الحوار المتمدن - موبايل


أوهام العقائد السياسية الراديكالية

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 7 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


تبرهن التجارب التاريخية لجميع الأمم والحضارات على أن الأيديولوجيات الكبرى حالما تتغلغل في الوسط الجماهيري فإنها تؤدي بالضرورة إلى ابتذالها وإضعاف مستواها النظري. وترتبط هذه النتيجة بواقع انتشارها الواسع بين أناس يفتقدون عموما إلى التأهيل المعرفي. مما يؤدي إلى تغيير المضمون الفعلي الأولي لما كانت تريديه هذه الأيديولوجية، وفيما بعد إلى استفحال دورها التخريبي. وليس غريبا أن تتحول الأيديولوجية الثورية إلى أداة للقمع الشامل، بينما تصبح الأيديولوجية القومية (كما هو الحال عند البعث في العراق) أيديولوجية التخريب الشامل للروح والجسد الفردي والاجتماعي والدولتي والتاريخي والثقافي.
وهي ظاهرة تميز في الإطار العام آلية فعل العقائد الكبرى في الوسط الجماهيري، بغض النظر عن مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي. وهو «القدر» الذي ميز على الدوام الأديان العالمية والنظريات العقائدية الكبرى بفعل سيادة المبادئ الموحدة (الواحدية والوحدانية) فيها. وأعطى ذلك للجميع إمكانية الانتماء إليها والبقاء ضمن حيزها رغم تباين المعارف والأذواق. بمعنى عدم تعارض البقاء ضمن حيز «الإيمان» والارتقاء إلى مصاف المرجعية في العلم والعمل. وإذا كانت هذه العقائد ما تزال تفعل فعلها في استثارة وتنظيم القوى الاجتماعية والسياسية والروحية، فأنها تفرز مع ذلك عناصر التقليد والتقييد بسبب وجودها في «نظام الفوضى»، أي في ظل ضعف وهشاشة البنية الحقوقية للدولة، مما يؤدي في الأغلب إلى جعلها أداة بيد البيروقراطية الحزبية (السلطوية والمعارضة). وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى انتشارها بين أكثر الناس جهلا بمبادئ العقيدة وأبعدهم أحيانا عن أخلاقياتها المعلنة.
وتطرح هذه الحالة مهمة تجاوز الأيديولوجية العقائدية بالشكل الذي يذلل إمكانية تحولها إلى مبادئ ثابتة. بمعنى تذويب عناصر العقيدة في الرؤية السياسية المتجددة والمتبدلة والمتغيرة لا جعلها أيديولوجية ملزمة. وهذا يستلزم بدوره تحرير الأحزاب من الأيديولوجيات المقننة، والتمسك بمبادئها المتسامية العامة فقط. فبقاء الأحزاب السياسية كقوى سياسية فاعلة يشترط عدم تقيدها «بمنهجية» أيديولوجية صارمة. وذلك لان ميدان فعل الأحزاب خال من المنهجيات، إضافة إلى صعوبة بل واستحالة حد المنهجية بمعايير السياسة. أما الإلحاح والانهماك في التنظير لها والجهادية المبدئية من اجلها فانه لا يؤدي إلا إلى صنع أساليب متنوعة للقمع المباشر وغير المباشر وهمجية مكتفية بذاتها. وهو قمع عادة ما يتخذ صيغة التبرير «المقدس» بعد سكبه بعبارة «الخلود» و«الخالد». بينما ليس الخلود من الناحية الفلسفية سوى حالة وجود الأشياء كلها. بمعنى انه الصيغة الفعلية لتحول وتبدل وتغير واستحالة الأشياء والظواهر بصورة غير متناهية. ذلك يعني