الحوار المتمدن - موبايل


كورونا والإشتراكية الديموقراطية

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 6 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


ندرك أن الحياة مستمرة ، وأننا لابد أن نتعايش مع الفيروس، ونستأنف حياتنا ، ولكن ظلت هذه المقالة الثالثة ، كان يجب أن تخرج، لتشارك فى الإجابة على كثير من الأسئلة التى طرحتها الجائحة، من المسئول عنها، الرأسمالية المتوحشة، أم الديكتاتورية المتوحشة، وعن أهمية دور الدولة ، التى أبرزته الجائحة واضحاً ، وعن النظام الأمثل للمستقبل، وذلك فى ظرف مشابه لظرف الخمسينات من القرن الماضى ، ومع إندلاع الحرب الباردة، حين إحتار العالم بحثاً عن النظام الأمثل، بين الرأسمالية المتداعية، والشيوعية الصاعدة، بين الحرية بلا عدالة، وبين العدالة بلا حرية، لتطل الإشتراكية الديموقراطية ، ونظيرتها الديموقراطية الإشتراكية ، وتحسم أمرها ، بعد صراع طويل مع الأممية الشيوعية، وتجيب على هذه المعضلة التاريخية، بخيار جديد، أو بطريق ثالث ، جمع بين العدل والحرية نظرياً، وأثبت نجاحاً كبيراً عند التجربة عملياً ، إن هذا المشهد التاريخى يتكرر اليوم، مع زيادة موضوعية فى الهدف، فى البحث عن نموذج الدولة التى تجمع بين العدل والحرية، لكن أيضاً فى البحث عن الدولة القوية، التى يمكن أن تحمينا من أى جائحة مستقبلية، حيث أثبتت الأحداث عدم إمكانية الإستغناء عن دور الدولة بعد فى حياة البشرية، وحيث أطلت الإشتراكية الديموقراطية مرة أخرى، لتجيب على هذه المعضلة ، الأكبر حجماً، والتى تستحق تسمية الجائحة فعلاً.
كانت الإشتراكية الديموقراطية نتاجاً فكريا أوربياً ، رداً على الشيوعية الماركسية، سرعان ماأصبح تياراً دولياً، تماماً مثل الشيوعية ، وذلك فيما يخص حتمية ديكتاتورية الطبقة العاملة ، والتغيير الثورى، من أجل تحقيق الإشتركية والعدالة الإجتماعية ، حيث لم يكن الطرح الماركسى التقليدى مقبولاً تماماً للروح الأوربية، التى إعتادت الحرية أساساً للمجتمع والحياة ، منذ بواكير الحضارة الغربية فى العصر اليونانى الرومانى ، وكانا الألمانيان برنار لاسال 1825- 1864، وإدوارد برنشتاين 1850-1932، من أوائل روادها اللذين عبروا عن إمكانية تحقيق الإشتراكية ، من خلال التطور الطبيعى للوعى المجتمعى ، والإختيار الذاتى لأفراده، أى فى إطار ديموقراطى، من تداول السلطة، بدون ديكتاتورية ولاثورة، فى ذلك الصراع الفكرى العنيف ، الذى أعقب الأممية الشيوعية الماركسية الثانية سنة 1889، وإستمر بعد الأممية الشيوعية الرابعة والأخيرة سنة 1938م ، عندما أعلنت الإشتراكية الديموقراطية إنفصالها عن الأممية الشيوعية، وعقدت مؤتمرها الأممى الأول فى فرانكفورت سنة 1951م ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، برزت الأممية الإشتراكية ، كواحدة من أكبر الحركات السياسية العالمية فى التاريخ، شارك فيها أحزاب من جميع أنحاء العالم بلا إستثناء ،و تواصلت مؤتمراتها بلا توقف حتى مؤتمرها الأخير فى رام الله سنة 2019م، والتى عبرت فيه عن رفضها لخطة السلام الأمريكية ، المعروفة بإسم صفقة القرن.
وفى هذه المسيرة الطويلة حققت الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية، ونظيرتها الديموقراطية الإشتراكية، فى أوربا بشكل خاص، الموطن الأصلى للتجربة الإشتراكية ، كثيراً من النجاحات ، حيث إستطاعت تحقيق التعاون بين الرأسمال العام والخاص، والمصالحة بين الطبقات، والحفاظ على الديموقراطية والسلم الإجتماعى وتداول السلطة، وقادت مسيرة بناء الإتحاد الأوربى، وتأسيس دولة الرفاه الإسكندنافية، أو ماعرف بالنموذج النوردى، وشكلت تياراً سياسياً عالمىاً ، مناصراً لقضايا السلام والحرية ، حتى دار التاريخ دورة أخرى ، بظهور مارجريت تاتشر ورونالد ريجن على أعتاب الثمانينات ، بأوهام النيوليبرالية ، المبشرة برخاء أكبر ، ومعهما تيار الإسلام السياسى، المبشر بأوهام الخلافة الخرافية ، مما حول دفة التاريخ بإتجاه الأحزاب النيوليبرالية والشعبوية والدينية ، كما هو الحال اليوم فى فرنسا ماكرون ولوبان، وأمريكا دونالد ترامب وإنجلترا جونسون ، وتنظيمات داعش والقاعدة، وحزب الله والحشد الشعبى ، وماترتب على ذلك من إضطرابات إجتماعية، وصراعات دينية ، أرهقت الفرد ،وأرهقت الدولة ، كإنفجار السترات الصفراء فى فرنسا ، وأجزاء كثيرة من أوربا ، وإعتراض برنى ساندرز فى أمريكا ، وتصاعد إرهاب وبؤس الشرق الأوسط ، فى عالم بدا مرهقاً ، قلقاً ، مهتزاً فاقد البوصلة ، حين إجتاحه الفيروس المدمر، ليذكره بأن الإشتراكية الديموقراطية كانت ، ومازالت ، هى النظام الأمثل ، حيث العدل، والحرية، والدولة القوية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دول عربية تشجب الغارات الإسرائيلية على غزة ومنظمة التعاون ال


.. تواصل المظاهرات في عدة مدن حول العالم لدعم الفلسطينيين والمط


.. إثيوبيا.. الأصوات ترتفع رفضاً للأوضاع الإنسانية في تيغراي |




.. كيف تناولت الصحافة الإسرائيلية الحرب على قطاع غزة؟


.. تصعيد متواصل بين غزة وإسرائيل.. وسقوط مزيد من القتلى |#غرفة_