الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كتاب السلطان

سامي عبد العال

2020 / 6 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


ما أضيق حدود السياسة لدرجة التداخل قديماً وحتى الآن، وما أقربها من وسائل عنيفة للهيمنة على الشعوب. فالحروب هي الاختبار الوجودي لكل ما يحمله الإنسان من ذاكرة وتاريخ، يكون أو لا يكون، لكنه يقتفي آثار مآسيه ولا يتعلم منها. "كتاب السلطان" لآل عثمان يُشبه " كتاب الأمير" لمكيافيللي، بعدما ظهرت نوايا تركيا بشمال أفريقيا. وها هي النوايا قد تُرجمت إلى خطابات ثم سياسات ثم اتفاقيات ثم معارك التهمت غرب ليبيا وعينها على الشرق. وبينما يُعطي الأمير نصائح(محلية) حول السلطة وشن الحروب وتصفية الأعداء والمنافسين، جاء كتاب السلطان(دولياً وإقليمياً) لغزو الدول العربية واحياء الميراث التاريخي والتنقيب في نفايات الحروب والصراعات. كتاب الأمير بكل حمولته السياسية والتاريخية يمثل وصايا، في حين يتحول كتاب السلطان إلى خرائط للجثث والأشلاء وتقسيم الدول ونكأ جراح الفرقاء.

كتاب السلطان دليلٌ حربي للسطو على المجتمعات الإنسانية ونهب ثرواتها.... هكذا يعلنها صريحة: انهبوا ما شئتم واحتلوا ما وطئت أقدامُكم، وتوغلوا طالما تتمكنون من حرق المحطات، ثم اكذبوا ما عَنَّ لكم من الكذب، وراوغوا بقدر ما يسعفكُم حين يُضيّقُ عليكم الخناق. غلِّفوا أفعالكم بالنوايا الحسنة والعبارات الاسلامية والزود عن حياض الخلافة، قولوا إنكم تمارسون جهاداً لصالح الاسلام والمسلمين. وإذا سألكم لصٌ إقليمي أو عولمي قوي، أخبروه ثم اخبروه: سنعطيك ما تود وسيكون لك نصيباً من الغنائم كي يصمت ويتواطأ.

كتاب السلطان مخطوط عثماني غابر طُبق في سوريا والعراق وأخيراً بصدد ليبيا، الخريطة تتسع للمزيد. العالم العربي كأحجار على رقعة الشطرنح تتهاوى الواحدة وراء الأخرى إذا بدأت السلسلة يسقط الجميع. يردد الكِتاب بشكل عملي: يجب القفز رأساً إلى أرض المعارك واهتبال الفرص لإجتياح القرى والمدن دفعاً باتجاه مصالح تركيا. كانت صفحاته السابقة مسطورة حول تاريخ الدولة العثمانية الناهبة لثروات الأرض والسماء في المجتمعات العربية بعباءة الخلافة العلية. وكلمات المخطُوط تُولِّد الكائنات السياسية المشوهة والجنود والأوهام كما يُخرج الساحر الطيور والأرانب من قبعته. ومن سخرية الأحداث أن جاء الإخوان وتابعوهم من نفس القبعة، هم الدماء السائلة عبر عروق تركيا وشرايينها، الدماء التي تُضّخ يومياً بواسطة الجماعات الإرهابية على أكتاف الأموال والعتاد القطري.

المخطُوط العثماني(كالمخطوطات والوثائق التراثية العربية التي نهبتها اسطنبول قديماً) يقول كذلك إنَّ جغرافيا ليبيا( كل ليبيا) فريسة مؤقتة للتحرش بمصر في عقر دارها إنْ لم يكن اجتياح مصر. وبعد معارك طرابلس، خُيل للسلطان أن الهدف بات قاب قوسين أو أدنى، فتطلع إلى سرت. الأمر جد خطير بالنسبة للوجود المصري ما لم تدرك نقطة بعيدة تتجاوز حدود ليبيا، فليس الوضع مُزحةً سياسيةً نتيجة أضغاث أحلام. الأمن المصري لا ينتهي عند أسوار طرابلس( يجب ألاَّ يكون هكذا)، بل يمتد غرباً إلى سواحل المحيط الأطلنطي بعد المغرب وموريتانيا. المخطُوط العثماني خريطة يرسمها سلاح الاسلام السياسي الذي دمر مدن ليبيا قطعةً قطعةً دون أبعاد إنسانية.

ليس خارج المشهد صمت الدول الكبرى عما يحدث الآن من توغل قوات السلطان في الأراضي الليبية. الحلقات تجرُ بعضها البعض، المدن تسقط دون مقاومة، وهذه تكاد تكون سمة ليبية واضحة: أنَّ قوى الصراع تأتي من الجنوب( الجيش الليبي) لتسقط مدينة وراء أخرى (وقد تنجح أو تتحطم في طرابلس)، ثم سرعان ما تصعد( ذات القوى أو منافستها) إلى الساحل بالطريقة عينها واصلة إلى البداية مرة ثانية ... وهكذا دواليك في دورات عبثية، تماماً كما حدث مع سقوط المدن الليبية 2011 بعد مرور قوات الشرق التي قادها حلف الناتو آنذاك من الجنوب إلى الشمال مروراً بالعاصمة.

جرى ذلك الآن بعد أن نكص الجيش الليبي على عقبيه نتيجة الكذب المتواصل حول الأحداث. الكارثة في ليبيا هو الكذب من الطرفين( ميليشيات الاتفاق وتركيا والإخوان) و(بقايا الجيش الليبي)، الاثنان يكذبان بصدد المكاسب والخسائر واحتلال المواقع والمدن ولا يتركان أية بقية من كذب حتى يستفيقوا على الكوارث. وهذا شيء واضح جداً، لأن المساحة الضخمة للدولة تجعل الطرفين يشغلا الصورة بالأوهام وراء الأوهام. ولم ينقصها سوى أوهام السلطان العثماني لتمرر الاحتلال التركي الجديد. كل ذلك والعائلات الليبية تعاني مُر المعاناة من قطع الطرق والغذاء والماء وسقوط القذائف على المدن والقبائل الآمنة. الدولة الليبية تمزقت تحت مآرب الطرفين، لم يكن من هدف إلا السيطرة على مصدر الأموال ومواقع إنتاج النفط.

أولاً: توارى كتاب السلطان ردحاً من الزمان عن الأنظار بفضل بعض اليقظة التي كانت تهب على المجتمعات العربية من وقت لآخر، ونتيجة تقلبات السلطان العثماني نفسه ومواقفه المنحازة لصالح ربيع الاسلاميين. مما نزع أقنعته الماكرة التي تظهر عند اللزوم وانكشف شر انكشاف أمام العرب. ولكن لأنه كتاب يقوم على الحروب والصراعات فقد وجد في الجماعات الإسلامية أحباراً جديدة تكتب بها الغزوات وعمليات التصفية للمجتمعات والثقافات الفرعية.

ثانياً: شعار كتاب السلطان احياء صورة الخلافة بأشكال أخرى، شعار مكتوب بحبر سري وراء التراب والغبار جراء المشاريع الإقليمية والدولية بالمنطقة. ولذلك من قبيل الأوهام- كل الأوهام- التفاوض مع السلطان أردوغان بناء على أية قواعد أخرى. لقد احتفل في وقت قريب بالنصر في ليبيا على حد قوله وقول رئيس حكومة الوفاق، نتيجة إخراج قواته ومرتزقته وإرهابييه لبقايا الجيش الليبي من العاصمة. يحتفل باعادة صورته القديمة إلى حيز الخدمة السياسية الإقليمية. لا يعنيه الدولة الليبية ولا مجتمعها، المهم هو الاستيلاء على الكنز الليبي الذي يترامى من حدود مصر إلى الجزائر بلا صاحب!!

ثالثاً: لن يرجع السلطان عما انتواه من الوصول إلى الشرق الليبي. هناك من يقول إنّ قوات الوفاق ستكتفي بمدينة سرت كنقطة توازن بينها وبين الجيش الليبي، لكن هذا أمر غير محتمل، ولئن حدث فذلك توطئة للمواصلة نحو الآبار النفطية. وبخاصة أن قوات الوفاق ليست وحدها بل هناك إرهابيون ومرتزقة وكتاب السلطان وفواتير قطر القديمة. وهي فواتير عسكرية تحتاج سنوات لتسديد قيمتها. فقطر انفقت على ثوار ليبيا ومصر ما يفوق المائتي مليار دولار وتريد استعادتها. لقد قيل إن (النفط والإعمار والأمن) مازال تحت تصرف الخادم القطري، وأنه لن يسمح – ولو بالدماء – بالتنازل عن الملفات الثلاثة.

رابعاً: أملى كتاب السلطان على أردوغان أن تُنهب فرص الاستثمار في البترول وابرام العقود من الآن دون أن تخلو ساحة ليبيا له ودون إزاحة الخصم الشرقي من الطريق. والأنكى أن السلطان لم يدرك كون المواقع التي سيستثمر فيها داخلةً في عقود سابقة أبرمتها فرنسا وانجلترا وأمريكا. يبدو أنه إن لم يستطع اخذ موقع في هذه العقود، سيعمل خفير درك للآبار الغربية في ليبيا، حتى تكون له أهمية آنية والبحث لاحقاً عن بعض الإتاوات. ويرتبط بذلك اعلان أردوغان عن تنقيبه في المياه الإقليمية الليبية عن الغاز والبترول.

خامساً: يستهدف كتاب السلطان مصر، مصر كقوة رمزية منذ حروب الدولة العثمانية ومنذ أن جاءها أحد جنود الحملة العثمانية اسمه محمد على وطرد العثمانيين أنفسهم من مصر، بل هزمهم شر هزيمة بالحجاز والشام حتى أدخلهم جحور الأناضول. وحوَّل مركز الثقل التاريخي من الأستانة إلى القاهرة، وجعل الباب العالي وطيئاً دون قيمة إلا لديدان الطوائف والجماعات المتمردة. حيث فهمت رسالة محمد على، فأخذت تتكاثر داخل جثة الدولة العثمانية وتأكل أحشاءها.

سادساً: لن يكون لدى حكومة الغرب الليبية أي قرار مستقل ولا للمجتمع بالطبع، فقد عمَّق الاحتلال التركي المشاكل وانتهك تقاليد قبائل ترهونة وبني وليد وأطراف طرابلس. ومن المتوقع بعد التوغل أنْ يحيي نعرات طائفة التُرك ويبحث عن تصعيد العائلات العثمانية التي ذابت في نسيج القبائل. نفس اللعبة التي كان يمارسها أي استعمار، حين يريد تقطيع اللُحمة الاجتماعية والإنسانية وتغليب الموالين.

سابعاً: من الآن فصاعداً يجب على (مصر) ألاَّ تغفل عن كل حبة رمل في ليبيا، فربما يلونها السلطان بألوان الخداع القادم. فهو يريد الوصول إلى تلك المرحلة سواء قريباً أم بعيداً. السلطان لم ينس فشل تجربة الإخوان بمصر، ويريد استعادتها بأي ثمن. لقد تم جرح كبرياء الدولة العثمانية في شخص تنظيم إقليمي ودولى، وبخاصة أن الإخوان كان حصان طروادة للهيمنة على مصر واستعادة آثار الأجداد. تماماً كما فعل هنري برنارد ليفي عرَّاب الربيع العربي، لقد نوه في مذكراته بمدى أريحيته عندما دخل طرابلس 2011 آتياً من بنغازي، حيث أخذ ينظر إلى آثار أقدامه باعتبارها آثار أجداده اليهود الذين مشوا بالساحل الأفريقي بين ليبيا والجزائر!!

ثامناً: لو استمر نفوذ السلطان العثماني بليبيا ستكون أراضيها ساحة للجهاد المتخيل في المستقبل. مما يعني تدفق الجهاديين من أصقاع العالم كيوم القيامة، سيأتون بآمال الخلافة كلُّ بطريقته الخاصةِ. ولأن المعارك هي التي ستحدد ما يجري، فالكل سيكون له المآرب نفسها طالما لم تُحسم الأوضاع ولم تنفرز الأحداث بوضوح. وليس مستغرباً إعلان النفير وحشد الحشود من الجماعات الاسلامية- زاعمين كما قال الإخوان- فتح مصر من الغرب هذه المرة بعدما تم فتحها من الشرق سابقاً.

تاسعاً: تم اجهاض التدخل الروسي منذ نشوب الأحداث الأخيرة، ربما لكونها قد تخلت عن ليبيا منذ 2011، كما أن أمريكا لديها مصالح في ليبيا وكذا فرنسا على الأرض، فضلاً عن أن الليبيين لم يأملوا كثيراً من روسيا حين خذلتهم بالسابق. وإذا كانت روسيا تضع ليبيا على مقاس سوريا، فقد يحدث ذلك، ولكن ليس بنفس القوة والقوى معاً. فالمضاد الحربي للأعداء (روسيا تجاه تركيا) قد يكرر الأوضاع في ليبيا، لكن بقدر يورط المنطقة في صراع لن ينتهي قريباً، فالإسلاميون موجودون والمبررات واحدة في سوريا وليبيا غير أن الوقود ليس واحداً.

عاشراً: يبدو أنَّ حسم الصراع بطرق سلميةٍ سيكون بعيداً، نظراً لجذوره التاريخية الممتدة وكذلك بسبب تدخل أطراف إقليمية ودولية في الصورة، فكل منها يبحث عن الغنائم والتواجد على الأرض. ولو تم المسار السلمي تحت ضغوط دولية، سينقلب في النهاية إلى صراع بأدوات أخرى. لأن القبائل أضيرت كثيراً وتمزقت أوصالها، كما أن القوى الدولية ستساوم بعضها البعض على حساب الليبيين. وهو ما سيجعل المَشاهد التي يُفترض سلميتها مناورات وتمارين لإشعال صراع قادم .... يجب أن يقضي أحد الأطراف على الآخر قضاء مبرماً أو تتدخل قوة كبرى لتجميد الصراع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقال ممتاز
ثروت ( 2020 / 6 / 10 - 18:03 )

أشكرك استاذ سامي عبدالعال
الكتاب اصبح كتاباً أسود تبنى الارهاب والدمار

اخر الافلام

.. أصالة بشكل جديد وبيلا حديد في عرض جريء.. إليكم الأبرز في أسب


.. يرمونها طمعا بالحب أوالطلاق.. أين تذهب أموال نافورة روما؟ #


.. لفتة إنسانية.. شاهد ما فعله هذا الطفل مع الكلب الجريح




.. للقصة بقية - مسلمو الهند.. تهميش وتضييق واعتداءات


.. أخبار الساعة | منظمو المباراة والشرطة متهمون في كارثة ملعب إ