الحوار المتمدن - موبايل


روافد النضال الطبقي ضد الرأسمالية

سعيد مضيه

2020 / 6 / 14
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


سراب الحرية في النظام الرأسمالي-3
انكشاف التمييز العنصري ضد السود بالولايات المتحدة وبروزه على سطح الحياة السياسية الدولية عملا على تعرية تمييز أشد وطأة يتمثل في الاضطهاد الاقتصادي. فاضت موجات الصراع ضد التمييز العنصري لتتشابك مع نضالات ضد مختلف النضالات التي تخوضها شعوب القارات ضد المخاطر والكوارث المتسببة عن نشاط الرأسمال على الصعيد الدولي. صراع ضد سياسات الإفقار والتجهيل وتلويث القيم الإنسانية ، وصراع ضد التلوث البيئي تقوده جماهير الشعوب الأصلية في البلدان المبتلاة بهجرات الأوروبيين الكولونيالية الاستيطانية، وصراع ضد نظام الأبارتهايد الفاشر في إسرائيل. وكما ورد في الحلقة الأولى مد السود في أميركا الأيدي الى الفلسطينيين يدعونهم الى النضال المشترك ضد العدو الموحد - الصهيونية والليبرالية الجديدة.كل هذا وغيره تجاهلته كلية الميديا الأميركية؛ فهي ليست فقط متحيزة بل تشكل جزء من الواحد بالمائة ، مالكة الاقتصاد والسلطة السياسية والمهيمنة على العقول.
ان التداخل بين ازمة التراكم وأزمة التلوث البيئي وإضرابات العمل ، وكذلك الحملات عبر الإنترنت قد أوصلت الاحتجاجات العمالية الى مستوى لم تشهده منذ عقود خلت. وبرزت هذه النضالات إثر حملات بيرني ساندرز بالولايات المتحدة. ساندرز ليس اشتراكيا كما تزعم الميديا، إنما يتوجه نحو التخفيف من جرائم الرأسمال. في هذا المجال تبرز نقطتان بصدد دعوة ساندرز: أولاهما انها قد تتمخض عن جهد للرجوع الى سياسات النيو ديل، نهج سياسي طبقه الرئيس الأميركي روزفيلت في ثلاثينات القرن الفائت محوره مشاركة الدولة مباشرة في النشاط الاقتصادي لتوفير أعمال للعاطلين عن العمل ، وذلك بموجب نظرية الاقتصادي البريطاني كينزي؛ والثانية مخاطبة الحملة لإنصاف السود جماهير المهاجرين من اميركا الجنوبية ( اللاتينو) والشباب السود بوجه عام تشير الى ظاهرة إعادة الاندماج بين الأعراق ضمن الطبقة العاملة بالولايات المتحدة من شانها ان تشن النضال الطبقي بصورة أكثر جذرية. وهذا ما تجلى في المظاهرات التي أعقبت اغتيال جورج فلويد.
"منذ عهد العبودية والنهب الاقتصادي الضاري والقضية المركزية تكمن في اضطهاد الأميركيين من اصول إفريقية . ورغم هذه الحقيقة – وبسببها – فإن بنية السلطة القائم والميديا المسيطرة التابعة لها تبدي الحرص على فصل التمييز العرقي عن العدالة الاقتصادية. ولكن ماذا عن القسوة الاقتصادية؟" تساءل نورمان سولومون، رئيس منظمة النزاهة والحقيقة في الميديا ، في تقرير نشره في 12 حزيران، اورد فيه ان التغطية الإخبارية بعيدة عن التغطية الشاملة لموضوع العنصرية في نظام " العدالة الإجرامية". وفتح الأسبوعان الأخيران قدرا كبيرا من حيز الميديا لإلقاء الأضواء على القسوة العنصرية. ولتأكيد ما كتبته رشيدة طليب ، عضو الكونغرس،على موقعها في تويتر قبل أيام " ان ما نعنيه ان الناس تموت وعلينا الاستثمار في ما ينفع الحياة"، أورد مثالا على ذلك أن بلدية ديترويت أنفقت في العام الفائت مبلغ 294 مليون دولار على الشرطة ، ولم تنفق على الصحة سوى تسعة ملايين. يموت أعداد ضخمة جراء حرب دافعها اللهاث خلف الأرباح من تجارة السلاح. مسار الميديا