الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فيلم -المحطة الأخيرة-: الأيام الأخيرة لتولستوي وحقيقة الحركة التولستوية

كلكامش نبيل

2020 / 6 / 24
الادب والفن


في فترة الثانوية، كنتُ أقرأ قصصا قصيرة لتولستوي بالعربية والإنجليزية وقرأت رائعتيه "آنا كارنينا" و"الحرب والسلام"، ولذلك سعدتُ جدّا بالعثور على فيلم عن حياة تولستوي بعنوان "المحطة الأخيرة" واخترته ليكون فيلم سهرة الليلة الماضية. الفيلم من إخراج الأميركي مايكل هوفمان عام 2009 وبطولة الاسكتلندي جيمس مكافوي (بدور السكرتير الشاب فالنتين بولغاكوف) وكريستوفر بلامر (بدور ليف تولستوي) وهيلين ميرين (بدور صوفيا تولستويا – زوجة تولستوي) وبول جياماتّي (بدور فلاديمير تشيرتكوف، أهم تلامذة تولستوي والمؤثر في حياته) وكيري كوندون (بدور ماشا، حبيب الشاب فالنتين). تقييم الفيلم عالي بنسبة 71 في المائة على موقع روتين توميتو و7 من 10 على موقع قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت IMDb.

يتناول الفيلم البريطاني المبني على سيرة ذاتية ألمانية السنوات الأخيرة من حياة ليف تولستوي، أهم كتاب روسيا والعالم وعلاقته المتأزمة بزوجته بسبب اختلاف الرؤى بخصوص ملكية مؤلفاته ورغبته في منحها للشعب وحرمان الأسرة من بيع حقوق نشر كتبه. لطالما قرأت عن حياة تولستوي البسيطة ونبذ غناه، وهو الكونت الروسي، في أواخر حياته، ولكن هذا الفيلم جاء ليجيب ويوضّح حقيقة ما كان يجري.

يبدأ الفيلم بلقاء بين فالنتين بولغاكوف – الشاب في الثالثة والعشرين من عمره – مع تشيركتوف، أحد تلامذة تولستوي، في موسكو وقبول طلب فالنتين في أن يصبح سكرتيرًا خاصًا لتولستوي في مسكنه الريفي. يتطرق الفيلم لأفكار الحركة التولستوية – والتي تشير إلى انتشار الكثير من الأفكار الشيوعية في روسيا في مطلع القرن العشرين. يصرّ الشاب فالنتين على أنه يحتقر الجنس والزواج وكونه نباتي ومؤمن بالسلام وحب الجنس البشري، وكان مخلصًا للغاية في أفكاره قبل ذهابه للعيش في الكومونة الخاصة بتولستوي (أي ما يشبه حكومة بلدية ثورية وفي ذلك تذكير بالشيوعية والثورة الفرنسية أيضًا). ينبهر فالنتين ببساطة تولستوي وسؤاله عن حياته ولكنه يبدأ بمحاكمة أفكاره بعد فترة إذ يكتشف أن الموجودين هناك لا يؤمنون حقا بما ينادون به، حيث تقص صوفيا – زوجة تولستوي – على فالنتين قصص زوجها وعلاقاته الغرامية في القوقاز وتخبره أن الحب ضروري وليس وهمًا. يكتشف فالنتين بعدها أن ماشا لا تؤمن بشيء من تلك الأفكار ويمارس الجنس معها في منتصف الفيلم تقريبا ويكتشف أنه حقيقي وليس وهمًا ويقول في نهاية الفيلم تقريبا أنه لم يجد الجنس البشري ليحبه، لكنه وجد امرأة ورجل غير كاملين ويكملان بعضهما. يتعاطف فالنتين مع زوجة تولستوي وهي تحاول حماية أسرتها من تأثير تشيرتكوف على زوجها بتأييد من ابنة تولستوي بمنح الحقوق الملكية الفكرية للشعب. يظهر الفيلم صراعات كثيرة بين تولستوي وزوجته التي تخبره أن الفقر لا يجعل الناس بالضرورة أنقياء وأن أغلبهم سينفق المال على الشراب والعاهرات إذا ما امتلكوا المال؛ وتسأله، في مناسبة أخرى، إن كان يحب الناس حقا في حين أنه لم يتمكن من حب زوجته وأسرته ويريد تركهم للفقر. الحوارات في الفيلم قوية ومعبرة وتوضّح برأيي تعلق الرجل بحب الذات "الإيغو" وأولوية حماية الأسرة بالنسبة للمرأة. كانت صوفيا ترغب في حماية أسرتها في حين كان تولستوي ساعيًا للتحول إلى أيقونة تُقدّس من قبل الناس.

