع القرن العشرين، تمت صياغة السمات الرئيسية للمفهوم الاجتماعي-الثقافي الذي أطلق عليه النقاد فيما بعد (العلموية). أضفى هذا المفهوم صفة الاطلاق على دور العلم في نظام الثقافة والايدولوجيا. لم ترفع الوضعية التي نشأت من التوجه العلمي، العلم الى مرتبة نظرة عالمية شاملة وحسب، بل ادعت أن الأساليب المعتمدة في العلوم الطبيعية يمكن تطبيقها على اي مسألة فكرية. لم يكن هذا موجهاً فقط ضد الفسلفة التأملية اي"الميتافيزيقيا"(أ)، ولكن ايضاً ضد المناهج المُعتادة واسلوب التفكير في التخصصات الانسانية "التقليدية".
كان هذا التوجه، الذي عكس صعود سلطة ونفوذ العلم، تقدمياً لفترةٍ معينة. ولكن كان الفلاسفة في نهاية القرن التاسع عشر، يُدركون بوضوح بالفعل التفاوت المتزايد بين التقدم العلمي التقني وتطور القِيَم الروحية والأخلاقية والجمالية. بالاضافة الى ذلك، أدى تعمق تخصص المعرفة العلمية الذي قاد انشقاق وانفصال أكبر وأكبر للتخصصات، الى طرح مسألة دمج المعرفة بشكلٍ جديد، واستعادة صورة متكاملة للعالم ونوع من ما فوق العلم (على الرغم من أن الفرضية الوضعية تعتبر بأن العلم هو فلسفة نفسه). وأخيراً، وهذه النقطة مهمة بشكلٍ خاص، فقد ازداد الاهتمام بخصائص وترابط العلوم الاجتماعية والطبيعية بشكلٍ حاد في نهاية القرن التاسع عشر.
كلما أصبحت مناهج العلوم الدقيقة أكثر صرامةً، كلما تعارضت مع المناهج التقليدية للعلوم الاجتماعية والانسانية. شرح الوضعيون هذه الفجوة بشكلٍ حصري من خلال القول بـ"عدم نضوج" التخصصات الاجتماعية والانسانية، التي لم تصل بعد الى مستوى ومعيار العلم الحقيقي. ولكن لم تسكت الأصوات، التي قالت، على عكس ذلك التوجه، أن مفاهيم ومناهج العلوم الطبيعية، لا يمكن بحكم طبيعتها، ان تعكس تعقيد العالم البشري. عززت أزمة الفيزياء توطيد واحياء التوجه المعادي للوضعية، الذي كان له جذور ايديولوجية في تاريخانية الرومانسيين المثالية. بينما قيّمت عالياً جميع أشكال المعرفة الانسانية والحياة نفسها بمعايير العلوم التجريبية، فان الاتجاه المُعادي للطبيعانية في الفلسفة قد نصب لنفسه مهمة انتقاد العلم، ووضع حدوداً لفعاليته وقابليته للتطبيق، في ضوء بعض القيم الانسانية والحياتية والأخلاقية الأكثر عموميةً. كان "نقد العلم" هذا متنوعاً جداً في أهدافه ومحتواه. استخدم بعض الكُتّاب أزمة الفيزياء للتحدث عن الافلاس العام للنظرة العلمية، ومواجهينها باللاعقلانية والايمانية. لم يُشكك البعض الآخر في قيمة وفعالية العلم في حد ذاته، لقد عارضوا العلموية والأوهام الوضعية في العلم فقط.

2- التغيرات في فلسفة العلوم الاجتماعية. فيلهلم ديلتاي والكانتية الجديدة
كانت الأسس الفلسفية لسوسيولوجيا القرن التاسع عشر غير متجانسة. بعيداً عن الوضعية، فقد اثرت عليها تيارات مثالية اخرى ايضاً. حتى الوضعية نفسها لم تكن بعيدةً عن عدم الوضوح في المحتوى. كانت مُقاربة ميل السيكولوجية الفردية تقف على الضد من مُقاربة كونت المنظومية الشاملة. ان توجه ايبوليت تاين Hippolyte Taine الطبيعاني، الذي ادعى انه من الضروري النظر على العواطف الانسانية كعالمٍ طبيعي Naturalist ومادي "عند تصنيف وحساب ميزان القوى"(4) لم يمنعه من الاعتقاد، فيما يتعلق بالدراسات التاريخية والثقافية، ان الانسان هو كائن حسّي و"مرئي" ومهم فقط بقدر ما يتجلى داخله المخفي في الانسان الخارجي(5).
ومع ذلك، ارتبطت السوسيولوجيا عادةً بالوضعية والطبيعانية في العقل العام للقرن التاسع عشر، وتطور النقد الموجه ضدها تحت شعار "العداء للوضعية"، على الرغم من أنه، كما يُلاحظ المؤرخ الأمريكي ستيوارت هيوز Stuart Hughes كقاعدة عامة استخدم هؤلاء النقاد كلمة "الوضعية" بطريقة متغيرة تقريباً وواعتبروا ما هو وضعي كذلك عدداً من المذاهب الفلسفية الأخرى التي اتخذوها كموضوعٍ للنقد على قدم المساواة "المادية" و"الميكانيكية" و"الطبيعانية"(6).
وهكذا، تشابك نقد الميكانيكية المُبتذلة والطبيعانية والتطورية برد الفعل المثالي الموجه بشكلٍ مباشرٍ او غير مباشر الى المادية التاريخية. لم يكن من قبيل المصادفة أن المفاهيم "المعادية للطبيعانية" كانت تُسمى ايضاً المثالية الجديدة Neo-Idealist. لقد رسم مؤرخو السوسيولوجيا منذ وقتٍ طويل الخطوط الرئيسية لهذا الصراع الفلسفي(7). كان الوضعيون والمثاليون الجدد معادين بالقدر نفسه لفلسفة التاريخ الانطولوجية التقليدية التأملية، وشددوا على الطابع التجريبي الملموس للعلوم الاجتماعية، ولكنهم فهموا طبيعتها ووظائفها بشكلٍ مختلف.
دافعت الوضعية عن مبدأ وحدة كل المعرفة العلمية، ساعيةً الى سحب مناهج البحث في العلوم الطبيعية الى الظواهر الاجتماعية. على النقيض من ذلك، شدد التيار المعادي للوضعية على الطابع المحدد للموضوع الاجتماعي ومناهج الادراك، معارضين العلوم الاجتماعية بالعلوم الطبيعية. سعت الوضعية الى التركيز على ما هو عام ومتكرر وموحّد، محتقرين ما هو خاص وفردي وملموس. متتبعين للتقليد الرومانسي، ركّز المثاليون الجدد على معرفة ما هو فردي، سواءاً الشخص الفرد او الفترة التاريخية. حاولت الوضعية أن تختزل التنوع النوعي للظواهر الى مجموع العناصر او القوانين البسيطة. فضّل المثاليون الجدد التعميم التركيبي واخضاع "الكليات العضوية" المتنوعة لتحليل العناصر.
حاولت الوضعية أن تُظهر الحياة الاجتماعية كتفاعل عفوي الى حدٍ ما للعوامل والقوى الاجتماعية اللاشخصية. أما خصومهم، فعلى العكس من ذلك، فقد كانوا يبحثون في كل مكان عن مبدأ شخصي فردي وذاتي، ولم يكن التحديد الموضوعي للظواهر الاجتماعية محل اهتمامٍ لهم بقدر اهتمامهم بالبحث عن دافعٍ "داخلي"، اي معنى محتوى الفعل، والدوافع والتوجهات الواعية للفاعل في اطار معايير أو قيَم مُعينة.
ان العلم الاجتماعي الرئيسي والرائد بالنسبة للوضعيين هو السوسيولوجيا، في حين أنهم يعتبرون التاريخ "الوصفي" أنه تخصص مساعد، في أحسن الأحوال. أما المثاليين الجدد، فعلى العكس، فالتاريخ محط أنظار البحث، والسوسيولوجيا تظل عندهم في الخلفية، اذا لم تُعلن حتى أنها غير ضرورية تماماً.
على النقيض من موضوعية الوضعية، سلّطت المثالية الجديدة الضوء على مسألة معرفة الذات وماهيتها في الابستمولوجيا، وما هو ضمان الأهمية العامة لاستنتاجاتها، وكيف يرتبط النشاط الادراكي بالممارسة، وما الى ذلك.
من بين جميع التيارات المثالية المشاركة في الصراع المنهجي في أوائل القرن العشرين (الهيغيلية الجديدة الألمانية والايطالية وحدسية برغسون وظواهرية ادموند هوسرل، الخ) كانت لفلسفة فيلهلم ديلتاي والكانطية الجديدة الصدارة في التأثير على نظرية وممارسة العلوم الاجتماعية حينها.
أطلق مؤرخي الفلسفة على فيلهلم ديلتاي 1833-1911 بأنه "كانط المعارف التاريخية". لقد عارض ديلتاي العلوم الانسانية (والذي عرّفها بأنها علوم الروح) بالعلوم الطبيعية. قال ديلتاي في كتابه (مقدمة حول علوم الروح) Einleitung in die Geisteswissenschaften ان تحرير العلوم الخاصة بدأ في نهاية العصور الوسطى، ولكن ظلت تلك العلوم التي بحثت المجتمع والتاريخ كموضوعٍ لها سجينةً للميتافيزيقيا (حتى القرن التاسع عشر). ويُكمل، انها في عصره، خضعت الى قمعٍ لا يقل عما كانت عليه، اي لقوة العلوم الطبيعية المتصاعدة(8). لم يُنكر ديلتاي ان الانسان كان كياناً نفسياً جسدياً مُحدداً كان يمكن تفكيكه فقط بالتجريد، وانه يمكن للعلوم الاجتماعية والطبيعية بهذا المعنى أن تدرس حياة الانسان نفسها. لكن العلوم الطبيعية بحثت في الطريقة التي أثرت بها مجريات الأحداث على وضع الانسان، في حين كانت العلوم الانسانية في الأساس علماً للروح التي درست النشاط الحُر للانسان بحثاً عن أهدافٍ معينة. ان الأشياء المادية التي يدرسها العلم الطبيعي معروفة لنا بشكلٍ غير مباشر فقط، كظواهر. أما بيانات علم الروح، فهي على العكس، تؤخذ من التجربة الداخلية، من الملاحظة المباشرة للنفس وللآخرين والعلاقات بينهم. وجادل بأن الحقائق الاجتماعية يمكن أن تُعرف لنا من الداخل، ويمكن اعادة انتاجها داخل انفسنا، الى حدٍ ما، من مراقبة وضعنا. يمكن عن طريق معرفة هذه الحقائق الداخلية أن نُحيي محبتنا او كرهنا للعالم التاريخي ونستعرض مشاعرنا كلها. ان الطبيعة بالنسبة لنا عمياء. فقط قوة الخيال البشري هي التي تومض شعلة الحياة في داخلنا. ان الطبيعة غريبة عن الانسان وخارجية بالنسبة له. ان المجتمع هو عالم البشر(9).
ان العنصر الأساسي لعلوم الروح، حسب دلتاي، هو الخبرة الداخلية المباشرة Erlibins، هناك حيث يُدرك الانسان ويعي وجوده في العالم بشكلٍ مباشر. لقد جعل تشابه هياكل العالم الروحي والعقلي لمختلف الأشخاص من التعاطف والمودة ممكناً، والذي كان بدوره اساساً لفهم العالم الداخلي للآخرين ودوافعهم ورموز الثقافة. "نحن نُفسّر الطبيعة، ولكننا نفهم الحياة الروحية"، هذه هي اطروحة ديلتاي الرئيسية(10).