ضرب صفحا عن ان الأثرياء البيض يكسبون ثروات أكثر والشركات الكبرى تحصد مزيدا من الأرباح على حساب الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى. الميديا في العادة تتجنب الحديث عن الاضطهاد الاقتصادي المخفي- وتحيله امرا عاديا حتى يبدو طبيعيا. ولكن يتبين من المجالس البلدية وهيئات التشريع وكواليس السلطة في واشنطون أن اولويات الإنفاق تقررها الى حد كبير عتلات الشركات الكبرى والأثرياء الذين يودون حماية مصالحهم المالية.
في بريطانيا تقصير حكومة المحافظين وعدم كفاءتها مسئول عن وقاة 40000 بريطاني من بين ال 000 62 وفاة كما ورد في مقال كتبه باتريك كوكبيرن؛ كان بالامكان لو توفرت المسئولية السياسية لدى الحكومة إنقاذ الأربعين الف ضحية لوباء كورونا . أضاف كوكبيرن إثر تقصي حال الثروة في الولايات المتحدة وجدت دلائل صارخة على فروق عرقية مذهلة. فقد أفاد معهد بروكينغز هذا العام أن الأرقام الأخيرة تفيد أن صافي دخل الأسرة من البيض يعادل عشرة أضعاف تقريبا دخل الأسرة من السود.غير أن الإعلام يظهر الحالة على ان السود ضحايا الحظ التعيس، أو فشل الأفراد ، وليسوا ضحايا نظام اللهاث خلف الأرباح. ويندر ان تنقب الميديا الأميركية، وهي تغطي عنف الشرطة، عن العنف الاقتصادي ل " المشروع الحر"، ذلك الذي يتسبب في وفيات عدة. الاضطهاد الاقتصادي يغيّب عن الرأي العام في الولايات المتحدة، أو يورد كأمر عادي وحالة طبيعية، ويشاع بصورة روتينية ان الحكومة ليس لديها الموارد، وعاجزة عن النهوض بالأعباء.
"ان خصخصة الخدمات الاجتماعية تمت بهدف تخفيض مستويات الحياة لدى الطبقة العاملة وفتح قنوات جديدة للأرباح. والليبرالية الجديدة هي الدمغة العامة للهجوم المضاد الذي شنته الرأسمالية". هذا ما اثبته الكاتب مونتي نيل في مقالته المنشورة يوم 12 حزيران 2020 ، تحت عنوان "كوفيد 19 وأزمات الرأسمالية والمقاومة الطبقية". اضاف الكاتب أن الليبرالية الجديدة مرحلة شهدت هجمات عنيفة ضد الشغيلة، وهدفها الاستراتيجي إنهاء اقتصاد "النيو ديل " مضافا اليها سياسة تقشف مقرونة بهجمات لتخفيض الأجور والاستفادة من التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط من أجل تخفيض القيمة الحقيقية للأجور وبرامج التكييف الاقتصادي التي فرضها صندوق النقد الدولي على نطاق المعمورة لتحويل التحرر الوطني الى كولونيالية جديدة.
ترتبط مقاومة السود بمقاومة جماهير الملونين وبالعمال البيض في معارضة الراٍسمالية العنصرية. ويشغل السود القيادة في هذا النضال ، كما تقدم الشعوب الأصلية قيادة النضال دفاعا عن البيئة، والنساء تشغل في كل مكان مركز القيادة ، تعارض بذلك التوجه (البطريركي) الأبوي الذي بات سمة جوهرية في الرأسمالية المعاصرة.
"السود الأميركيون هم الأعلى في الولايات المتحدة من حيث نسب الديون ، وهم الأكثر خسارة في ظروف الأزمة. من المهم للغاية التخلص من هذا التمييز الاقتصادي؛ لأن بقاءه إهانة لإنسانية البشر" ، حسب تقديرات فيجاي براشاد، المؤرخ الأميركي من أصل هندي، مضيفا "قسوة وضراوة نهب الأوروبيين للشعوب الملونة" في مقال مكرس لتبرير الإطاحة بالنصب التذكارية للعنصريين وتجار العبيد. عنوان المقال "اطيحوا بتماثيل العنصريين"، وقال إن الإطاحة بالتماثيل شيء وإلغاء الديون شيء مختلف. وما نحن مضطرون اليه اكثر هو التخلص من سوابق أوصلتنا الى ما نحن عليه. إزاحة تمثال كولستون هام؛ لكن خلف مثال التمثال، جرت وقائع اليمة. في العام 1833 أقر البرلمان البريطاني قانون إلغاء العبودية؛ ووعد بالتعويض على مالكي العبيد السابقين دون أن يعوض على البشر ضحايا العبودية. دفعت الخزينة البريطانية لمالكي العبيد ونسلهم 17 تريليون استرليني خلال الحقبة 1835-2015. وقد سبق الفرنسيون البريطانيين في هذا التمييز.استقلت هاييتي من النفوذ الفرنسي وأرسل الفرنسيون بوارجهم الحربية عام 1825 مطالبين بتعويضات فقدان عبيدهم. ومابين عامي 1825 و1947 دفعت هاييتي لفرنسا 21 بليون دولار ثمن تحرير شعب هاييتي. في تلك الحقبة توجب على هاييتي وجامايكا ان تستقرض الأموال من حكومات اوروبا وبنوكها ، كي تنفق على بقائها، وكبدتها القروض مصاعب جمة بسبب الأزمات الاقتصادية التي واجهتها، بما في ذلك نكبات طبيعية وانقلابات عسكرية أوحت بها الولايات المتحدة الأميركية. عرض تاريخي للنهب القرصني جوهر العلاقة بين بلدان اوروبا والشعوب الملونة.
السمة المميزة للعقود الأخيرة عزوف الرأسمال العالمي عن الاستثمار في الإنتاج نظرا لانخفاض معدلات الأرباح مع إدخال التقاني الجديدة في الإنتاج ، فارتفعت قيم الرأسمال الثابت وانخفضت قيم الرأسمال المتحرك التي تجني القيمة الزائدة للرأسمال. بدافع الشهوة للأرباح الاحتكارية تحول أغلبية الماليين الى الاستثمار في المضاربات وتقديم الديون وأساليب أخرى لتحصيل أقصى الأرباح الاحتكارية. حسب الاحصاءات أورد براشاد ان الشعوب في البلدان النامية تواجه تبعات ديون تقدر ب11 تريليون دولار وخدماتها السنوية تقدر ب 9‘3 تريليون دولار؛ هذا بالإضافة الى مبالغ مماثلة دفعت خدمات الديون خلال العقود الأخيرة. نقل عن فرانز فانون في كتابه "المعذبون في الأرض" ان ‘ الكولنيالية والامبريالية لم تصف ديونها لنا حين انسحبت من مستعمراتها . فثروات الدول الامبريالية هي ثرواتنا ، واوروبا هي من صنع العالم الثالث’. علق براشاد على هذا القول ،"اطيحوا بالتماثيل ، وعلاوة على هذا ألغوا الديون وقدموا تعويضات قرون من السرقة والوحشية للشعوب المستعمرة سابقا".
ولكي لا تنهض الشعوب للمقاومة، ومن ثم تستقيم الأمور للراسماليين أقحمت الليبرالية الجديدة على الثقافة رسالة تدمير إنسانية البشر؛ وهذا ما كشف عنه البروفيسور غيروكس، جزءاً من جوهر الاستغلال الرأسمالي في المرحلة الراهنة: " ابتكرت الرأسمالية الأميركية والبريطانية الليبرالية الجديدة وعممتها على العالم بأسره . وفي إطار الليبرالية الجديدة، ابتُكِر، كما استنتج غيروكس، آلية " ثلم الخيال"، أي تعطيل الخيال والحلم لدى البشر. والآلية مركب من أجهزة ثقافية تمتد من المدرسة والميديا المتنفذة حتى الثقافة الساذجة وأجهزة الدعاية العاملة بصورة رئيسة لتقويض قدرة الأفراد على التفكير النقدي وتعطيل المخيال المبدع وكذلك الانخراط في الحوارات العقلية النقدية. في هذا النظام السياسي لا يتهدد الخطر قيم الديمقراطية والحماية الاجتماعية وحسب ، بل كذلك الثقافات المدنية التي تجعل من تلك القيم والحمائيات مركز الحياة الديمقراطية. يستعير غيروكس ، المبدع في مجالي التربية والثقافة النقديتين، من نوعام تشومسكي وهو يقارب نفس القضية، راصدا مساع تبذلها صناعة علاقات عامة ضخمة مع مختلف الأجهزة الرئيسة للثقافة من شانها " تقويض الديمقراطية من خلال محاولة دفع الجهلاء للإقدام على خيارات غير عقلانية". حقا فهذا ما أورده تقرير أصدرته مؤخرا حركة نشطاء مالكولم إكس تحت عنوان "عاصفة الغيتو العملياتية" فقد قام " ضباط الشرطة والحرس الأمني والمتطوعون القضائيون بقتل ما لا يقل عن 313 أميركي من أصل إفريقي في العام 2012؛ أي قتل فرد اسود على أيدي قوات الأمن كل 28 ساعة".
النضال يعني الشروع ببناء المستقبل في الحاضر، وتخيل مجتمع ما بعد الأبارتهايد وما بعد الصهيونية. الشعب الاميركي بجميع ألوانه في حالة نهوض ضد فساد النظام السياسي في بلاده؛ وعلى نطاق واسع يجري تناقل تصريح الرئيس الأسبق كارتر،إذ قال عام 2015، أن " الولايات المتحدة طغم مالية ترشو السياسيين بلا حدود، وبالرشى يتقرر من هو المعين للرئاسة او من سينتخب رئيسا. ونفس الأمر ينطبق على حكومات الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ... بحيث بتنا نرى نظامنا السياسي خربا ، نظام شراء من يقررون السياسات".
في الداخل الأميركي يركز الفاشيون من المحافظين الجدد على حركة "حياة السود تهم" برزت الحركة متحدية قتل السود العشوائي بسلاح الشرطة. ألقت الحركة الضوء على كامل تاريخ أميركا المحجوب. والجيل الذي أسس "حياة السود تهم" تعلم عبر عقود من الدراسة عن نشأة عنصرية "تطبيق القانون" عبر الاستعباد واصطياد العبيد، ووحشية التراكم الأولي لرأس المال في الولايات المتحدة. سمحت حركة "حياة السود تهم" للشباب بالتعرف على ماركس، الذي قال صراحة إنه لولا سرقة الثروة عبر إرغام السود على العمل، والإبادة الجماعية للشعوب الأصلية وسرقة أراضيهم ومواردهم فإن العالم الحديث يتعذر إنتاجه. تتحدى الحركة السردية الكاذبة لتاريخ الولايات المتحدة حول مسألتي العبودية والإبادة الجماعية، تتحدى الصرح الرجعي للأكاذيب التي ازدهرت منذ رئاسة ريغان، عندما بدأت بنشر نصوص مدرسية قديمة احياها المحافظون الجدد، إذ شرعوا يضيقون الخناق على الحريات العامة ، معيدين إنتاج أيديولوجيا يمينية تدمج الدولة مع مصالح الرأسمال وتقحم الرأسمال السياسي في الانتخابات. أدرك السود في حركتهم تلقي شرطة أميركا الدروس والخبرات والمعدات الاستخبارية من البوليس الإسرائيلي ، فمدت أيدي التضامن والنضال المشترك لحركة الشعب الفلسطيني التحرري
وفي الشرق الأوسط يصب فريق ترمب الغضب على أعداء إسرائيل. يرصد ميكو بيلد ، ابن الجنرال الذي اعتزل مؤسسة الحكم بعد حرب حزيران ان ميديا إسرائيل وقيادتها تدق طبول الحرب ضد سوريا وإيران. قال ان إسرائيل دولة غير شرعية وطالب إطلاق اسم فلسطين على المنطقة ما بين النهر والبحر.
حقا فمالكو التجمع الصناعي العسكري - الأمني وشركات النفط والمقاولات والبنوك يقدمون النسبة الأعظم من المال السياسي، وضحاياهم ليس السود الأميركيين وحدهم. حيوات الفلسطينيين ذات أهمية ، حيوات السود ذات أهمية، كل الحيوات ذات أهمية. يجب ان يقتنع الجميع بهذا؛ الأهم هو النضال .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحراك الشعبي في الجزائر: هل فشلت سياسة -اليد الممدودة- للسل


.. غالي يفضح الابرتايد الصحي.. بسبب الجشع هذه لقاحات الفقراء ول


.. اضاءات علمانية - بمناسبة يوم المرأة العالمي حوار مع اطياف عز




.. المرصد - اليمين المتطرف وجرائم الإرهاب العنصري


.. إن لم يعجبك الفلم.. امنعه