الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فيلم -أغاثا ولعنة عشتار-: رومانسية وغموض في جنوب العراق

كلكامش نبيل

2020 / 6 / 20
الادب والفن


بعد بحث طويل عن فيلم لسهرة البارحة، سعدتُ كثيرًا بعثوري على فيلم بريطاني تلفزيوني بعنوان "أغاثا ولعنة عشتار" بصفتي من محبّي كتب أغاثا كريستي البوليسية، التي كانت من أوائل القصص التي اقرأها في طفولتي خارج الكتب الخاصة بالأطفال. الفيلم من اخراج سام ييتس عام 2018 وقد عُرض أول مرة عام 2019. الفيلم من بطولة جوناه هاور-كينغ (بدور الآثاري الشاب ماكس مالاوان) وليندسي مارشال (بدور أغاثا كريستي) وجاك ديم (بدور الآثاري ليونارد وولي، مكتشف مقبرة أور الملكية) وكريستال كلارك (بدور بيرل، وهي فتاة تحمل درجة الدكتوراه في دراسة الطب في عهد حمورابي) وآخرين. تقييم الفيلم مرتفع بحدود 7 من 10 على موقع قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت IMDb. تدور أحداث الفيلم ما بين بريطانيا والعراق، والحبكة الأساسية في جنوب العراق – ما بين البصرة والموقع الأثري في أور في العام 1927-1928.

يتحدث الفيلم - المبني على قصة غير حقيقية تحاكي ظروفًا حقيقية – عن حياة الكاتبة الشهيرة أغاثا كريستي بعد طلاقها من زوجها الأول ومحاولات كتابتها روايات رومانسية على سبيل التغيير. تلتقي بالصدفة بعائلة ليونارد وولي – المنقب الشهير الذي اكتشف مع زوجته حفرة الموت الملكية في أور – ويدعوانها لزيارة العراق لمساعدتها في بحثها عن الرومانسية. تتساءل زوجة وولي "هل العراق بلد الرومانسية؟" فيجيب زوجها، "يا إلهي! إنه جوهر الرومانسية! فكّري في إينانا ودموزي! فكّري في مياه نهر دجلة الرقراقة!" وبذلك تقتنع أغاثا وتحزم حقائبها للحاق بوولي وأسرته في جنوب العراق.

على الرغم من تصوير الفيلم في مالطا، إلاّ أن المخرج كان دقيقًا في استخدام العديد من المفردات العراقية الصرفة – مثل باوع، باكوا وغيرها، فضلا عن ابراز إجادة بعض العراقيين للغة الإنجليزية في الفندق وعدم إجادة عامل القطارات للغة وتوقعه أن الآثاريين يتواجدون في العراق لسرقة كنوزه – وهي فكرة سائدة في العراق والشرق الأوسط. يُظهر الفيلم شخصية ضابط عراقي حاد المزاج اسمه إزيكيال – حزقيال – يجيد الإنجليزية ويحاول وقف سرقات الآثار في البلاد. لا يبني الفيلم – على عكس الأفلام الأخرى – صورة أحادية عن البلاد، فهو يُظهر طبيب عراقي يرتدي السِيدارة يأتي لعلاج ماكس مالاوان. التصوير دقيق في إبراز امرأة ترتدي عباءة عراقية واختيار منازل مبنية من الآجر – ذكرتني بالبيوت في منطقة السعدون ببغداد وإن كان المنزل أكبر بكثير – ويبرز الفيلم إزعاج صوت الأذان في الصباح الباكر.

يبدأ الفيلم بلقاء غير متوقع بين أغاثا وماكس مالاوان – وهو لقاء حقيقي في أور – وتقوم بإنقاذه من اطلاق نار أصاب رأسه. بعد أن يتماثل للشفاء سريعا، يبرز الفيلم نظرة نمطية عن النساء في مطلع القرن العشرين، فبعد أن تحدث ماكس عن احتمال لقائها من قبل، تقول أغاثا أن ذلك ضريبة الشهرة، لكن ماكس يتساءل عن سبب شهرتها ويحصر ذلك باحتمالية كونها زوجة دبلوماسي معروف أو كونها مدبّرة منزل شهيرة أو ممثلة، فتخبره بأنها كاتبة روايات بوليسية شهيرة، فيعتذر ويقول أنه لم يتعرّف عليها.