كانت نظريته عن الفهم واحدة من المحاولات الأولى لفهم نظري لمسألة فك رموز وتفسير معنى النشاط الاجتماعي-التاريخي وموضوعيته. ولكن ديلتاي اعتبر وجود فلسفة او سوسيولوجيا او تاريخ تدّعي امكانية تعميم مسار التاريخ ككل هو أمر مستحيلٌ من حيث المبدأ وغير صحيح، بما أن التجربة المباشرة التي تم الاستناد اليها في الفهم كانت فردية. "ان اي صيغة نعبر فيها عن احساس التاريخ هي فقط انعكاس لشعورنا بالحياة... من المستحيل استخلاص اي حقيقة مثمرة من هذه الصيغ والادعاء بأنها يمكنها أن تُعبّر عن معنى التاريخ، ليس هذا الا ضباب ميتافيزيقي(11).
حاولت فلسفة التاريخ استخلاص العام من الخاص والفردي، ولكن دلتاي اعتبر انه لم يكن لذلك أن يُنجز بدون تخريب نسيج الواقع التاريخي الحي. لذلك حافظت فلسفة التاريخ على آثار اصلها الديني طوال تطورها، وظل محتواها دينياً وميتافيزيقياً حتى عندما تخلصت من الأشكال اللاهوتية القديمة (فوغوت، هيردر، غوته).
قيّم ديلتاي علم الاجتماع الوضعي بنفس الطريقة السلبية. لقد وبخ كونت وميل وسبنسر بسبب عدم دقة مصطلحاتهم ودوغمائيتهم العلمية وميتافيزيقيتهم الطبيعانية. ادعت السوسيولوجيا انها تدرس المجتمع ككل، ولكن في الواقع، وسواءاً كان الأمر يتعلق بالتطور التاريخي أو علاقات مكونات البنية الاجتماعية، لم تستطع سوى الأبحاث المتخصصة والتحليلية مقسمةً حسب التخصصات (السيكولوجيا، الاثنولوجيا، دراسات الأنظمة الثقافية والمؤسسات الاجتماعية) ان تؤتي نتائج عمليةٍ مثمرة. لقد استتبعت عدائية ديلتاي للطبيعانية، رفضاً للسوسيولوجيا كعلم.
تشكلت حماسة ديلتاي، بصرف النظر عن النقد عالم للطبيعانية الوضعية، من تأكيد التوجه نحو الذات والتاريخانية والترابط البنيوي للحياة الاجتماعية. كانت فكرة التوجه نحو الذات تعني أن الهياكل والعلاقات الاجتماعية غير المشخصة والتي اعتبرتها السوسيولوجيا الطبيعانية على أنها "عوامل مستقلة"، هي عبارة عن تشييئات ونتاج لماضي وحاضر نشاط الناس، والتي لا يمكن فهمها الا فيما يتعلق بهذا النشاط. ميّز ديلتاي تفسير الثقافة وأي تشكيلات اجتماعية-نفسية كـ"كليات ديناميكية"، عن ميكانيكية وانتقائية "النظريات السيكولوجية عن المجتمع" المعاصرة التي اختزلت المجتمع الى كومة من "الغرائز" أو "الاحتياجات" التعسفية، واختزلت الثقافة الى الى مجموعة من المكونات المعزولة. اما تاريخية الحياة الاجتماعية "مبدأ التاريخانية"، فانه يعني، على النقيض من التخططيات التطورية المجردة، فهي توجيه منهجي لتفسير انماط ثقافية وتاريخية ملموسة من أجل التعبير عن الطبيعة المحددة للعصور الموافقة لها.
كان لديلتاي، بصفته مؤسساً لـ"فلسفة التاريخ النقدية"، تأثيراً ملحوظاً على تطور التفكير التاريخي. لقد كان علم النفس البنيوي لادوارد سبرانغر ومفهوم فيلهلم شتيرن الشخصاني، والى حدٍ ما علم النفس الجشتالي، تطوراً مباشراً لأفكاره في السيكولوجيا. كان أتباعه من الكانتيين الجدد في مدرسة بادن وجورج زيميل، الذي رأى ديلتاي في أعماله تحقيقاً جزئياً لبرنامجه الخاص (على الرغم من اختلاف برنامج زيميل بشكلٍ عام عن برنامجه). كان تأثير ديلتاي ملموساً، بدرجة مختلفة، وفي سياقٍ فكريٍ مختلف في سوسيولوجيا الفهم Verstehen (الفهم الحدسي أو التفسيري) عند ماكس فيبر وفي نظريات تشارلز هورتون كولي Charles Horton Cooley وفلوريان زنانيكي Florian Znaniecki وبيتريم سوروكين Pitirim Sorokin وآخرين عديدين، ولكن كان لها تأثير متناقض.
وبسبب مواقفه المثالية المبدأية، لم يكن ديلتاي غير قادراً على ردم الفجوة بين المبادئ "الروحية" و"المادية" في تفسير الحياة الاجتماعية وحسب، بل وعمّقها ايضاً.
لقد رأى بوضوح الجوانب الضعيفة في علم النفس الاستبطاني، وكان معارضاً للنسبية، وأظهر، امكانية معرفة الحياة الاجتماعية بشكل موضوعي. يقول ديلتاي، بأن علوم الروح سعت جاهدةً للحصول على معرفة موضوعية بموضوع بحثها، دائماً ما قام البشر بجعل المعرفة الموضوعية عن المجتمع هدفاً لهم. ان مقدمته العامة والمشتركة هي امكانية تحصيل مثل هذه المعرفة(12). ولكنه في حين أنه كان ينأى بنفسه عن النسبوية السيكولوجية، كان ديلتاي عاجزاً في مواجهة النسبوية التاريخية. وفقاً لمذهبه، تتغير وتتحول جميع ابداعات الروح الى ما لا نهاية: يُشكل كلٌ من الانسان وأفكاره مجموعاتٍ فرديةٍ لا تُضاهى في كل فترةٍ معينة. لكن العلوم الاجتماعية، مثل كل الأشياء التي خلقها العقل، هي ايضاً جزء من مجموعات تنتمي الى تنتمي الى التاريخ.
فكيف تكون المعرفة الاجتماعية العامة بشكلٍ عام ممكنة؟ في محاولة تأصيل الدراسات الانسانية والاجتماعية في مادةٍ تاريخية وثقافية بدلاً من كونها روحية وفردية، فانه لم يتمكن من التغلب على الصعوبة المرتبطة بالتناقض بين منهجه والمهمة التي نصبها لنفسه. لم تكن المنهجية الذاتية للبحث في "الكُل الروحي" الاجتماعي والثقافي تضمن موضوعيةً علميةً لنتائج البحث.
لم يكن هناك مكان في فلسفة ديلتاي للحقيقة الموضوعية. يتوافق اي نظام للمعرفة الاجتماعية مع نظرية معينة حول العالم. لكن "اي نظرة حقيقية عن العالم هي حدس ينشأ من الوجود الداخلي للحياة"(13)، وان انماط النظرات الفلسفية الرئيسية، بالنسبة له، "مكتفية ذاتياً، لا يمكن اثباتها وغير قابلة للدحض"(14).
حتى أن علماء كانوا متقبلين للطريقة المعادية للطبيعانية في فلسفة ديلتاي، مثل ماكس فيبر، رأوا انه من اللازم أن يبتعدوا عنها. ابتعدت معالجة الفهم Verstehen اللاحقة في العلوم الاجتماعية أكثر فأكثر عن مصادرها السيكولوجية الحدسية، واصبحت مرتبطة بمسألة المعنى الحي للرموز الاجتماعية والثقافية. يقول احدى المعاجم السوسيولوجية "ان الصعوبة التي تعاني منها منهجية (الفهم)، انه لا يمكن لأحد أن يُعطي وصفاً دقيقاً لها"(15).
رفض الكانتيون الجدد مثل ديلتاي المادية والطبيعانية، مشددين على الجانب الذاتي للادراك، واعتبروا التاريخ تخصصاً أكثر أهميةً وتميزاً بالنسبة الى مجموعة العلوم الاجتماعية أكثر من السوسيولوجيا. لكنهم أبرزوا المشاكل المنطقية والمنهجية في المقدمة ومسألة الوضع المنطقي للمفاهيم التاريخية ومنهجية تشكيلها على النقيض من تلك المفاهيم المستخدمة في العلوم الطبيعية.
تمت صياغة الأطروحات الأساسية للمفهوم الكانتي الجديد عن العلم من قبِبَل فيلهلم فيندلباند في مقدمة كتابه (تاريخ الفلسفة) Geschichte der Philosophie 1889 وخاصةً في خطابه (التاريخ والعلوم) Geschichte und Naturwissenschaft 1894. بالنظر الى المهمة الرئيسية للفلسفة المتمثلة في البحث في المناهج الادراكية للعلوم الخاصة، فقد عارض الميل الذي كان يُميز ديلتاي الذي أراد أن يختزل الفلسفة في تخصص التاريخ، ووقف ضد "النزعة الشاملة" للوضعية والتي تجاهلت الطبيعة الخاصة لميادين المعرفة المختلفة. لم يكن ناجحاً التقسيم التقليدي للعلوم التجريبية حسب موضوع بحثها الى علوم انسانية وعلوم طبيعية، لان الأشياء، في رأيه، لم تتطابق مع وسائل البحث فيها. حسب رأيه فان تصنيف العلوم حسب منهجها وطابع هدفها الادراكي هو أكثر دقة بكثير. وجادل بأن العلوم التجريبية سعت، اثناء بحثها في العالم الحقيقي، من جهة، للبحث عن سواءاً العام في شكل قانون الطبيعة، او الفردي في شكله المشروط تاريخياً، وسعت لتتبع شكل الأحداث الواقعية الثابتة غير المتغيرة، وتابعت المحتوى الفردي المحدد في حد ذاته. بعضها كانت علوماً عن القوانين، وأُخرى كانت علوماً عن الأحداث. يُخبرنا الأول ما حدث دائماً، ويخبرنا الثاني ما كان في يومٍ من الأيام(16). في الحالة الأولى لدينا تفكير نوموطيقي Nomothetic عام، وفي الحالة الثانية لدينا تفكير ايديوغرافي Idiographic فردي.
انطوى هذا، من الناحية العملية، على مُعارضة بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية. في حين تُشير العلوم الطبيعية على انتصار الفكر على الادراك، فان المفاهيم العامة لها مكان ثانوي في التاريخ. يقول فندلباند، ان محاولات السوسيولوجيين الوضعيين لـ"جعل العلوم الطبيعية خارج التاريخ.
تم تطوير المسألة التي طرحها فندلباند بشكلٍ أكبر، من قِبَل هاينريك ريكرت Heinrich Rickert 1863-1936 في كتابه (تشكيل حدود مفهوم العلم الطبيعي) Die Grenzen der naturwissenschaftlichen Begriffsbildung عام 1902.