أن الجوهري فيه هو التغير والتبدل وليس الثبات. لكن حالما يجري تحجيره في الزمن والأفراد والشعارات، فإنه يؤدي بالضرورة إلى خرق قانون وجود الأشياء نفسها، مع ما يترتب على ذلك من مساع لتثبيته في الزمن والأفراد والشعارات. وهو تناقض لا يمكن حله إلا بالاستعمال الدائم للقوة والعنف والقهر والإكراه والكذب والدجل. بينهما هي قوى مستنفذة. من هنا خطورة «الخلود» و«المقدس» أو توليفهما في «الخلود المقدس» بالنسبة للأيديولوجية أيا كانت، لأنه يجبرها في النهاية على استعمال أساليب الإكراه والدجل، التي تستنفذ قوة الأيديولوجية مع مرور الزمن لتحولها إلى هراوة خشنة.
فالخلود هو الصيغة المجردة – الملموسة عن المقدس، أي عن مصدر الحرية والحق والإبداع. كما أنه الكيان المتعالي الذي لا يباع ولا يشترى مثلما نراه ونسمعه فيما نصطلح عليه بكلمات متنوعة مثل الله والمطلق وحقيقة الحقائق والروح والخير والجمال. ومن ثم ليس للأيديولوجية قدرة على احتواه وتمثله، بسبب انتمائها إلى عالم المصالح المتغيرة والمتبدلة. بعبارة أخرى إن مهمتها الحقيقية تقوم في البقاء ضمن عالم المتغيرات وتمثلها بطريقة واقعية تجعل من كل ما تقوله وتفعله جزءا من اجتهاد المعاصرة. إذ ليس إضفاء «الخلود» على الأحكام الأيديولوجية سوى الصيغة المقلوبة لمحاولات التعويض عن نقص الحاضر وإضفاء صفة المقدس على طموح الأفراد والأحزاب. في حين تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن إضفاء صفة المقدس على المطامع السياسية للأفراد والأحزاب يجعل من «خلودها» هراوة أبدية! من هنا ليست عبارات وشعارات «الزعيم الخالد» و«الرفيق الخالد» و«حزبنا الخالد» أو «شعارنا المقدس» و«غاياتنا المقدسة» و«مقدساتنا» و«قدس الله سره» وما شابه ذلك سوى الصيغة الأيديولوجية لسلب التاريخ والمستقبل عوضا عن مواجهة الإشكاليات الواقعية والتعامل معها بمنطق المعاصرة المستقبلية.
وفيما لو انتقلنا إلى تحليل بعض الشعارات الأيديولوجية الكبرى مثل شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» عند القوميين (البعثيين) وشعار «الشيوعية» عند الشيوعيين وشعار الخلاص (المهدي) عند الإسلاميين (الشيعة) وشعار «الإسلام المحمدي» عند الإسلاميين (السنّة)، فإننا نقف أمام اشتراك جوهري في الرؤية الأيديولوجية، وبالتالي توقع إمكانية الاشتراك في الأعمال والنتائج.
فقد كان شعار البعثيين «أمة ذات رسالة خالدة» تعبيرا أيديولوجيا مفرطا يقوم فحواه في تجاهل بل واحتقار قيمة التاريخ الفعلي بالنسبة لوعي الذات القومي. وذلك لأنه لا توجد أساسا رسالة خالدة عند قومية من القوميات أو أمة من الأمم انطلاقا من أن ما تقوم به أية أمة هو استمرار ونتاج لتاريخها الخاص وبالتالي فإن «رسالتها» لنفسها لا لغيرها. أما محاولة رفعها إلى مصاف الخلود، فانه يتضمن محاولة لإعطائها طابعا شاملا يؤدي بالضرورة إلى التعالي على الآخرين وسيادة عقدة التفوق العنصري. ويستمد هذا التفوق الوهمي مقوماته من الوهم الأيديولوجي الصرف عن توظيف فكرة «الخلود» و«المقدس» لمتطلبات السياسة. إذ ليست «الرسالة الخالدة» في الواقع سوى الصيغة الأيديولوجية عن أن ما تقوم به هذه الأمة هو فعل «مقدس» يتسامى على ما تقوم به الأمم الأخرى. أما النتيجة فهي التخريب الدائم للرؤية الواقعية والنقدية والعقلانية، وبالتالي احتقار كل القيم الإنسانية والاكتفاء بالهراوة والإكراه والعنف المنظم في التعامل مع المجتمع والدولة والأفراد والفكر. ولعل تاريخ تجسيد هذا الشعار في العراق هو نموذج صارخ بهذا الصدد. أما شعاراته العملية المكملة له عن الوحدة والحرية والاشتراكية، فقد تجسدت في تجزئة شاملة للفرد والمجتمع والدولة والقومية، واستبداد لا مثيل له، واشتراك منظم لسرقة الماضي والحاضر والمستقبل والثروة والروح والفكر والأخلاق.
أما «شعار الشيوعية» في العرف الأيديولوجي، فإنه لا يتعدى التصورات الدينية الإيمانية العادية عن الجنة والجنان، أي الهدوء الخالد والأبدي. من هنا قيمتها غير المباشرة في استثارة الخشوع الفردي والجماعي أمام محرابها السياسي في الحزب والقادة. ولا يغير من ذلك شيئا كون الشيوعية من حيث رؤيتها العقائدية الكبرى تناهض الفكرة الدينية بحد ذاتها وتقف إلى جانب نقيضها النظري المباشر. إذ ليس الدين من وجهة نظر الماركسية سوى الانعكاس الوهمي للواقع بعد إضفاء صفة التقديس عليه. وبالتالي، فان إرجاع الأمور إلى نصابها الواقعي وإدراكها بصورة علمية وموضوعية هو ضمانة القضاء على «الأوهام المقدسة» أيضا. وهي رؤية نقدية متجانسة. إلا أنها تعيد إنتاج هذه «الأوهام المقدسة» بصورة غير مباشرة أو مقلوبة الفروة حالما تحاول تجسيدها في رؤية سياسية لها حدودها الصارمة عن «الحقيقي» في التاريخ والمعاصرة والآفاق. كما هو جلي في محاولاتها الأيديولوجية تقديم رؤية شاملة للماضي والحاضر والمستقبل، قادرة على تمثل تجارب جميع الشعوب والأقوام والثقافات. ويؤدي هذا الأسلوب بالضرورة إلى صنع «أيديولوجية مقدسة» تقف خارج التاريخ، مع أنها الأكثر اندماجا به من الناحية المجردة. مما يضعها في نهاية المطاف ضد المسار الواقعي للتاريخ والثقافة والحق أيضا. وهو أمر جلي في تجارب العالم المعاصر بأكمله!
أما بالنسبة لشعار الخلاص (المهدي) الشيعي، فإنه التمثيل الأيديولوجي النموذجي للعقائد الشيعية القديمة عن الغيبة الكبرى والصغرى ونماذج التأويل اللاهوتي «للمنتظر» و«صاحب الزمان» و«الظاهر والباطن». بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نفس ظاهرة «التجريد» المتسامي للقيم التاريخية عبر رفعها إلى مصاف الخلود، ومنه إلى التقديس الدائم. إذ ليست «الغيبة» و«المنتظر» وربطهما في «الصاحب» و«الإمام» في الواقع سوى الصيغة الساعية لأنسنة المطلق (الخالد - المقدس). أي أنها تربط الزمن الدائم (والدائر) بالفكرة المتسامية ومن خلالها تحاول أن تعطي للمعاصرة قيمتها الجزئية في كل شيء، بما في ذلك في الأفعال السياسية. وهي صيغة مقلوبة لما ينبغي أن تكون عليه. إلا أن لها مبرراتها في الفكرة اللاهوتية التي لم تتحرر بعد من ثقل الماضي. فهي تعيد نفس مزاج الفكرة الفلسفية عن الحقيقي وغير الحقيقي، من خلال جعل التاريخ مسارا لا قيمة له ما لم يكن جزءاً من فعل الخلاص المنتظر (كما هو الحال بالنسبة للتاريخ الماضي قبل الشيوعي بالنسبة للشيوعية)، أو انه في أفضل الأحوال «مقدمة» للخلاص ومجيء «المنتظر». ووجدت هذه الصيغة انعكاسها في الدعوات والهتافات الرنانة عما يسمى بتأسيس «جيش المهدي». مع أن الصيغة البسيطة لفكرة المهدي نفسها هي بحد ذاتها نفيا «للجيش» وقضاء عليه، لان «ظهور صاحب الزمان» هو نفي للزمان أيضا! انه ملكوت الحرية الشامل وتحقيق الوعد والوعيد «السماوي» في الأرض! وتشاطر هذه الفكرة الكثير من الأديان والعقائد، بمعنى اشتراكهم جميعا في صنع «الأوهام المقدسة» عوضا عن توجيه الطاقة الاجتماعية لسكان المدن الفقراء والأرياف المنهكة صوب العمل البنّاء من اجل «طائفة» هي في الواقع حقيقة العراق، تعرضت في غضون عقود وقرون لأعنف أشكال الاضطهاد والتدمير، وحملت بين جوانحها وجنانها أنبل القيم وأكثرها سموا. إذ ليس «جيش المهدي» في الواقع سوى صيغة أيديولوجية لا قيمة عملية لها، مما يشرك الأتباع في عملية تفريغ للزمن وبعث العسكرة الريفية والمدن المتخلفة والسيوف المتكسرة عوضا عن المساهمة الفعالة في بناء روح العدالة والنظام. بعبارة أخرى، إن حقيقة المهدي لا ينبغي أن تكون «نهاية العالم»، بل بداية الحرية والنظام العادل ونهاية الدكتاتورية والاستبداد.
ولا تختلف فكرة الرجوع إلى الإسلام المحمدي عند التيارات السنية المتطرفة وحركاتها السلفية عن سابقتها، مع أنها ترجع إلى الماضي أكثر مما تنتظر المستقبل. وهو خلاف ظاهري فقط من وجهة النظر التاريخية والسياسية. لكنه يصب في نفس مجرى الابتعاد عن مواجهة إشكاليات المعاصرة بمقاييسها ومعاييرها ومتطلباتها. وذلك لان افتراض «نقطة» أو «مرحلة» في التاريخ على أنها نموذج المطلق، هو خروج على التاريخ نفسه. فهي رؤية أسيرة لمزاج التقديس المزيف للماضي، ولا تتعظ بفكرة الإسلام الوحدانية نفسها ومضمونها الثقافي. فما هو جوهري في تاريخ الإسلام ليس «الإسلام» بل إبداعه الثقافي. إضافة إلى انه الكيان الفعلي الوحيد في التاريخ والذاكرة والحقيقة.
كل ذلك يوصلنا إلى استنتاج يقول، بأن البحث عن فعل أو حالة أو شخص أو رمز مقدس في التاريخ وجعله نقطة البداية والنهاية هو سجود أمام أوهام أيديولوجية، لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى خلود بلا مستقبل! والشيء نفسه يمكن قوله والتدليل عليه في حال تناول عشرات بل المئات من المفاهيم والشعارات الواسعة الانتشار في ماضي وحاضر الحركات السياسية العراقية المعاصرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هذا الحلاق يتعامل مع العملاء الأكثر صعوبة


.. بسبب الحر.. طفل يبكي لعدم قدرته البقاء في المدرسة


.. بدون قناع مع الكاتب والمفكر اللبناني عبدالله نعمان




.. التغير المناخي يهدد جزر سان بلاس البنمية بالاختفاء تحت أمواج


.. إسرائيل تشن ضربات داخل الأراضي السورية بعد سقوط صاروخ قرب مف