ما بين اللقاءات في القنصلية والمواقع الأثرية والحفلات المنزلية، تدور قصة الفيلم المشوّقة والتي تبدأ بمقتل قرد يخص زوجة ليونادرد وولي وتكتشف أغاثا وماكس بأن القرد قد تعرّض للتسميم ويشكّون بشخص أميركي يدير موقع التنقيبات. تستمر الأحداث وتحصل جرائم قتل أخرى، وسط تشويق لا يخلو من الرومانسية أيضًا بين أغاثا وماكس، وتتكشّف عمليات تهريب آثار بسندات تصدير رسمية تكشف عن تورّط مسؤولين كبار في القنصلية البريطانية وغيرهم. تنجو أغاثا وماكس من محاولة اغتيال وتبدأ خيوط الجريمة بالتكشّف كالعادة.

بسبب فرق العمر بين أغاثا وماكس، تتصوّر أغاثا استحالة قصة حب بينهما، لكن ماكس يذكرها أن "الأكديين يرون أن الشباب لعنة" وأنه يتفق مع ذلك. تثبت الأيام أن حبهما حقيقي، حيث كتبت أغاثا أن أفضل الأزواج هم الآثاريين لأنهم يحبون المرأة كلما تقدّمت في السن.

يأتي الفيلم على ذكر الكثير من التفاصيل الآثارية والتاريخية مثل ابن الملك نبوخذنصر الثاني، الملك إميل مردوخ وأنه سمح لمملكته بالتفكك عام 563 قبل الميلاد، ونص من لعنة عشتار، وقصة خلق العالم وتساؤلات أغاثا الكثيرة عن كيفية خلق نهر دجلة، ليقول لها ماكس بأن الإله إنكي قد خلقه، فتصرّ على معرفة كيفية ذلك، فيقول لها مازحا "بقذف سائله المنوي" قبل 4500 عام. في حديثٍ آخر، يتطرق ليونارد وولي للعبة تشبه الطاولة الحالية ويخبرها أنها اخترعت أول مرة في هذه البلاد. يبدو ذكر شِعر السومريين مع ذلك غير دقيق لأن اللغة السومرية لم تكن معروفة حتى ذلك الحين.

في زيارة للقنصلية، تتعجّب أغاثا من رؤية المنشئات النفطية وأعمال التنمية، وتتساءل "لم أتصور أن العراق مكان رائع للاختراعات؟" فيقول لها المسؤول الكبير، "لكِ أن تتصوري كيف سيكون بعد مئة عام!" توقفت كثيرًا عند هذه الجملة لأننا نعرف اليوم أن الأمر لم يتحقق ولكنني تساءلت إن كان ذلك سيحصل حقا لو لم تقم ثورة عام 1958 ولم يتأثر العراقيون بدعوات القومية العربية والأفكار الناصرية وغيرها.

بعد تكشّف عمليات سرقة الآثار وتورط مسؤولين كبار وكشف أغاثا للمتورطين، تقوم بجمع كل الأطراف وتخبر وولي أن تنقيباته ستتوقف وأنهم سيُنقلون للتنقيب في سوريا لأن حفرياته لا تهم بريطانيا بقدر اهتمام الحكومة بأنابيب النفط، فيصرخ قائلاً، "تاريخ بلاد ما بين النهرين هو تاريخ البشرية! إذا لم نكن نملك ثقافة العالم كيف يمكن أن نصبح محوره؟". لكن أغاثا توضح أن شركات النفط تبدو أكثر أهمية بالنسبة لبريطانيا، فيما يقول المسؤول أنه يقوم بواجبه لضمان بقاء بلاده قوية لمئة عامٍ أخرى. بعد أن تكشف أغاثا دور المسؤول في قتل صديقه وزوجته، يقوم بالانتحار تجنبا للفضيحة. يصر الضابط العراقي حزقيال على البقاء بجواره قائلا، "لا يجب أن يُترك شخص ليموت لوحده!" فيقول الدبلوماسي الكبير "كل الناس يموتون لوحدهم"، لكن أغاثا تقول، "الجميع يموتون مع ضميرهم".

بالعودة إلى لندن، تقرر أغاثا استئناف نشر القصص البوليسية ونشر القصة العاطفية – والتي لا تصفها بالرومانسية – باسم مُستعار. كما وتنجح رحلة أغاثا إلى العراق في العثور على الرومانسية، حيث تقع في حب ماكس مالاوان وتتزوجه بعد ذلك ليستمر زواجهما لمدة 46 عام (1930-1976). في نهاية الفيلم تقول أغاثا "مشكلة علم الآثار أنه لا يحكي القصة كاملة". الفيلم مشوّق للغاية ويجمع جوانب الغموض والتشويق والتاريخ والرومانسية. أنصح كثيرًا بمشاهدة الفيلم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سر كاركتر الفنان الفيلسوف محيى إسماعيل


.. الفيلم الوثائقي حقائق النصر -شهادات واعترافات-


.. فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض




.. بانوراما | تقارير غربية تحذر من اختفاء اللغة العربية.. ما ال


.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان قيس الشيخ نجيب