شدد ريكرت، بفهمه النسبي لمقابلة العلم بالتاريخ، بأن "منطقه التاريخي" لم ينصب لنفسه هدف تصنيف العلوم ولم يدّعي بأن على العلم ان يتعامل فقط مع العام، وان على التاريخ أن يتعامل مع ما هو فردي(18). لقد جادل بأن على اي تفكير علمي أن يبحث في المفاهيم العامة بمعنى أن عناصر الأحكام والمفاهيم عامة. لذلك، اذا وضع المرء للتاريخ مهمة عدم انتاج اي شيء سوى المواضيع الفردية، فان فكرة العلم التاريخي ستكون في الواقع تناقضاً في الموضوع(19). كان الفرق بين التاريخ وعلم الطبيعة، في نظره، في المقام الأول، هو أن المفاهيم العامة هي هدف معرفة الأخير، في حين انها لم تكن سوى أداة ضرورية في التاريخ لمعرفة الفردي. كان المعيار الأساسي في العلوم الطبيعية، العام والمتكرر، بينما في التاريخ، على العكس من ذلك، فهو غير المتكرر، الفردي. لذلك، يُظهر المفهوم العلمي الطبيعي ما هو مُشترك في حشدٍ من التشكيلات الفردية، مُهملاً ما يُميز فرديتها، على النقيض من ذلك، يُظهر المفهوم التاريخي كيف تختلف هذه الفرديات عن بعضها البعض.
نظراً لان منهج وموضوع العلم لم يرتبطا بشكلٍ صارم، فانه يمكن استخدام منهجية التفريد من حيث المبدأ مع الطبيعة (الجيولوجيا كتاريخٍ للأرض)، ومنهجية التعميم على الظاهرة الاجتماعية (السوسيولوجيا والسيكولوجيا). أظهر ريكرت تفضيلاً واضحاً، على اية حال، للتفريد التاريخي على السوسيولوجيا "التعميمية". في حين اعترف بالشرعية المنطقية لمعالجة العلوم الطبيعية للواقع الاجتماعي (على الرغم من انها لم تؤد، في رأيه، الى نتائج مهمة)، الا أنه اضاف بأن السوسيولوجيا لم تحل محل التاريخ وحسب (الذي يجب على المرء أن يتفق معه)، لكنها لم تُخبرنا اي شيءٍ عام عن الواقع العياني.
كانت خصوصية المعرفة التاريخية هي انها لم تُقّم الظواهر في المتوسط، ولكنها أبرزت جوهرها من خلال ربطها ببعض القيم الثققافية الهامة بشكلٍ عام. ان القيمة، وفقاً لريكرت، كانت الشيء الذي يقبع فوق أو خلف كل الموجودات(20). لذلك كانت علاقة القيمة، شيئاً مختلفاً تماماً عن التقييم الذاتي. اعتقد ريكرت، برسمه هذا الخط الفاصل، بأنه يمكنه ضمان موضوعية المعرفة الاجتماعية التاريخية. كتب ريكرت، ان العلم هو شيء أكثر من ترتيبٍ تعسفي للحقائق التي ليس لها معنىً الا لمن كان موجوداً في اطار قيمٍ ثقافيةٍ تاريخيةٍ معينة(21). اذا لم يتضمن التطور التاريخي نفسه معايير تقسيمه، وتشكلت جميع المفاهيم التاريخية فيما يتعلق بقيمٍ معينة، فان الادعاء بالأهمية العامة غير المشروطة للمفاهيم التاريخية، يفترض مسبقاً الاعتراف بلامشروطية القيم العامة. وهكذا تنمو دراسة منطق التاريخ لتصبح ميتافيزيقيا القيم.
كانت أعمال مدرسة بادن في الأساس، محاول أولى للبحث في الأساس المنطقي للعلوم الاجتماعية (من بين الوضعيين، ميل فقط هو الذي اهتم بهذا وان كان سطحياً الى حدٍ ما). لقد اوضحوا الصعوبات الجوهرية عند تطبيق المنهجية التاريخية في السوسيولوجيا. شجعت الخلافات التي سببها كتاب ريكرت على دراسة أكثر نشاطاً لهذه المسائل، وعلى وجه الخصوص، على حل مسألة القيم سوسيولوجياً (القيم كمكون معياري للنشاط الاجتماعي) وابستمولوجياً ("علاقة القيم" ومعيار الموضوعية العلمية). اثّرت نظرية ريكرت حول المفاهيم التاريخية التي تشكلت فيما يتعلق بقيمة معينة، على النقيض من التعميمات الاحصائية، اثرت على تطور الاجراءات التصنيفية في السوسيولوجيا. على المستوى الفلسفي، وضعت مدرسة بادن مع ديلتاي وهوسرل، حجر الأساس المُستقبلي للاتجاه "الانسانوي" او الفينومينولوجي في السوسيولوجيا.
لكن تأثير الكانتية الجديدة على علم السوسيولوجيا كان غير مباشرٍ في الغالب (من خلال ماكس فيبر ومفاهيم الاتجاه الثقافي الألماني).
ادعى الكانطيون الجدد، بدون اي اساس، بأنهم "تجاوزوا" نظرية الانعكاس المادية الدياليكتيكية. وكما كتب ريكرت، سيتم اكتشاف ضعف المفهوم لو كُلّف العلم بمهمة اعادة انتاج الواقع، حيث أن الاستنتاج الثابت الوحيد لمذهبٍ حول العلم سادت فيه نظرية الانعكاس، هو الشكية المُطلقة"(22).
ولكن نظرية الانعكاس الماركسية لا تتطلب أن يتطابق المفهوم مع الموضوع وأن يعكس كل تنوعه. ان عملية الادراك والمعرفة التاريخية هما وحدهما الذين يستطيعا استيعاب الواقع اللامتناهي. على العكس من ذلك، يقوم ريكرت بعزل المفهوم المنفصل ميتافيزيقياً، ويقوم بمقارنته بتنوع الواقع اللامحدود، ويستنتج بأن الادراك لا يعكس الواقع الموضوعي. لقد أعطى ذلك لنظريته السمات الأساسية للاأدرية، التي انتقدها الماركسيون، ولا سيما جورجي بليخانوف في بداية القرن العشرين(23).
