الحوار المتمدن - موبايل


نظرة في ثلاثية الدين والقومية والوطنية

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 6 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


يرتبط الإنسان بروابط مختلفة , منها ما يتعلق ببيئته ومجتمعه ووطنه , ومنها ما يتعلق بدينه وفكره ومعتقده , وغيرذلك . وبصرف النظر عن ما هية هذه الروابط , فجميعها ينبغي أن تغذي نوازع الخير لدى الإنسان , وأن لا تتقاطع هذه الروابط مع بعضها , والأهم من كل ذلك أن لا تلحق الأذى به وبمجتمعه ووطنه , وأن لا تكون أداة للشر والعدوان . لا يتختلف إثنان أن الرابط العائلي يعد أول هذه الروابط الذي يمثل إنتماء الإنسان الأول وإنتسابه لعائلته , ومنها يكتسب كنيته وتحديد مكانته في مجتمعه, بعدها ينتقل إلى فضاء الوطن الأوسع الذي يكسبه إنتمائه الوطني , حيث يجد في هذا الفضاء الرحب جماعات بشرية مختلفة , بعضها يتحدث بلغته وبعضها قد يتحدث بلغات أخرى مختلفة , ولكنها جميعها تعيش في كنف هذا الوطن وتقاسمه الحياة فيه بحلوها ومرها, وفي هذا الفضاء يدرك إختلافه القومي الذي يحدد إنتمائه القومي وسط ربما أكثر من قومية , لكل منها سماتها ومقوماتها. فالعراق مثلا يضم قوميات وأثنيات متعددة, أبرزها القومية العربية التي ينتمي إليها غالبية سكان العراق بنسبة أكثر من ( 80% ) من إجمالي سكان العراق, تليها القومية الكردية التي تشكل نحو نسبة ( 14%) من إجمالي سكان العراق , غالبيتهم في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وبعض مدن محافافظات نينوى وكركوك وديالى , تليها القومية التركمانية بنسبة (2%) من إجمالي سكان العراق, غالبيتهم في محافظة كركوك , وهناك أقليات قومية أخرى بنسب قليلة .
يرى البعض أن الإنتماء القومي يجب أن يسمو على الإنتماء الوطني , وقد شكلت أحزاب قومية وفق هذه النظرة الأحادية الجانب , فالأحزاب القومية العربية بتصنيفاتها المختلفة مثلا كان شغلها الشاغل منذ تأسيس دولة العراق الحديثة وحتى يومنا هذا تحقيق الوحدة العربية , من منطلق أن البلاد العربية الممتدة من الخليج العربي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا , إنما هي دولة واحدة مزقتها الدول الإستعمارية المتمثلة يومذاك ببريطانيا وفرنسا وإلى حد ما إيطاليا في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام 1914 وهزيمة الإمبراطورية العثمانية المحتلة للبلاد العربية بمجملها قرون عدة.
وهنا نقول بعيدا عن العواطف وفي ضوء الواقعية السياسية , أن التاريخ لم يشهد قيام دولة عربية موحدة على أساس الهوية القومية العربية إطلاقا , بل كانت هناك إمبراطوريات إسلامية ضمت هذه البلدان وبلدان أخرى غير عربية تحت راية الدين الإسلامي , بدءا بالخلافة الراشدية وبعدها الخلافة الأموية ومن ثمة الخلافة العباسية, والتي كان حكامها جميعهم من العرب , أتخذوا من المدينة المنورة والكوفة ودمشق وبغداد عواصم لحكمهم , وآخرها الخلافة العثمانية التركية التي إتخذت من القسطنطينية ( إسطنبول ) حاليا عاصمة لها, وهناك الخلافة الفاطمية التي حكمت دول شمال أفريقيا وإتخذت من القاهرة عاصمة لها. الصحيح هنا القول أنه كانت هناك إمبراطوريات إسلامية حكمت هذه البلدان بإسم الإسلام. ولأن الإسلام جاء بلغة العرب , لذا كانت اللغة العربية لغة القرآن الكريم هي اللغة السائدة في هذه البلدان , وكثرت المصاهرة بين سكان هذه المناطق والجماعات الوافدة إليها من الجزيرة العربية لتندمج جميعها في إطار ثقافة عربية إسلامية .
لم يكن لهذه البلدان قبل الإسلام تاريخ حضاري مشترك , ففي العراق مثلا قامت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور , وجميعها حضارات عراقية أصيلة لا علاقة لها بسكان البلدان الأخرى , وكذا حال مصر التي قامت فيها الحضارة الفرعونية الخاصة بمصر دون سواها , وهكذا الحال في البلدان الأخرى التي قامت فيها حضاراتها العظيمة الخاصة بها. كان الكثير من أدباء مصر ومفكريها ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور طه حسن الذي يلقب بعميد الأدب العربي , والذي تولى منصب وزير التربية في مصر الملكية لمدة معينة , يؤكدون فرعونية مصر وليس عروبتها . وجدير بالذكر هنا أنه لم يرد نص في الدستور المصري لتأكيد عروبة مصر , إلاّ في وقت متأخر في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم زمن حكم الرئيس جمال عبد الناصر.
وعلى أية حال لا نرى أن هناك ما يمنع وحدة البلدان العربية , ليس من منطلق معطيات تاريخية , بل من منطلق وجود مشتركات واقعية وعملية عديدة , أبرزها وحدة اللغة وتشابه التراث والعادات الإجتماعية وتكامل المصالح الإقتصادية , والإمتداد الجغرافي الطبيعي حيث لا توجد حواجز طبيعية بينها تمنع التواصل فيما بينها . والأهم من كل ذلك الرغبة بالعيش المشترك في إطار دولة عربية قوية مهيوبة الجانب ينعم الجميع بخيراتها . ولا نعتقد أن ذلك بالأمر الهين اليسير في ضوء التباين الواضح بين هذه الدول في توزيع الثروات والكثافة السكانية , وإختلاف مستوياتها الثقافية والحضارية , وتجذر الروح الوطنية المحلية , وتشابك المصالح الدولية التي يرى بعضها أن في وحدة هذه البلدان تهديدا لمصالحها .
كان الشريف حسين أمير مكة المكرمة أول من سعى لتأسيس دولة عربية موحدة في التاريخ الحديث , تضم منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية والشام والعراق في أعقاب إنهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1914, ولكن أجهض هذا المشروع من قبل البريطانيين والفرنسيين بموجب معاهدة سايكس بيكو سيئة الصيت التي تقاسمت فيها بريطانيا وفرنسا هذه المناطق فيما بينها إلى مجموعة دول خاضعة لسيطرتها وتحت وصايتها , وما زالت هذه الدول قائمة حتى وقتنا الحاضر طبقا لقرار تقسيم سايكس بيكو حتى يومنا هذا.
وفي العام 1945 شجعت بريطانيا الدولة الأكثر نفوذا في المنطقة , الدول العربية القائمة يومذاك على تأسيس الجامعة العربية التي إتخذت من القاهرة مقرا لها , ضمت الجامعة ( 7 ) دول عربية هي : العراق ومصر وسورية ولبنان والأردن واليمن والمملكة العربية السعودية. تمثلت أهداف الجامعة في تعميق التعاون العربي في كافة المجالات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والبشرية، والسياسية، والأمنية، وغير ذلك من المجالات المتنوعة. نصت أول وثيقة صدرت من الجامعة العربية بعنوان بروتوكول الإسكندرية، على المبادئ الآتية:
1.قيام جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التي تقبل الانضمام إليها، ويكون لها مجلس تمثل فيه الدول المشتركة على قدم المساواة.
2.مهمة مجلس الجامعة هي: مراعاة تنفيذ ما تبرمه الدول الأعضاء فيما بينها من اتفاقيات وعقد اجتماعات دورية لتوثيق الصلات بينها والتنسيق بين خططها السياسية تحقيقاً للتعاون فيما بينها والحفاظ على استقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل السياسية الممكنة والنظر بصفة عامة في شئون البلاد العربية.