يكتشف فالنتين أن صوفيا قد تكون على حق، ويحب ماشا فعلا ولكنه لا يتشجع على ترك الحركة. يوضح الفيلم أيضا كيف تمحو الأيديولوجيات شخصية الفرد، حيث أن فالنتين كان يردّد كل ما قيل في كتب تولستوي، ويتذكر نصوص لا يتذكرها تولستوي نفسه، لأن المؤلف يكتب وينسى، وهذا يشمل كل الأيديولوجيات والأديان. يسأل تولستوي الشاب عن رأيه هو، فيجيب فالنتين أنه لا يعرف. يرى فالنتين بشكل غير مباشر أن تشيرتكوف يمارس تأثير سيء على تولستوي المسن، وأنه لا يؤمن حقا بتلك المباديء؛ بل أن تولستوي يتردّد في توقع تلك الوثيقة الخاصة بالتنازل عن حقوق نشر أعماله للشعب الروسي وعامة الناس ويصف نفسه بالمتآمر.

تتصاعد الأحداث ويهرب تولستوي من منزله، برفقة تشيرتكوف وابنته، ويقيم في محطة قطارات ريفية نائية. يذهب فالنتين إلى ذات المحطة ويرسل برقية تلغراف لزوجة تولستوي عندما تتفاقم حالته الصحية. تصل الكونتيسة صوفيا برفقة قس روسي، لكن تشيرتكوف وابنة تولستوي يمنعانها من رؤية زوجها. تتشاجر صوفيا معهما وتتمنى لو كانت ابنتها من بين الأطفال الخمسة الذين فقدتهم. كانت هذه اللحظات مؤثرة ومؤلمة، إذ أنها تُمنع من الدخول مع أن زوجها يطلب لقاءها عدّة مرات وتخبره ابنته بأن والدتها لن تتمكّن من الحضور. يحاول فالنتين التدخّل ولكنه يُمنع من ذلك. في النهاية، يسأل فالنتين تشيرتكوف عن سبب قيامه بكل هذا، فيقول بأنه يريد تحقيق الهدف "موت نبيل وبسيط!" فيعلق الشاب بأنهم يريدون صنع أيقونة يقدسها الناس، ولكن ذلك سيكون أشبه بما يريده تشيرتكوف لا ما يريده تولستوي نفسه!. في تلك اللحظات، يبدو انفصال فالنتين التام عن الحركة ويرسل تلغراف يطلب فيه من حبيبته ماشا القدوم. يفقد تولستوي الوعي ويُسمح أخيرًا لصوفيا برؤيته والحديث إليه، ولكن بعد فوات الأوان، إذ يفارق الحياة في الساعة السادسة صباحًا.

أعتقد أن الفيلم يوضح جحود من طرف تولستوي لأتعاب زوجته معه – إذ عاشا لمدة 48 عاما سوية – ورغبة في تحقيق الذات الخالدة أو التأثر الأعمى بتشيرتكوف ووهم القداسة، فضلاً عن رحلة تحرّر فكري للشاب فالنتين. لوهلة تصوّرت كيف أن حماسة الشباب تُستغل على الدوام في قضايا يعرفون لاحقا أنها غير واقعية ولا تحقق خير الجموع. فكّرت لوهلة أيضًا في تأثير تلك الأفكار على روسيا وكيف مهّدت الطريق للشيوعية. يذكر الفيلم في النهاية أن تشيرتكوف ظلّ وفيا لتولستوي ولكنني لا أرى أنه مخلصًا له من الأساس وقرأت مقالا في صحيفة نيويورك تايمز عن كتاب سيرة ذاتية لصوفيا تولستويا بعنوان "تلميذ تولستوي المزيف" يدين فيه تشيرتكوف، الغني الثوري الذي أثّر على أهم كتاب روسيا.

الفيلم تحفة حقيقية من ناحية القصة والتشويق والاخراج والأفكار التي يناقشها. الفيلم نقاش حيّ لمفاهيم الحب والعطاء وتقديس الذات وتلاعب الآخرين بأفكار المرء ورسم مصيره وتدمير صفاء حياته الأسرية وكيف يحاول التلميذ تحديد مسار حياة أستاذه باسم الاخلاص للمباديء وغيرها الكثير. أنصح بمشاهدة الفيلم بشكل كبير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفيلم الوثائقي حقائق النصر -شهادات واعترافات-


.. فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض


.. بانوراما | تقارير غربية تحذر من اختفاء اللغة العربية.. ما ال




.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان قيس الشيخ نجيب


.. تفاعلكم | مشهد صادم! سوداني يقتحم مناسبة ويهاجم الفنان وفرقت