عزز الكانطيون الجُدد بشكل اساسي هذا الصدع بين التاريخ والسوسيولوجيا، الذي نشأ بالفعل في الممارسة العملية في منتصف القرن التاسع عشر، وما زالت النتائج السلبية المترتبة عليه ماثلةً امامنا (من جانب، التاريخ الوصفي الذي يستهين بالدقة المفاهيمية ومناهج البحث العلمي الاخرى، ومن جهة أخرى، اعتماد السوسيولوجيا على مفاهيم شكلية لا تتوافق بالمرة مع اي واقع اجتماعي تاريخي محدد).

3- مكانة السوسيولوجيا
كيف انعكست كل تلك المشكلات الفلسفية والمنهجية في السوسيولوجيا؟ كان موقع السوسيولوجيا في نظام العلوم الاجتماعية في مطلع القرن العشرين غامضاً الى حدٍ ما. من ناحية، كانت تتطور بسرعة، وتوسعت مواضيع الدراسة الاجتماعية التجريبية، وظهرت المجلات الخاصة والجمعيات والمقاعد السوسيولوجية الجامعية. من ناحيةٍ أُخرى، استمر انصار العلوم الاجتماعية التقليدية في النظر الى السوسيولوجيا بارتياب، في حين ساد الارتباك في النظرية السوسيولوجية نفسها.
في بريطانيا العظمى تأسست جمعية لندن السوسيولوجية عام 1903 كمركزٍ للسوسيولوجيا (كان رئيسها الأول، المحامي المعروف جيمس برايس James Bryce)، وبدأت بنشر مجلتها السوسيولوجية عام 1908. ولكن لم يكن لهذه الجمعية أي برنامج محدد من اي نوع. كتب محرر المجلة ليونارد هوبهاوس Leonard Hobhouse 1864-1929 في أول مقالة يقول: "ليس فقط لا يزال هناك من ينكرون وجود السوسيولوجيا، ولكن ما هو أكثر خطورة، انه لا يزال هناك العديد من الاختلافات العميقة في الرأي بين السوسيولوجيين، حول طبيعة ومواضيع دراسة التخصص الذي ينتسبون اليه"(24).
أُنشئ تخصص السوسيولوجيا لأول مرة في المملكة المتحدة في جامعة لندن عام 1907، بتمويلٍ من متبرعٍ خاص أراد "المساعدة في ترسيخ وضع السوسيولوجيا الأكاديمي في الجامعات"(25). كان هوبهاوس أول بروفسور سوسيولوجي في الجامعة. ومع ذلك، أُغلقت الطريق على السوسيولوجيا في جامعتي كامبريدج وأكسفورد، وظلت السوسيولوجيا البريطانية، تتطور، ولفترة طويلة داخل اطار الانثروبولوجيا والاثنوغرافيا.
في فرنسا، استخدم أتباع لي بلاي مُصطلح (السوسيولوجيا) لوضف أعمال تلامذة كونت، ودعوا دراساتهم الاجتماعية بـ "علم اجتماعي Social Science". بدأت مأسسة السوسيولوجيا كتخصصٍ جامعي هناك في نهاية القرن التاسع عشر تحت تأثير دوركهايم، الذي اصبح عام 1896 أول استاذٍ للعلوم الاجتماعية في فرنسا، في جامعة بوردو. بعد الانتقال الى باريس، قام بتدرس علم التربية والدين والأخلاق والعائلة.
كان الوضع أسوأ في ألمانيا. لم ترغب كليات الفلسفة التي تركزت فيها جميع الدراسات الانسانية والاجتماعية، في أن يكون لها علاقةً بالبحث التجريبي. وكما قال أنتوني اوبرشال Anthony Oberschall "فان البحث الاجتماعي التجريبي كان مهماً للاستاذ الألماني بصفته مواطناً وليس في تخصصه"(26). عمّق الفلاسفة "التقليديون" العداء المهني للسوسيولوجيا بسبب الخلافات النظرية والايديولوجية، حيث ارتبطت السوسيولوجيا في أذهان العلماء المحافظين، بالوضعية والاتجاه الاشتراكي والتأثيرات الأجنبية. وانتشر هذا العداء حتى في السوسيولوجيا النظرية. في رسالة الى وارد، اشتكى غومبلوفيتش بمرارة من ان الأساتذة الألمان لم يكونوا يريدون أن يعرفوا اي شيء عن السوسيولوجيا، وأن مكتبة جامعة غراز لم تشترك حتى في المجلة السوسيولوجية الأمريكية. كتب فرديناند تونيز في عام 1912 أن "الجميع يعرف... ان السوسيولوجيا غير مقبولة في الجامعات الألمانية، حتى كقدم طاولة للفلسفة"(27). كما أنها لم تحصل على دعم البيروقراطية. لذلك، على الرغم من تأسيس الجمعية الألمانية للسوسيولوجيا في عام 1909، برئاسة تونيز، فان اضفاء الطابع المؤسسي على السوسيولوجيا كان لا يزال بعيداً.
كان الوضع في الولايات المتحدة مختلفاً تماماً. ان عدم وجود نظام صارم للتعليم العالي، وتوفر الأموال والتنافس بين الجامعات وتأثير البراغماتية والسبنسرية وحركة الاصلاحات الاجتماعية الواسعة، أتاحت فُرصاً لم تكن متوفرةً في دولٍ أخرى. تم القاء المحاضرة الأولى التي حملت اسم (السوسيولوجيا) بالفعل، في جامعة ييل في عام 1876 من قِبَل وليام سِمنر William Sumner. افتتح سمول عام 1893 اول كرسي لتخصص السوسيولوجيا في شيكاغو.
بحلول عام 1901، كانت 169 جامعة وكلية أمريكية تُقدم بالفعل دوراتٍ في السوسيولوجيا لطلابها. نشأت جمعية السوسيولوجيا الأمريكية عام 1905 برئاسة وارد. اصبحت المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع، التي تأسست قبل 10 سنوات هي منشورها الرسمي. لكن ليس من قبيل المصادفة أن يصف اوبرشال السوسيولوجيا المبكرة بأنها "حركة، أكثر من كونها تخصصاً فكرياً"(28).
لم يكن المؤسسون الأوائل للسوسيولوجيا الأمريكية باحثين محترفين. كانوا، في أغلب الأحيان رجال دين (سمنر، سمول، فينسينت) وصحفيين (جيدينغز وبارك). كان بعضهم علماء في تخصصاتٍ أُخرى (كان وارد، على سبيل المثال، عالم في النباتات الأحفورية). وكما كتب سمول عام 1924، فان معظم الأعمال التي نُشرت في الولايات المتحدة الأمريكية باسم "السوسيولوجيا" كانت ببساطة عبارة عن اراءٍ قديمة الطراز تحت اسمٍ جديد"(29). عندما كان وارد يكتب سوسيولوجيته الديناميكية، لم يكن لديه أي فكرة ان هناك اي شخصٍ آخر يعمل في مجاله. يقول سمول بأنه عندما تم انتخاب سمنر رئيساً لجمعية السوسيولوجيا الأمريكية في عام 1907، بأنه "لم يكن في مجال رؤيتي على انه سوسيولوجي حتى بالاسم... لقد ظل صدىً امريكياً لـ"دعه يعمل دعه يمر" كما هو الحال عند سبنسر في انجلترا"(30). اما سمنر، بدوره، على حد تعبير أحد تلامذته، لم يستخدم مصطلح "السوسيولوجيا" لانه "يمقت بغضب، جميع الأعمال التي تُنجز تحت ظل هذا الاسم، ومعظم نزعاتها وكل من يُدرسها تقريباً"(31). وظل يعتبر نفسه، حتى مماته، استاذاً في "العلوم السياسية والاجتماعية".
ونتيجةً لذلك، تبلور وضع اشبة بالمفارقة. كانت السوسيولوجيا تتطور. الى جانب المراكز القومية ظهرت مراكز دولية ايضاً. عُقِدَ المؤتمر الأول للمعهد الدولي للسوسيولوجيا في باريس عام 1849 برئاسة رينيه وورمز Rene Worms، والذي اضفى الطابع المؤسسي على هذا المعهد الذي ضم أعضاؤه شافل وفويلي وليلينفيلد وكوفاليفسكي وجيدينغز وشمولر وغومبلوفيتش وتارد وتونيز وزيميل وفوندت وسمول. اصبحت المجلة السوسيولوجية الدولية التي تأسست في العام السابق على المؤتمر The Révue internationale de sociologie مطبوعاً رسمياً للمعهد. كانت مجلة (الحولية السوسيولوجية) L’Année sociologique التي أسسها دوركهايم عام 1896 مركزاً آخراً للجذب الدولي.
على الرغم من أن المجلات والجمعيات السوسيولوجية عززت احتراف السوسيولوجيا وقت التبادل العالمي للأفكار، فان هذا التبادل ظل محدوداً جداً. في استطلاع بيرنارد عام 1927، قام 20% فقط من 258 سوسيولوجي امريكي، بذكر عالم غير امريكي اثر بشكلٍ اساسي على نظراتهم الفكرية(32). كان تبادل الأفكار أكثر كثافةً في اوروبا، ولكن حتى هناك، تم تجاهل الأفكار غير المقبولة بسبب الشكل السائد في الجدل ضدها.
لم يقتصر الشك في موضوع بحث ومناهج العلم على السوسيولوجيين وحدهم في أوائل القرن العشرين، ولكن موقف السوسيولوجيا كان مهتزاً بشكلٍ خاص. قال عالم الرياضيات البارز هنري بوانكاريه بشكلٍ ملائم أن السوسيولوجيا هي علم يُفرز منهجية جديدة كل عام ولكنه لم ينتج عنه اي نتائج(33).
كل هذا لم يُساعد في التأثير على اراء جيل من السوسيولوجيين الذين كان ممثلوهم الرئيسيون دوركهايم وتونيز وزيميل وفيبر وباريتو.
ما القاسم المشترك الذي كان لديهم؟
من الناحية الايديولوجية، كان الشعور بالأزمة العميقة للمجتمع الرأسمالي والشعور بخيبة الأمل منه موجوداً عند كلٍ منهم(34). كانت أفكار تونيز عن تفكك الروابط المجتمعية Communal Ties وأفكار زيميل عن أزمة الثقافة، وأفكار دوركهايم عن العزلة والقلق، وأفكار الكاريزما والبيروقراطية عند فيبر، والأسس اللاعقلانية للسلوك الاجتماعية عند باريتو تعني دقاً لناقوس الخطر بشأن المشاكل الاجتماعية التي لم يروا اي وسيلة لحلها.
كان التوجه النموذجي نحو العلم والسعي نحو المنهجية، مشتركاً بينهم (الموضوعانية المنهجية عند دوركهايم والذي دعا الى فحص الحقائق الاجتماعية "كأشياء"، ومطلب فيبر في فصل العلم عن القِيَم، ومنهجية باريتو المنطقية التجريبية). وفي نفس الوقت، فهِمَ الكثير منهم أن استنساخ مناهج العلوم الطبيعية البسيط لم يكن كافياً لجعل السوسيولوجيا فرعاً مستقلاً للمعرفة.
شدد جميع سوسيولوجيي ذلك الجيل تقريباً على الحاجة الى تحرير السوسيولوجيا وطابعها التجريبي من الفلسفة. في الوقت نفسه، كانت المسائل الفلسفية الهامة مثل طبيعة الواقع الاجتماعي وعلاقة الفرد بالمجتمع والطبيعة الابستمولوجية للمعرفة الاجتماعية والتاريخية ومعايير حقيقة النظريات الاجتماعية والعلاقة بين العلم والتوقعات العالمية، وما الى ذلك، في بؤرة اهتمامهم. في تحديد الطابع الخاص للسوسيولوجيتا كعلم، لم تُعطى الاختلافات المنهجية أهميةً أقل، وأحياناً أهميةً أكثر من الاختلاف في موضوع البحث (تأثير مباشر للكانطية الجديدة).
أولى السوسيولوجيين الانتباه، عند النظر الى أزمة المجتمع الرأسمالي في المقام الأول كواحدة من قِيَم هذا النظام، لدراسة الأفكار المعيارية والايديولوجيا والثقافة وخاصةً الدين (سوسيولوجيا الدين عند دوركهايم وفيبر، نظرية باريتو في الايديولوجيا ومفهوم دوركهايم عن الأفكار الجماعية، الخ).
أخلت المقاربة التاريخية والتطورية للظاهرة، المكان، للمقاربة التحليلية البنيوية، وحاول انصار هذا الأخير ليس فقط توضيح وتكميل هياكلهم النظرية العامة ولكن ايضاً لدراستها وفحصها من خلال الدراسات التجريبية (دراسة دوركهايم في الانتحار، ومدرسته في الدراسات الاثنوغرافية، وعمل فيبر في دراسة الأديان المقارنة ودراسات تونيز التجريبية، وما الى ذلك).
وأخيراً، أصبحت المواجهة بين السوسيولوجيا البرجوازية والماركسية أوسع وأكثر حدةً.

1- نقد الاقتصاد السياسي، كارل ماركس، ترجمة دكتور راشد البراوي، دار النهضة العربية، 1969، ص105.
2- Jacob Burckhardt. Briefe (Dieterich‘schen Verlagsbuchhandlung, Leipzig, 1929), p 364
3- Friedrich Nietzsche. Der Wille zur Macht (Alfred Kröner Verlag, Stuttgart, 1959), p 50
this Book is Available in English: The Will to Power, Friedrich Nietzsche, Translated By wKaufmann and R. Hollingdale, Vintage Books, 1968
وبالعربية: ارادة القوة، فريدريك نيتشه، ترجمة محمد الناجي، افريقيا الشرق، 2011.
(أ)- الميتافيزيقيا هنا، بالمعنى الذي يطرحه الوضعيين والوضعيين الجدد. ان اي طرح فلسفي، او حل فلسفي له، هو قضية ميتافيزيقية بهذا المعنى. يستخدم الماركسيين مفهوم (الميتافيزيقيا) بطريقة مختلفة بالطبع، وبمعانٍ متعددة، منها، فيما يخص شكل التفكير: التفكير الميتافيزيقي عكس الدياليكتيكي.
4- H. Taine. Histoire de la littérature Anglaise, Vol. I (Hachette & Cie., Paris, 1873), p XLVI
5- Ibid., p X
6- H. Stuart Hughes. Consciousness and Society. The Reorientation of European Social Thought. 1890-1930 (Macgibbon & Kee, London, 1959), pp 37-38
7- Talcott Parsons. The Structure of Social Action (The Free Press, Glencoe, Ill., 1949)
8- See Wilhelm Dilthey. Einleitung in die Geisteswissenschaften. In: Gesammelte Schriften, Vol. 1 (third edition) (Verlag von Teubner, Leipzig, 1957), p XV
9- Ibid., p 36
10- Wilhelm Dilthey. Ideen über eine beschreibende und zergliedernde Psychologie. In: Gesammelte Schriften, Vol. 5 (Teubner Verlagsgesellschaft, Stuttgart, 1957), p 144
11- Wilhelm Dilthey. Einleitung in die Geisteswissenschaften, Op. cit., Vol. 1, pp 97, 112
12- Wilhelm Dilthey. Der aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften. In: Gesammelte Schriften, Vol. 7 (Teubner Verlagsgesellschaft, Stuttgart, 1958), pp 313, 314
13- Cited by I. S. Kon.Die Geschichtsphilosophie des 20 Jahrhunderts. Kritischer Abriss, Vol. 1 (Akademie-Verlag, Berlin, 1964), p 96
14- Ibid
15- T. F. Hoult. Dictionary of Modern Sociology (Littlefield, Adams & Co., Totowa, N.J., 1969), p 346
16- See Wilhelm Windelband. Präludien, Vol. 2 (Verlag von J.CB. Mohr, Tübingen, 1924), p 145
17- Ibid., p 155
18-See: Heinrich Rickert. Die Grenzen der naturwissenschaftlichen Begriffsbildung. Eine logische Einleitung in die historischen Wissenschaften (Verlag von J.C.B. Mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1929), p XV
19- Ibid.,p 305
20- 20 See: Heinrich Rickert. Zwei Wege der Erkenntnistheorie. Transscendentalpsychologie une Transscendentallogik (C. A. Kaemmerer & Co., Halle, 1909), p 37
21- See Heinrich Rickert. Kulturwissenschaft und Naturwissenschaft (Verlag von J.C.B. Mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1926), p 140
22- Ibid., p 32
23- G.V. Plekhanov. On Mr. H. Rickert‘s Book In: Selected Philosophical Works, Vol. 3 (Progress Publishers, Moscow, 1976), pp 481-86
24- Philip Abrams. The Origins of British Sociology: 1834-1914 (Univ. of Chicago Press, Chicago, 1968), p 147
25- Ibid. , p 130
26- Anthony Oberschall (Ed.). The Establishment of Empirical Sociology. Studies in Continuity. Discontinuity, and Institutionalization (Harper & Row, New York, 1972), pp 10-11
27- Ferdinand Tönnies. On Sociology: Pure, Applied, and Empirical. Selected Writings (Univ. of Chicago Press, Chicago, 1971), pp 24-25
28- Anthony Oberschall (Ed.). Op. cit., p 189
29- Ibid., p 219
30- Ibid.,, p 222
31- Ibid

ترجمة الفصل السابع من كتاب:
A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited By Prof I. S. Kon, Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979, Translated 1989, Progress Publisher








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض