الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ديباجة الدستور الدائم لجمهورية العراق

فلاح اسماعيل حاجم

2006 / 6 / 24
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


تستعد لجنة دعم الديمقراطية في العراق إلى إقامة حلقة دراسية تناقش خلالها مختلف المقترحات
حول التعديلات التي من الممكن اجراؤها على الدستور العراقي الدائم, وهو عمل شريف سيدخل القائمون عليه التأريخ باعتبارهم روادا حقيقيين لأول حركة دستورية حقيقية (المشروطة العراقية الأولى). ذلك ان جهدهم الكبير هذا سيكون الاساس الذي لا غنى عنه من اجل بناء دولة الحق والمؤسسات الحقيقية وليست المفترضة. ولأني دعيت من قبل اللجنة المذكورة للمشاركة, ارجو ان تكون مادتي هذه اسهاما متواضعا في عمل اللجنة متمنيا للقائمين عليها والمشاركين بها النجاح الباهر.
ان واحدة من الموضوعات التي اصبحت مثار جدل لدى فقهاء القانون بشكل عام والمختصين بالقانون الدستوري على وجه الخصوص هي مسألة تحديد طبيعة ديباجة الدستور القانونية. حيث يمكننا العثور على وجهتي نظر مختلفتين بهذا الخصوص. ففي حين ذهب فريق منهم الى فصل الديباجة عن نصوص القانون الاساسي الأخرى, مؤكدين افتقارها لأية قوة قانونية ملزمة, وبألتالي عدم امكانية اعتمادها من قبل السلطة القضائية, بالاضافة الى استحالة استخدامها لتنظيم علاقات اجتماعية محددة, وذلك لخلوها من القواعد القانونية الملزمة, يرى آخرون ان الكثير من دساتير الجيل الثاني (دساتير ما بعد الحرب الكونية الثانية) نصت صراحة على اعتبار الديباجة جزءا لا يتجزأ من الدستورلا يختلف عن اجزاءه الاخرى من ناحية الزامية القواعد فيه وقوتها القانونية (دستور بوركينو فاسو لعام 1991 وجمهورية التوغو لعام 1992). وربما كان ذلك تماشيا مع المنهج النظري الفرنسي الذي يرى في مبادئ القانون مصدرا قانونيا يجوز اعتماده في المحاكم (السلطة القضائية), مثلما يمكن الاستعانة به لتنظيم علاقات اجتماعية سامية. ولأن الديباجة تتضمن ,في الغالب, المبادئ القانونية مثل مبدأ العدالة والمساواة والتضامن الاجتماعي. .....الخ فلا ضير من اعتبارها جزءا مكملا لدستور الدولة. من هنا جاء الدستور الفرنسي مؤلفا من ثلاثة اجزاء هي نص الدستور المستفتى عليه في العام 1958 بالاضافة الى لائحتي حقوق الانسان الدولية لعام 1948 والاوربية لعام 1950وديباجة الدستور التي اكدت تمسك فرنسا بحقوق الانسان المثبتة في لائحة 1789 والمقرة في ديباجة دستور الجمهورية الرابعة لعام 1946. ان خلو ديباجة الدستور من القواعد القانونية لا يقلل من اهميتها كوثيقة يمكنها لعب دور تربوي وتعبوي بالغ الاهمية, سيما وانها تحدد موقف الدولة من القضايا الاكثر جوهرية مثل الموقف من حقوق الانسان وحرياته الاساسية وقضية المرأة بالاضافة الى موقع الدولة ودورها في المنظومة الدولية.....الخ. وهنا اجد مناسبا الاشارة الى ان الكثير من ديباجات الدساتير ذهبت الى ايجاز الجوانب المشرقة من تأريخ الدولة ومنجزات حضارتها. وربما كان الدستور الاسباني استثناءا, حيث لم تشر ديباجته الى اية اشارة لتأريخ اسبانيا, وربما اراد المشرع بذلك اسدال الستار على تأريخ ملئ بالانقلابات العسكرية والحكومات الدكتاتورية والأنظمة الفاشية. بالاضافة الى ذلك فأن الكثيرين من فقهاء القانون الدستور يبدون متفقين على ان ما تتضمنه ديباجة القانون الاساسي للدولة من قواعد هي اقرب الى قواعد الاخلاق منه الى القواعد القانونية, وتلك ليست نقيصة, بل هي تعزيز للدور التربوي الذي من الممكن ان تقوم به الوثيقة الاهم في سلم المصادر لمنظومة الدولة القانونية. وبهذا الخصوص اجد مناسبا الاشارة الى ان القواعد الاخلاقية, وبحكم طبيعتها, عادة ما تكون الاقرب الى القواعد الدينية منه الى قواعد القانون الوضعي والذي تحتمل قواعده التجاوز على الاخلاق, مثلما تحتمل تشويه القواعد الدينية, ولطالما انتهكت قدسية القاعدة الدينية وقواعد الاخلاق في خظم صراع المكونات الاجتماعية, وحتى الدينية منها, على الجاه والمال والسلطة. من هنا ارى استحالة المزاوجة بين القاعدتين الدينية والقانونية مع التأكيد على امكانية تعايشهما المثمر شريطة رسم حدود واضحة لحركة كل منهما. لقد جاءت ديباجة الدستور العراقي الدائم, شأنها شأن فصوله الاساسية, نتاجا للمساومة السياسية بين المكونات التي تمكنت, وفي ظروف معروفة, من تشكيل الاغلبية البرلمانية آنذاك, ومن ثم تشكيل لجنة صياغة الدستور. وجاءت ديباجة الدستور تعبيرا واضحا عن الاصطفاف القومي والطائفي مما جعلها اقرب الى بيان لمؤتمر المصالحة الوطنية, منه لديباجة دستور دائم لمجتمع يروم التأسيس لدولة الحق والمؤسسات. واذا كانت الديباجة قد تضمنت الكثير من العبارات مثل التعددية ودولة القانون و العدالة والمساواة, فأن تلك العبارات صيغت بالطريقة التي تجعل من الصعب تسميتها بالقواعد, ناهيك عن اطلاق تسمية المبادئ القانونية عليها. ذلك ان هذه الديباجة (ونص الدستور ايضا), تخلو من اية اشارة الى مرجعية تلك المبادئ, الأ وهو القانون الدولي الانساني. ففي حين اشاد مشرعو دستورنا "بالمؤازرة العالمية من اصدقائنا ومحبينا" لم يكلفوا انفسهم الاستفادة من الموروث الانساني المتنوّر لأولئك الاصدقاء خشية ان يقوم ذلك الموروث بخرق ثوابتنا, رغم انني لم اجد في اي من لوائح الدفاع عن حقوق الانسان وحرياته الاساسية او لوائح القانون الدولي ومعاهداته الخاصة بحقوق المرأة .....الخ ما يمكن ان يسئ لتلك الثوابت. وهنا اجد لزاما الاشارة الى انه قلما تجد دستورا معاصرا لا يعتبر قواعد القانون الدولي واللوائح الدولية المختلفة مصدرا اساسيا من مصادر التشريع الوطني (المحلي). حتى ان الكثير من دساتير الجيل الثاني منحت تلك القواعد الأولوية في حال تنازعها مع القانون المحلي. ذلك ان تلك القواعد تشكل نتاجا لجهد انساني مشترك وطويل الامد شكلت (ثوابتنا) رافدا مهما منه.
واذ تعذر على مشرعينا الاستعانة بالتراث الانساني لصياغة ديباجة دستور دولتنا الدائم, فأن تراثنا الوطني ليس فقيرا, وكان بامكانهم اختزال ما يمكن اختزاله من شريعة حمورابي, او الاستعانه بنهج الامام علي الوضاء وبلاغته النادرة.

- استاذ جامعي متخصص بالقانون الدستوري*
موسكو
22-6-2006








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قادة الجناح السياسي في حماس يميلون للتسويات لضمان بقائهم في 


.. دعوات أميركية للجوء إلى -الحرس الوطني- للتصدي للاحتجاجات الط




.. صحة غزة: استشهاد 51 فلسطينيا وإصابة 75 خلال 24 ساعة


.. مظاهرات في العاصمة اليمنية صنعاء تضامناً مع الفلسطينيين في غ




.. 5 شهداء بينهم طفلان بقصف إسرائيلي استهدف منزلا في الحي السعو