3.قرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها فيما عدا الأحوال التي يقع فيها خلاف بين دولتين من أعضاء الجامعة ويلجأ الطرفان إلى المجلس لفض النزاع بينهما. ففي هذه الأحوال تكون قرارات المجلس ملزمة ونافذة.
4.لا يجوز الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين من دول الجامعة كما لا يجوز إتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أي دولة من دولها.
5.يجوز لكل دولة من الدول الأعضاء بالجامعة أن تعقد مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها اتفاقات خاصة لا تتعارض مع نصوص هذه الأحكام وروحها.
6.الاعتراف بسيادة واستقلال الدول المنظمة إلى الجامعة بحدودها القائمة فعلاً.
جرت محاولات فاشلة فيما بعد , تمثلت بقيام ما عرف بالجمهورية العربية المتحدة عام 1957 , ضمت مصر وسورية , تفككت هذه الجمهورية عام 1962 . وتأسس الإتحاد العربي الهاشمي في العام 1957, ضم العراق والأردن , ولم يستمر هذا الإتحاد أكثر من عام , حيث إنتهى أمره عام 1958 بسقوط النظام الملكي في العراق.
لم تقتصر الدعاوى القومية على العراقيين العرب فقط , بل أنها شملت الأحزاب الكردية الساعية منذ نشأتها لتأسيس دولة كردية , تضم المناطق التي تسكنها غالبية كردية في العراق وإيران وتركيا وسورية , وقد قامت هذه الأحزاب بأكثر من تمرد مسلح ضد حكومات هذه البلدان , كان معظمها في العراق على الرغم من تمتع المواطنين الكرد بكامل حقوقهم شأنهم بذلك شأن المواطنين العراقيين الآخرين في جميع الأزمان وتحت ظل جميع حكومات العراق المتعاقبة , حيث كانوا جزءا أساسيا منها , بخلاف ما هو عليه حالهم في البلدان المجاورة التي تنكر عليهم حتى وجودهم كمكون قومي من مكونات شعوبهم . لم تتردد هذه الأحزاب من التعاون مع كل أعداء العراق من منطلق أن الغاية تبرر الوسيلة .ولعل من المفيد أن نشير أن التاريخ لم يشهد يوما وجود دولة كردية سوى فترة أشهر, عندما تأسست ما عرف بجمهورية مهابد في إيران بمساعدة الإتحاد السوفيتي في عقد الأربعينيات من القرن المنصرم . وفي جميع الأحوال نقول أن من حق كل شعب أن يقرر مصيره , شرط عدم المساس بحقوق الشعوب الأخرى , وبخاصة الشعوب التي عاشت معا آلاف السنيين في كنف وطن واحد , وبخلافه سيكون ذلك بؤرة للصراعات والحروب التي لن تكون في مصلحة أحد.
يتوهم كثيرا من يعتقد أن اللغة المشتركة بين أكثر من دولة كافية لتوحيدها في دولة واحدة , فها هي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا دولتان متجاورتان ولغتهما الإنكليزية, ولكن ليس لأي منهما الرغبة بدولة موحدة برغم الروابط الكثيرة بينهما. وينطبق الأمر نفسه على دول أخرى كثيرة ناطقة باللغة الفرنسية والأسبانية والبرتغالية . كما لا ينحصر قيام الدولة على الرابط القومي الأحادي, فعادة ما تكون الدول مؤلفة من قوميات متعددة , إذ يندر أن تجد دولة في العالم ذات قومية واحدة , والأمثلة على ذلك كثيرة , دول جوار العراق ودول العالم الكبرى مثل بريطانيا والصين وروسيا والهند وغيرها .
لا يقتصر إرتباط الإنسان العراقي على الرابط القومي , بل هناك الرابط الديني أيضا ,إذ يشكل المسلمون في العراق أكثر من (95%) من إجمالي سكان العراق, ويشكل المسيحيون والصابئة واليزيديين نحو (5%) من إجمالي سكان العراق. تتفرع جميع الأديان إلى مذاهب وطوائف مختلفة , فالدين الإسلامي الذي يمثل أكبر الأديان وأكثرها إنتشارا في العراق مثلا, يتفرع إلى طائفتين رئيسيتين هما , الطائفة الشيعية والطائفة السنية , ولا يختلف الحال في الأديان الأخرى كثيرا . وهنا يتعيين على الإنسان تحديد هويته القومية وإنتمائه الديني أيا كان هذا الإنتماء, دون مغالاة أو تعصب أو إزدراء لمعتقدات الآخرين , ودون إكراه أو إجبار الآخرين على إعتناق دينه أو مذهبه, إذ غالبا ما يتوارث الناس معتقداتهم الدينية جيلا بعد آخر عن ابائهم وأجدادهم , كما أن ليس لديهم خيار بتحديد أنسابهم العائلية أو هويتهم القومية التي يكتسبونها بالولادة . لذا ليس هناك من دواعي للتفاخر العائلي أو للتعصب الديني أو القومي الذي وجد الناس أنفسهم فيه دون خيار منهم. بل نرى العكس من ذلك تماما أن هناك أسباب كثيرة تدعو إلى التآلف والمحبة والتعايش بين الناس لتحقيق سعادتهم وحفظ أمنهم وكرامتهم وممارسة عقائدهم بحرية وآمان دون المساس بالسلم المجتمعي.
من ذلك يتضح أن الفضاء الوطني , إنما يمثل الفضاء الجامع لجميع الإنتماءات العائلية والقومية والدينية والطائفية, إذ أن كل من هذه الإنتماءات الفرعية , يمثل جزء معين من سكان العراق , بينما يشترك الجميع بإنتمائهم الوطني العراقي . لذا يجب أن لا تتقاطع هذه الإنتماءات مع بعضها , فتقاطعها يعني ضياعها ودمار بعضها البعض الآخر , وقد يؤدي بنهاية المطاف إلى ضياع الوطن برمته لا سامح الله , حيث سيوفر ذلك البيئة المناسبة للإحتراب الداخلي العبثي , وسيفسح المجال واسعا لتدخل الدول الأجنبية الذي لن يكون في مصلحة أي منها . والشواهد على ذلك كثيرة , أبرزها ما حصل ويحصل الآن في العراق منذ غزوه وإحتلاله عام 2003 وحتى يومنا هذا , من إحتراب مفتعل تحت مسميات مختلفة بين أبناء العراق الواحد, إحترق فيه الأخضر واليابس , راح ضحيته آلاف الأرواح البريئة , وتسبب بدمار البنى التحتية للعراق , ونهب ثرواته من قبل الفاسدين ممن شاءت الأقدار أن يستولوا على مقاليد السلطة في غفلة من الزمن , وتوقف عجلة التنمية وكل أشكال الحياة لدرجة بات فيها وجود العراق ذاته مهددا , بينما يتحارب القوم فيما بينهم حربا عبثية لا معنى لها. ولم تقتصر هذه الحروب العبثية التي أوقدت فتيلها الدول الأجنبية بدعاوى زائفة على العراق فحسب , بل إمتدت لتشمل سورية وليبيا واليمن, وقد تمتد لدول أخرى كثيرة , إذ يتوهم كثيرا من يعتقد من قادة دول المنطقة أنه في مأمن من شرور نيرانها , وعليهم جميعا أن يدركوا أن الإتكاء على الأجنبي لا يضمن لهم الأمن والآمان , ففي عرف هذه الدول أنه ليس هناك صداقات دائمة بل مصالح دائمة , فليتقوا الله في أوطانهم ويكفوا أيديهم من العبث بشؤون الدول الأخرى .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لوري واتكينز: إعلان إيران زيادة تخصيب اليورانيوم أمر مقلق لل


.. رئيس الحكومة اللبنانية يدعو الدول العربية لمساعدة لبنان


.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م




.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو