الحوار المتمدن - موبايل


واسفاه على هوان العراق

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 7 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


يتداول العراقيون في أحاديثهم أحيانا مثلا شائعا بينهم : " إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه " , وهم يقصدون بذلك , إذا ضعف الإنسان وفقد بعض قوته وقدرته وهيبته وساءت حالته لسبب أولآخر, كما يصف هذه الحالة سيد البلغاء إمام الهدى علي بن أبي طالب عليه السلام أبلغ وصف :
" إذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِه".
ينقض عليه الأفاكون من كل حدب وصوب طعنا وتجريحا دون رحمة ,بينما كانوا بالأمس يتملقونه ويهابونه ويحسبون له ألف حساب. وهذا هو حال العراق اليوم ,يعاني شعبه الذل والهوان من قبل بعض شذاذ الآفاق ممن سلطهم عليه المحتلون , بعد أن كان بلدا عزيزا ومقتدرا وكريما , يجير الضفاء ويقتص من الظالمين لنصرة المظلومين . وجد العراقيون أنفسهم بين ليلة وضحاها فريسة لمافيا الفساد وعصابات الجريمة المنظمة وقوى الإرهاب التي لا ترحم , خلافا لما وعدهم المحتلون وأعوانهم , بعراق حر مزدهر ينعم فيه شعبه بالحرية والرفاهية والديمقراطية والعدالة والأمن والآمان , وإذا بهم يعانون أقسى حالات القهر والتعسف والإستبداد والفساد والفقر المدقع , لدرجة بات فيها بعض الناس يتركون أطفالهم على قارعة الطريق ليواجوه مصيرا مجهولا ,وذلك لعدم قدرتهم على توفير لقمة العيش لهم , أو إجبار بناتهم على ممارسة الرذيلة دون حياء ضمن شبكات الدعارة الواسعة الإنتشار والتي يقال أن بعضها يحضى بحماية جهات ذات سلطة متنفذة , تحت واجهات وأقنعة مختلفة ,كما تتناقل ذلك وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي في بلد حباه الله بالنعم والخيرات, ويتظاهرمعظم حكامه رياءا بالتدين والورع والتقوى ليل نهار, دون حياء ,ودون أن يرف لهم جفن لما آل إليه حال الناس من فقرمدقع وجوع وحرمان من أبسط متطلبات الحياة ,وهتك أعراض, والناس حيارى من أمرهم بعد أن أدخلوهم في دهاليز الشعوذة المظلمة , وأشاعوا بينهم الجهل والفرقة والتناحر لأتفه الأسباب . والغريب العجيب في كل ذلك , أن من آلت إليهم السلطة منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , ما إنفكوا يعلنون من على شاشات التلفاز ندمهم وفشلهم بإدارة الدولة ومسؤوليتهم عن كل هذه المآسي والموبقات التي حلت بالعراق , وعدم جواز بقائهم في السلطة , إلاّ أيا منهم لم يتخل طوعا عن سلطته, حيث ما زال ممسكا بها بقوة السلاح وشراء الذمم .
ولأن نفوس العراقيين عزيزة أبية فأنها تأبى هذه الحال البائسة ولن تقبلها أبدا برغم كل الصعاب , إذ ينطبق على هذه النفوس الكريمة قول الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي :
" وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام "
وهكذا كانت النفوس العراقية أبية شامخة دوما تأبى الذل والهوان , وتبذل المحال لتحدي الصعاب لبلوغ ذروة المجد مهما كلفها ذلك من تضحيات , وهي تقصد الحق دوما ولكنها قد تخطأ المسار أحيانا , أحبا الله العراقيين خيرا وفيرا لينعم به سواهم, ويعانوا فقرا مدقعا بسبب فساد حكامهم وسوء إدارتهم لثروات بلادهم , فهم كما يقول الشاعر ابو الطيب المتنبي تماما :
" لا اِفتِخارٌ إِلّا لِمَن لا يُضام مُدرِكٍ أَو مُحارِبٍ لا يَنام "
" من يهن يسهل الهوان عليه مالجرح بميت إيلام "
بدأت تراجيديا العراق منذ شهر أيلول عام 1980 بإندلاع الحرب الإيرانية العراقية العبثية , لتزداد سوءا بغزو العراق دولة الكويت في آب 1990 , لتحط رحالها فيما بعد بتدمير دولة العراق تدميرا كاملا , بغزوه وإحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الثاني عام 2003, ليصبح العراق بعد ذلك بلدا مهمشا يصارع من أجل بقائه, بعد أن مزقه شذاذ الأفاق بدعاوى الطائفية المقيتة تارة ودعاوى العنصرية تارة أخرى. وتزداد مآسيه يوما بعد آخر , ولا يبدو أن بارقة أمل تلوح في الأفق بإنفراج قريب.
فالعراق اليوم لم يعد دولة واحدة , بل هناك الدولة العراقية المقطعة الأوصال التي تتقاذفها صراعات الكتل السياسية التي يبدو أن لها أول, ولكن لا يبدو أن لها آخر , وعاصمتها بغداد , ودولة كردستان العراق التي يتقاسم السلطة فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني ومنطقة نفوذه محافظتي أربيل ودهوك ,وحزب الإتحاد الوطني الكردستاني ومنطقة نفوذه محافظة ألسليمانية, ولكل منهما ذراعه المسلح المتمثل بقوات البيشمركة .تتخذ سلطة الإقليم من أربيل عاصمة لها . لا يخضع الإقليم حاليا لسلطة الحكومة العراقية إطلاقا, إذ له دستوره وقوانينه الخاصة به التي يشرعها برلمانه ويصادق عليها رئيسه وتكتسب بذلك صفتها القطعية, وله قواته المسلحة وقوى الأمن الخاصة به المرتبطة برئيس الإقليم الذي يعامل بروتوكوليا داخل العراق وخارجه كأي رئيس دولة أخرى في حله وترحاله . ولا يخضع الإقليم لأي من القوانين العراقية إطلاقا في حالة تعارضها مع دستور الإقليم, وذلك بموجب الدستور العراقي المعمول به حاليا , والذي لا يمكن تغيير أي من بنوده إلاّ بموافقة الإقليم, وهي حالة لا مثيل لها في أي من دساتير العالم . ولا تخضع منافذه الحدودية ومواردها المالية لسلطة الحكومة العراقية . وفوق هذا وذاك يتقاضى الإقليم نسبة ( 17 % ) من موازنة العراق المالية, بينما يتصرف على هواه بثروة الإقليم النفطية إستخراجا وإنتاجا وتصديرا دون رقيب أو حسيب.
لا يمكن تشكيل أية حكومة عراقية بدون موافقة حكومة الإقليم , وضمان حصوله على مواقع قيادية في الحكومة العراقية , إذ إن جميع رؤساء الجمهورية العراقية منذ العام 2003 حتى الآن , كانوا من الكرد المرشحين من حكومة الإقليم بإستثناء غازي الياور المتزوج من كردية , فضلا عن مواقع وزارية وقيادات عسكرية بارزة , مثل وزارة الخارجية والمالية والتخطيط ورئاسة أركان الجيش وقيادة القوة الجوية وغيرها , بينما لا وجود لموظف عراقي واحد ولو بدرجة بسيطة في حكومة إقليم كردستان العراق . ولا يستطيع الجيش العراقي من دخول أي من مدن الإقليم دون موافقة حكومة الإقليم . وبرغم كل هذه الإمتيازات التي يحسدهم عليها بقية العراقيين , فأنهم ما إنفكوا يهددون بمناسبة أو بأخرى بورقة الإنفصال عن العراق, كان آخرها إجراء حكومتهم إستفتاء شعبي للإنفصال عن العراق الذي واجه معارضة شديدة من جميع دول العالم عدا الكيان الصهيوني ,الأمر الذي أفشل مشروعهم الإنفصالي ولو إلى حين.
يمكن أن يعزى إستقواء الأحزاب الكردية إلى موقفها الواضحة والصريحة من قوات التحاف الدولي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت وترى فيه أن ما قامت به هذه القوات, ليس إحتلالا وتدميرا للدولة العراقية , إنما رأته وتراه تحريرا لها من هيمنة الدولة العراقية , وفرصة تاريخية قد لا تتكرر, لإنفصالها عن العراق وتأسيس دولتها الكردية المستقلة. وهي ترى في بقاء هذه القوات ومنحها قواعد عسكرية في أراضيها حماية لها , وسط محيط إقليمي معارض تماما لقيام دولة كردية مستقلةعن العراق , تكون نواة لدولة كردستان العظمى التي ستضم مناطق واسعة من تركيا وإيران وسورية والعراق . وهي بذلك الحليف الطبيعي المضمون للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها ومنهم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة الذي تربطه الآن علاقات واسعة مع سلطة الإقليم.
نقول أن من يدعو إلى قيام دولة كردية مستقلة , عليه أن يدرك أن قيام مثل هذه الدولة , مرهون بإعادة ترتيب أوضاع المنطقة من قبل اللاعبين الكبار بما يخدم مصالح دولهم , وترسيم حدود دول الشرق الأوسط برمتها بما فيها إيران وتركيا , على غرار ما حصل بمعاهدة سايكس بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى وما قبلها في أواخر حكم الدولة العثمانية , حيث إقتطعت أراض عراقية ومنها منطقة عبادان وما يجاورها العائدة للعراق أبان الحكم العثماني, وضمت إلى إيران مقابل تنازل الدولة الفارسية عن محافظة السليمانية التي ضمت للعراق , وضم أجزاء من محافظة الموصل إلى تركيا مقابل تنازلها عن مدينة الموصل التي كانت تطالب بضمها , برغم نتائج الإستفتاء الذي أجرته عصبة الأمم لسكان الموصل الذي جاء لمصلحة العراق بدعم من سلطة الإنتداب البريطاني , وتأسيس إمارة شرق الأردن ودولة لبنان, وإستقطاع ميناء الأسكندرونة وضمه إلى تركيا . يتوهم من يعتقد أن إعادة هكذا موضوع بالأمر الهين إطلاقا , إن لم يكن ضربا من الخيال.كما يتطلب قيام دولة كردية مستقلة , موافقة الدول التي يسكن فيها الكرد وهي تركيا وإيران وسورية والعراق, وهو أمر لا نرى هناك أية إمكانية لحدوثه في المستقبل المنظور. لذا أن أفضل خيار للكرد في العراق في الوقت الحاضر هو تعزيز مكاسبهم السياسية التي حصلوا عليها في إطار الدولة العراقية, والعمل على بناء عراق ديمقراطي حر ومستقل , بدلا من الإتكاء على الأجنبي , والمراهنة على ضعف الأحزاب والكتل السياسية العربية المتصدية للسلطة حاليا في العراق . ونرى في ذلك خيارا طبيعيا , فدول العالم معظمها إن لم يكن جميعها دولا متعددة القوميات والأثنيات والثقافات والأديان .
أوجدت سلطة الإحتلال في العراق في أعقاب إحتلاله عام 2003 نظاما سياسيا برلمانيا على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية , نجم عنه هيمنة أحزاب الإسلام السياسي بصبغتها وهويتها الطائفية , الساعية للظفر بالمناصب القيادية التي ترى فيها مصدرا للسلطة والنفوذ, وإنصرافها لنهب المال العام وعدم إكتراثها بمصالح الوطن العليا , وإرتباط معظمها بدول أجنبية لخدمة مصالحها , وإفتقار معظم قادتها إلى الخبرة والكفاءة والنزاهة لتسيير شؤون الدولة بمفهومها الحديث. فالمناصب الوزارية والوظائف القيادية في الدولة تباع وتشترى في بازار السياسة العراقية من قبل الأحزاب السياسية بموجب حصة كل منها بنظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيت , إذ أن لكل حزب هيئته الإقتصادية لجباية هذه الأموال , لذا فأنه يكون أمرا طبيعيا أن يسعى الوزراء لإستحصال ما دفعوه من أموال لتبؤ مناصبهم , من خلال الرشى وإختلاس الأموال من مشاريع الدولة , لدرجة أن بعضهم قد إستحصلوا أموالا طائلة من مشاريع وهمية لا وجود لها , أو تقاضوا أمولا عن رواتب موظفين وهميين أطلق عليهم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي مصطلح الموظفين الفضائيين , ومنهم عدد كبير من المحسوبين على تعداد القوات المسلحة بصنوفها المختلفة , فلا عجب أن نرى سقوط الموصل وثلث مساحة العراق على أيدي عصابات داعش في أيام معدودات.وها هو رئيس الوزراء العراقي الحالي مصطفى الكاظمي يتحدث قبل أيام عن سيطرة عصابات مسلحة على منافذ العراق الحدودية والإستيلاء على عائدياتها الكمركية لحساب كتل سياسية وتحت حمايتها , وبعضها يقوم بتهريب النفط وبعض مشتقاته برا وبحرا دون رقيب , ويتحكم آخرون بمبيعات البنك المركزي للعملة الأجنبية التي فاحت رائحتها , وغير ذلك الكثير الكثير من أعمال سلب ونهب لعقارات الدولة وأشكال الفساد المختلفة .
عانت وتعاني الحكومات العراقية المتعاقبة من الفساد المستشري في جميع مفاصلها , ومن إنعدام رؤية واضحة لإدارة الدولة , ومن تدخل جهات داخلية وخارجية بشؤنها , وبخاصة أمراء التشكيلات المسلحة المرتبطة شكليا بالدولة والخاضعة فعليا لقادة أحزابها وكتلها السياسية حسب ما تراه مناسبا . وخلاصة القول هنا أن العراق بوضعه الحالي تسوده الفوضى وينخر نظامه السياسي الفساد, وتتعدد فيه مراكز النفوذ التي تعبث بأمنه وإستقراره ونهب ثرواته , وتسرح وتمرح عصابات الجريمة المنظمة والمافيات المسلحة وتجار المخدرات وشبكات الرذيلة على هواها دون حساب أو رقيب , منافذه الحدودية سائبة يدخلها كل من هب ودب , وتنهب ثرواته وشعبه يتضور جوعا ويعاني بؤسا وحرمانا . ويبقى الأمل معقودا على همة الغيارى من أبناء العراق الشرفاء إنقاذه من منحته.أن الله على كل شيئ قدير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة في قمة المناخ؟


.. بعد #رامز.. هجوم على برنامج مقالب #عراقي: #ايقاف_طنب_رسلان


.. عجوز حريصة على القرآن




.. عملية مشتركة للعسكريين الروس والطاجيكيين في تصفية إرهابيين


.. فقدان الاتصال بغواصة إندونيسية خلال تدريبات قبالة بالي على م